( 1 )

كانت ليلة توزيع المصاحف الشهيرة علامة فارقة في مسيرة الحركة الإسلامية السودانية ، ففي الرابع من ديسمبر من العام 1990 م إجتمع الدكتور حسن عبدالله الترابي بمجموعةٍ مختارة من القيادات الهامة بالحركة وأعلن في كلمةٍ إحتفالية عن تمكُّن الدين بالسودان وعن سعادته لرؤية ثمار جهدهم ماثلة أمامهم ، في إشارة لوصول الحركة للحكم وتحولها من تنظيمٍ إلى دولة . في تلك الليلة تحدث عن تعاقب الأجيال وتبادل استلام الرايات معلناً بذلك عن مرحلةٍ جديدة تتبدل فيها وجوه القادة وتتغير أدوراهم ، ثم تم توزيع المصاحف لاولئك القادة أن ( شكر الله سعيكم ) . وبذلك استغنت عن أعضاء تاريخيين قضى بعضهم ، كما ذكر الترابي في اللقاء ، قرابة الأربعة عقود في صفوف الحركة .
شكَّلت ليلة توزيع المصاحف ، أو سمها تبادل الرايات ، غطاءً أخلاقياً لتلاميذ الترابي للإستغناء عنه بعها بتسعة سنوات ، فكانت المفاصلة تقوم على ذات أرضية تبادل الرايات . ولأنها حدثت في وقتٍ تحولت فيه الحركة لدولة وذابت عضويتها في مؤسسات الحكم ، وما أتاحه وضعها الجديد من إمتلاكٍ لمصادر القوة عبر السلطة ؛ فقد أصبح أعضاء الحركة قادة في الأجهزة الامنية والإستخبارية والشرطة والجيش ، وعلى رأس المؤسسات الاقتصادية والتعليمية ، ببساطة أصبحوا هم الدولة . لذلك جاءت المفاصلة بالغة العنف ، سالت فيها الدماء وامتلأت المعتقلات وحدثت فيها التصفيات الجسدية داخل وخارج المعتقلات ، لذا فإن مفاصلة الرابع من رمضان 1999 م كانت ليلة رفع مصاحف طويلة ودامية . ومن يومها تكرر ذات السُنَّة بأشكالٍ مختلفة ودوافع متعددة ، محصلتها الأخيرة هي الإقصاء .
دقَّت أحداث الرابع من رمضان إسفين في جسد الحركة الإسلامية ، و أصبحت أولى خطوات انهيار مشروعها للحكم وفشلها في الحفاظ على وحدتها ووحدة واستقرار السودان وأمنه . لكن هذه المآل نتاجٌ طبيعي بالنظر لبنية الحركة الفكرية والتنظيمية ؛

( 2 )

فبالنسبة لمرجعياتها الفكرية ، وكما ورد في المقال الأول ، فان الحاكمية لله هي المفهوم المحوري في فكر الحركة . ويتفق الباحثون في فكر الحركات الإسلامية على أن أبو الأعلى المودودي مؤسس الحركة الإسلامية بالهند ، هو أوَّل من وضع إطاراً فكرياً نظرياً لأيدولوجيا الحركة الإسلامية ، فقدم نظرةً جديدة ضمَّنها كتابه (النظريات الأربعة ) الصادر في العام 1942 . يرى المودودي أن جوهر الألوهية هو السلطة ، تبنى سيد قطب هذه الرؤية ومضى فيها أكثر حيث وضع الجاهلية والكفر كمقابلٍ للحاكمية لله واعتبر أن الحاكمية هي التوحيد . يقول قطب في مؤلفه ظلال القرآن ( لقد استدار الزمان كهيئة يوم جاء هذا الدين للبشرية وانتكست البشرية بجملتها للجاهلية ) . ومن آرائه حول النظام الإسلامي والتي أثارت جدلاً فيما بعد أن الحكم لله وحده لا يشاركه احدٌ في منهجه وشرعته ، عدا ذلك فهو الشرك والكفر . فالأمر عنده إما تحكيم النظام الإسلامي أو هي الجاهلية والكفر الصراح ، ومن هنا ذهب المفكر المغاربي د. فاروق حماده إلى أن فكر الأخوان المسلمين كان منطلقاً للتطرف والعنف ، وأن تنظيم القاعدة ما هو إلا نتاج لهذه الأفكار . ربما من هنا كان الحبل السري الذي يربط حكومة الاسلاميين في السودان بالجماعات المتطرفة في تنظيم القاعدة وداعش ، فتستضيف أسامة بن لادن وتصبح البلاد ماكينة لصناعة وتصدير المتطرفين ومعبراً لهم لدول الجوار ، ويصير فيها محمد علي الجزولي الذي يعلن دعمه وتأييده لداعش إماماً لمسجد ورجل أعمال .
بالنسبة للدكتور الترابي فقد بنى على نظريتي المودودي وقطب وتجاوزهما فربط الحاكمية بارادة الأمة ثم بارادة الدولة ، فيرى أن الممارسة السياسية والدولة نفسها تصبح مشرِّعاً ورافد من روافد الشريعة والقانون ، وبجانب التعقيد في الفكرة فانها ظلت مجرد تنظير لم تعقبه رؤى تحيله لبرنامج عمل .
ظل فكر سيد قطب هو الهادي للحركة الإسلامية السودانية ، فحرب الجنوب كانت حرباً على الكفر ، وقصائد قطب الشهيرة ، التي تعظِّم من شأن الموت في سبيل إرساء حكم دولة الإسلام ، كانت هي أهازيج مقاتلي الحركة الإسلامية . كذلك القوانين التي تفصيلها لردع المجتمع ، من قانونٍ للأحوال الشخصية وقانون النظام العام والقانون الجنائي وغيرها ، تعامل فيها المشرِّع مع المجتمع كأنه مجتمعٌ جاهلي أو حديث عهدٍ بالإسلام . وعقوبات الجلد ، على الرجال والنساء ، التي يتم تنفيذها على مرآى من الناس لكي ( يشهد عذابهما طائفةٌ من المؤمنين ) ، هي تأويلٍ للآية خارج إطار الزمن .
ثم وفي طريقها لإرساء دعائم دولتها القدسية مارست الحركة الإسلامية منذ ايام انقلاب الإنقاذ الأولى ، القوةً المفرطة ضد القوى السياسية التي تحمل فكراً مخالفاً لها ، بالسجن والتعذيب والتصفية في المعتقلات والتشريد من الخدمة المدنية . وفي حرب دارفور ، لم يعدم الاسلاميون مسوغاً يدفعهم لإرتكاب جرائم الحرب والإبادة الجماعية ، وفي هذا تطورٌ جديدٌ تجاوز فكر قطب ، فأباحوا لأنفسهم إشعال الحروب وقتل المسلمين لأجل الحفاظ على دولة الإسلام .
وفي تقهقر فكري ، يتوافق مع حال تشظي الحركة الاسلامية ، وفشلها في تحقيق أطروحاتها الفكرية ، بدأت الدولة في رعاية نماذج تعتبر بدائية بالمقارنة بفكر الحركة الإسلامية ، وذلك بأفساحها المجال لتيارات فكرية كانت تعتبرها رجعية ، كالسلفية ، فسادت ساحة الدعوة وجوهٌ كمزمل فقيري وأبوبكر آداب ومحمد مصطفى عبد القادر ، عادت بالفكر الإسلامي إلى مرحلة بطلان الأحزاب السياسية وتكفير الصوفية ، ،وسط إقبال من الشباب على هذه الدعاوى ، ما يعتبر أكبر هزيمة للحركة الإسلامية السودانية ، فقد فشلت وهي في سدة الحكم في التبشير بفكرها .

(3)

أما عن البناء التنظيمي للحركة ، فيبدأ بوحداتٍ أو خلايا بالأحياء والمدارس والجامعات والقطاعات المهنية ، يتم تصميمها بهرمية بحيث يكىن التصعيد من أسفل الهرم لقمة التنظيم ، لكنه عندما يصل للأمانة العامة للحركة ، حيث رأس التنظيم ، يواجه بما يمكن تسميته بالسقف الزجاجي ( Glass ceiling ) ، إن جاز التعبير ، والذي خلق أميناً عاماً أوحد لقرابة النصف قرن وحتى تاريخ رحيله ، مما جعله أشبه بالمرشد العام كما في النظام الإيراني ، أو ديكتاتور بأبعاد روحية ، فأدى ذلك لتكلس هياكل الحركة وغياب روح التجديد الحقيقي بداخلها .
على صعيد البناء التنظيمي ظلت الحركة تنتج كوادر سياسية ، وإدارية يتم تدريبها على فنون الإدارة داخل التنظيم . بعد التمكين ، وبذات تجربتهم في إدارة الحركة ، تحولوا لتصريف شئون الدولة وكأنها وحدة إدراية تتبع للتنظيم ، دون أن يتم تأهيلهم على نظم إدراية تواكب الإنتقال الكبير الذي حدث للحركة .
فأعملوا آلة الإقصاء داخل مؤسسات الخدمة المدينة في أكبر مذبحة لكوادرها فيما يسمى بالإحالة للصالح العام ، وأصبح الولاء وليس الكفاءة هو معيار التوظيف والترقي في سلم الخدمة المدنية .
لم تنجح الحركة الإسلامية في خلق عضوية مبدعة في مجالات الفكر لأنها اكتفت بمفكرٍ أوحد ، وفشلت في إقتحام مجالات الفنون والإبداع من مسرحٍ وشعرٍ وغناء وموسيقى ، لأن الفرد الرسالي فيها لا يتربى على إعلاء قيمة هذه الضروب من الفنون ، ربما لأن الحركة لا تضع لها أهمية في تشكيل وجدان الفرد ، أو للقصور الذي يسم برامجها في توجيه قدرات أعضائها وتشجيعهم لتفجير طاقاتهم . وقد يكون لإغتراب فكر الحركة عن جذور المجتمع السوداني وفشلها في تبيئته ، فهي تحمل فكرة تتجاوز الحدود الجغرافية لكل العالم الإسلامي ، والعالم أجمع . يتضح ذلك في أدبياتها ، فأشعارها تتغنى لحسن البنا وسيد قطب والثورة الاسلامية في إيران ، وكتيباتها الحركية التي تغذي فكر عضو الحركة هي للمودودي وقطب ومحمد الغزالي . وحتى عندما يتعبد عضو الحركة لله لا يجد إلا أوراد حسن البنا . لذلك ظلت الحركة غريبة عن المجتمع ووجدانه ، ورفدته بأعضاء جامدون إلا من الخطابة السياسية ، والإدارة بأفقٍ لا يتجاوز حدود الهياكل التنظيمية .
وفوق كل ذلك هناك منطلق أيدولوجي في موقف الحركة من الفنون بشكلها المطلق ، يظهر ذلك في رؤى الدكتور حسن الترابي عندما أفرد كتاباً لذلك أسماه ( حوار الدين والفن ) ، فالجمال عنده ذو طبيعة مزدوجة ؛ به قد يهتدي الإنسان وقد يضل . ثم يصل فيه لخلاصة أن الفن ( أشدَّ فتنةً عن الدين لأن انفعاله لا شعوري لا يناسب التوجه العاقل والحركة القاصدة ، مما هو شأن نيات الدين المتجه بوعي نحو الله ) . ويقول ( الفن اشباعٌ للحاجات الغامضة في النفس وهو انفعال طلق من الوجدان لا يكاد يعرف حدود التزام موجه منضبط ، بل ينزع لصاحبه في الخيال وقد يلهيه عن كل قصدٍ وحد وقد يشطح به وراء كل ضابطٍ وهو بهذا أقرب إلى خاصة نفس الفنان وأحواله الذاتية وأبعد من أن يكون نظاماً موضوعياً أو وظيفة إجتماعية ملتزمة للمصالح العامة أو بيئة الواقع وحاجاتها ) . رؤى الترابي لا يتم التعامل معها في الحركة الإسلامية كإجتهاد بشري قابل للخطأ والصواب ، وإنما كقطعيات يُؤخذ بأكثرها تشدداً من باب ( إتقوا الشبهات ) . لذلك كانت إجتهاداته حول الفن منهجٌ ملزمٌ داخل التنظيم دون الحاجة لتدوينه ضمن اللوائح والموجهات .
فالفن في فكر الحركة الإسلامية فتنةٌ للدين وملهاةٌ عن مقاصده . لذا خلت صفوف الحركة من أصحاب المواهب إما لكونهم نجحوا في قتلها ذاتياً أو فارقوا صفوف الحركة واختاروا الإقتراب من جوهر ذواتهم ، حين وجدوا أن عباءة التنظيم أضيق من أن تستوعبها فخرجوا لرحاب الإنسانية التي أعادتهم للفطرة السليمة ، في توقها لأن يكون الإنسان هو نفسه، بعيداً عن القولبة والتحجيم ، و الصناعة الموجهة بأطرٍ دينيةٍ جامدة وقاصرة .
وبعد أن تمكَّنت الحركة الإسلامية حاولت تطبيق نظرتها للفنون والإبداع ، فحاربت المبدعين وأعملت مقصها ( الرسالي ) حتى في الأغاني التي شكَّلت وجدان المجتمع السوداني قبل أن يولد أبو الأعلى المودودي وحسن البنا .
لكل ذلك جاءت الحركة الإسلامية للحكم وهي تريد الحكم في ذاته ، جاءته وهي تحمل بذور فشلها الفكرية والتنطيمية بداخلها ، فقدت نموذجاً لكيف تنهار المشاريع الفكرية .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.