تداولت مجالس الخرطوم خلال الاسبوع الأخير من شهر أكتوبر 2017 حديث النائب الأول لرئيس الجمهورية و رئيس مجلس الوزراء الفريق الركن بكرى حسن صالح فى المجلس الوطنى حيث أقر بفشل الحكومة فى إدارة الإقتصاد السودانى و قال إن هناك حاجة لمدرسة جديدة . و مثل هذا الإعتراف نادر جدأً فى السودان لأنه يحتاج للتحلى بدرجة عالية من الصدق و الشجاعة لا تتوافر عند أغلبية السياسيين السوادنيين الذين يهربون إلى الإنكار و المكابرة (أرانب) . والمقصود بالمدرسة الإقتصادية جماعة من الناس يؤمنون بنفس الأفكار حول كيف يكون إنتاج و تبادل السلع و الخدمات و توزيع الدخول الناتجة عن أنشطة الإنتاج و التبادل. وعند الحديث عن المدارس المتعلقة بإدارة الإقتصاد يتبادر إلى الذهن ثلاث مدارس رئيسية . المدرسة الأولى هى مدرسة الحرية الإقتصادية laissez- faire و الثانية مدرسة التحكم الكامل( الإشتراكية)حيث تقوم الحكومة بكل أو معظم أنشطة الإنتاج و التبادل و توزيع الدخل.و المدرسة الثالثة خليط من الحرية و التحكم و يصفها بعض الناس بالإقتصاد المختلط و هى فى تقديرى أقرب فى أغلبية الأحوال للمدرسة التحكمية. فما هى المدرسة الإقتصادية التى كانت تدير إقتصاد السودان منذ نهاية يونيو 1989وفشلت فى إدارة الإقتصاد السودانى حسب ما قاله االنائب الأول لرئيس الجمهورية و رئيس مجلس الوزراء؟
ماذا يريد المواطن العادى من الحكومة؟
إذا تحدثت مع مائة مواطن سودانى على إنفراد و قمت بتوجيه سؤال محدد لكل منهم وهو : ماذا تريد من الحكومة؟ سوف تجد أن غالبية الردود تتمحور حول ثلاث مهام رئيسية يتوقع المواطن أن تقوم بها الحكومة وهى أولاً أن توفر الأمن و الأمان لأرواح و أعراض و أموال المواطنين . و ثانياً ان تيسر أو تسهل المعيشة عن طريق استقرار اسعار السلع و الخدمات و توفير فرص العمل و التعليم و العلاج و السكن. و ثالثاً أن تقيم العدل بحماية الضعفاء من تعدى الأقوياء و تعطى كل ذى حق حقه و ترفع المظالم. و قد إعترف النائب الأول و رئيس مجلس الوزراء بفشل الحكومة فى تيسير المعيشة. فما هى المد رسة التى كانت تدير الإقتصاد و هل هى مدرسة فاشلة فعلاً؟

فاشل فى نظرك و ناجح بمقياس مقاصده هو :
قد تحكم على شخص بأنه فاشل لأنه لم يحقق الهدف أو يصل إلى المقصد الذى تريده أو تتوقعه أنت ولكنه يرى نفسه فى قمة النجاح لأنه قد حقق ما يريده هو . و مثال لذلك مكنكش الديمقراطى أو رئيس الحزب أو الحكومة الذى يكون شاغله الأول و ربما الأوحد أن يكنكش فى الكرسى الذى يجلس عليه. فهو يرى نفسه فى قمة النجاح طالما هو جالس فى الكرسى . و ينطبق هذا المثال على حكم الحركة الإسلامية التى كان على رأسها الدكتور حسن عبدالله الترابى.فقد نقول إنها قد فشلت فى الحكم و لم تحقق ما يتوقعه المواطن العادى من الحكومة و لكن أعتقد إن الحركة الإسلامية قد حققت ما أرادته من الإنقلاب الذى قامت به فى الثلاثين من يونيو 1989.
الحركة الإسلامية السودانية تنظيم عقائدى له تصورات محددة حول المجتمع و نظام الحكم مستمدة من كتابات الأخوين قطب و خاصة كتاب محمد قطب بعنوان:( جاهلية القرن العشرين) و كتاب سيد قطب:( معالم فى الطريق). وتقوم تلك التصورات على أفكار فى مقدمتها أن كل المجتمعات المعاصرة تعيش فى حالة جاهلية . و هناك حاجة لطليعة إسلامية لتخرج الناس من ظلام الجاهلية إلى نور الإسلام. و سوف تفعل الطليعة ذلك عن طريق التمكين. وحشوا عقول و قلوب أعضاء تنظيم الإخوان المسلمين الذى تحول لاحقاً إلى جبهة ميثاق إسلامى ثم جبهة قومية إسلامية ثم حركة إسلامية؛ حشوا عقولهم و قلوبهم بتلك الأفكار حتى صارت عندهم عقيدة بديلة للأوامر و النواهى الواردة فى كتاب الله و خاصة ما يتعلق بالحرية و الشورى و العدل و الرحمة و الصدق و الأمانة.و وصل التلبس عند أغلبيتهم درجة الإعتقاد أن الإسلام قد تجسد فيهم هم . و هم وحدهم على حق و كل من عداهم على باطل.و كانت لديهم خطة كاملة للتمكين شرعوا فى تنفيذها منذ اليوم الأول لإستيلائهم على الحكم عن طريق الإنقلاب المسلح فى الثلاثين من يونيو 1989 . و تقوم الخطة على التمكن أو الهيمنة الكامة على كل مصادر القوة و خاصة جهاز الدولة ( الجيش و الشرطة و الخدمة المدنية و الإستخبارات)و الإعلام و الإقتصاد. و قاموا بإبعاد كل من ليس عضواً مسجلاً فى حزبهم و وضعوا مكانه قيادى أو عضو عادى من حزبهم. و قاموا بتصفية ما سموه بالنفوذ الإقتصادى للطائفية بدون رحمة عن طريق محاربة التجار و رجال الأعمال الذين كانوا ينتمون للحزبين الكبيرين، الأمة و الإتحادى الديمقراطى، عن طريق الضرائب المجحفة و الحرمان من الرخص و من التمويل و غيرها من أساليب التدمير. وأذكر أن (م.ع.ه) الذى عين وكيلاً لإحدى الوزارات الإقتصادية المهمة قد قال لى بعضمة لسانه إنه لايقبل تنفيذ التوجيهات التى تصدر إليه بأن يحارب الناس فى عملهم و معيشتهم على أساس حزبى لأنه لا يستطيع الدفاع عن ذلك الفعل عندما يقف أمام الله. و قد أبعد.
و فتحوا أبواب التجارة للشركات التى يملكها رموز الحركة الإسلامية و للشركات الحكومية التى تحولت من الناحية العملية إلى شركات تملكها الحركة الإسلامية؛ يديرها و يعمل بها أعضاء التنظيم و تتصرف الحركة بحرية كاملة فى تعاملاتها وإيراداتها و أرباحها. وسيطروا سيطرة كاملة على الإعلام و كمموا أفواه الآخرين. و لكن سرعان ما تحول التمكين الحزبى إلى تمكين قبلى.


التمكين القبلى و التدمير المتبادل:
قرب نهاية العام 1989 بدأت مجالس العاصمة القومية تتحدث عن وجود أكثر من مؤامرة داخل المؤامرة. و كنت وقتها أشغل منصب مدير عام لشركة صناعية يملكها المرحوم الأمين النو مالك متجر مليون صنف فى قلب الخرطوم و أخويه عبدالقادر و المرحوم محمد أحمد و المهندس منير يوسف الحكيم.و كان محمد أحمد النو عضواً ناشطاً فى الحركة الإسلامية و كنت أمازحه بأن نظام حكمهم سوف ينتهى إلى ما انتهت إليه أنظمة الحكم فى المعسكر الشيوعى من صراع على السلطة و ظلم و فساد لأن حب الشهوات و ضعف الناس الذى جاء فى القرآن الكريم ينطبق عليهم مثلما ينطبق على كل الناس. و كان يستبعد ذلك. و فاجأنى صباح يوم قائلاً يبدو أن مزاحك فى طريقه لأن يصير حقيقة. و هناك ما يشير إلى وجود أكثر من طرف يستقوى بأفراد قبيلته و (يحفر) للشيخ و للبشير للإستيلاء على السلطة لنفسه. وكانت تلك بداية التمكين القبلى و تبادل التدمير بين الطامعين فى كراسى الحكم وفى المال. و أتوقع من خالد التجانى النور الذى كان حتى وقت قريب من أبناء الحوش insider وبحكم ما لديه من معلومات التوسع فى هذا الموضوع الذى هبشه فى مقاله المنشور فى جريدة إيلاف الأسبوعية عدد الأربعاء أول نوفمبر2017 .

غياب الدوافع لمخاطبة هموم و تطلعات الناس :
إن فشل حكومة الإنقاذ فى مخاطبة هموم و تطلعات المواطنين السودانيين يرجع إلى سبب أساسى هو قيام النظام على فكرة شيطانية هى التمكين أو الهيمنة المطلقة السياسية و الإقتصادية و الإعلامية و تدمير كل من ليس من حزب الحركة الإسلامية والمصادرة الكاملة لحق المواطن السودانى فى مساءلة الحكومة و محاسبتها على القصور فى مخاطبة همومه و تطلعاته. ففى نظم الحكم الديمقرطية التى تقوم على الحريات العامة وتداول السلطة عبر صناديق الإقتراع تحرص الحكومات على مخاطبة هموم و تطلعات الناس لأن السياسيين يعرفون إن فشلهم فى مخاطبة هموم و تطلعات الناس سوف يؤدى إلى إبعادهم من الكراسى عبر صناديق الإقتراع و لذلك يدفعهم الحرص على مصالحهم الشخصية على التصرف بالطريقة التى يريدها المواطن. و لكن فى نظم الحكم الإستبدادية لا يملك المواطن أية نفوذ على سلوك الحكومة و لذلك لا يهتم الذين يجلسون على كراسى الحكم بهموم و تطلعات المواطنين مثل ما يحدث عندنا فى السودان.و لا تنتمى مدرسة الإنقاذ الإقتصادية إلى أى من المدارس الثلاث المذكورة أعلاه اللبرالية و التحكمية و المختلطة بل هى مدرسة قائمة بذاتها هى مدرسة التمكين الحزبى و القبلى التى أدارت الإقتصاد السودانى بالطريقة التى افقرت أغلبية الشعب السودانى و نقلت جماعة من الناس من بيوت القش و الطين إلى القصور . و لذلك أرى إن المطلوب الأساسى فى أية مدرسة جديدة لإدارة الإقتصاد السودانى هو إدارة الإقتصاد السودانى لمصلحة كل السودانيين و فى مساواه كاملة بدون محاباه أو مضاداه على أساس الإنتماء الحزبى أو القبلى أو الدينى أو الجهوى. و لن يحدث ذلك ما لم يبعد من ينتمون للمدرسة القديمة(مدرسة التمكين)من كل المواقع المؤثرة فى إدارة الدولة.


الخلاص فى إطلاق طاقات الناس الإنتاجية:
و من الذى أخشاه هو أن يقودنا البحث عن مدرسة جديدة لإدارة الإقتصاد السودانى إلى الوقوع فى شباك التحكميين من اليسار و اليمين الذين يطالبون بالتحكم فى الأسعار بالقرارت الإدارية و المطاردة البوليسية و يطالبون بالإبقاء على دعم أسعار بعض السلع الإستهلاكية مثل القمح على الرغم من التكلفة الإقتصاية العالية لدعم الإستهلاك التى تتمثل فى التضحية بالإستثمار فى البنيات التحتية مثل الطرق و مواعين تخزين المياه و المحاصيل و التعليم و التدريب و فى تحويل الطلب من السلع المحلية ، تحويله إلى سلعة مستوردة لا نستطيع إنتاجها فى السودان بالجودة و التكاليف القادرة على المنافسة مع إنتاج الآخرين. و ربما يعرف القارئ الكريم الذى يتابع ما أكتب إننى أنادى بأن تكون لنا رؤية و اضحة لإدارة الإقتصاد السودانى تقوم على محاربة الفقر و إنتشال السودان من مستنقع الضعف و الهوان و النهوض به عن طريق التحكم فى إرتفاع أسعار السلع و الخدمات لحماية الدخول الثابتة و المحدودة مثل الأجور من تآكل و تلاشى قيمتها الشرائية بأن تتوقف الحكومة توقفاً كاملاً عن طباعة العملة لتمويل لتمويل صرفها و تستعيض عن ذلك بتوسيع مظلة ضريبة الدخل بأن يلزم كل الناس لتكون لهم أرقام و ملفات ضرائب و يقدموا سنوياً إقرارات دخل. ومحاربة الفقر عن طريق توفير فرص العمل و زيادة الدخول برفع معدل الإستثمار إلى على الأقل (30%) من الناتج المحلى الإجمالى بإطلاق طاقات القطاع الخاص المحلى و الأجنبى للإنتاج و الإستثمار بتوفير المناخ المواتى الذى يشجع الإنتاج و الإدخار و الإستثمار .و يقوم المناخ المواتى على سبع مطلوبات أساسية هى أولاً إحترام حق كل سودانى و سودانية فى العمل و الكسب حسب ميوله و رغبته و قدراته و التمتع بثمار جهده بعد دفع الضرائب المعقولة و ثانياً المساواه فى المعاملة بين جميع الناس بدون تمييز و محاباه أو مضاداه على اساس حزبى أو قبلى أو دينى أو جهوى إلا إذا كان التمييز بقصد رفع الظلم و إقامة العدل و ثالثاً توفير الأمن لأرواح و اعراض و أموال الناس. و رابعاً حماية الضعفاء من ظلم الأقوياء و إعطاء كل ذى حق حقه عن طريق القوانين التى يطبقها قضاء مستقل و خامساً إستقرار السياسات الحكومية و سادساً إستقرار أسعار السلع و الخدمات. وسابعأ تشييد بنيات تحتية قوية للنقل تربط كل أطراف السودان و تربط السودان بأسواق الصادر.و يحتاج ذلك لتخفيض الصرف الجارى للحكومة و خاصة على الهياكل الإدارية تخفيضاً هائلاً و توجيه الأموال إلى الإستثمار فى تشييد البنيات التحتية و فى تدريب العاملين بالدولة و القطاع الخاص.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.