مدخل:

الذكرى المئوية لانتصار الثورة الروسية هي مناسبة عزيزة علي كل قوى التقدم في العالم، وتستدعي من الثوريين، الساعين لإنجاز التغييرات الجذرية في مجتمعاتهم، محاولة التعلم الجادة من أسباب نجاحها، واستخلاص الدروس المهمة من قصورها الذي أدى لانهيارها العاصف. لقد " أثار انهيار ازدواجية خيار التطور الاجتماعي، وسيادة وحدانية التطور الرأسمالي الكثير من الإشكالات الفكرية/السياسية/التنظيمية للأحزاب الشيوعية واليسارية الراغبة في بناء عالم تسوده الحرية والعدالة الاجتماعية. ان الإشكالات الفكرية/ السياسية التي تواجه اليسار الماركسي تتبدى في التعقيدات التي تتسع دائرتها يوما بعد آخر بسبب الهجوم الأيديولوجي المرافق للحملة الجديدة من تطور الرأسمالية المعولمة من جهة، وغياب المنظومة الفكرية المضادة التي يتحرك في اطارها نضال اليسار الماركسي من جهة أخري." ولتخطي تلك العقبات امام قوى اليسار الماركسي عليه قراءة تجربة الثورة الروسية بعيون ناقدة وعقل منفتح امام الجديد. وكان لينين، بفكره وتكتيكاته وحزبه، في قلب احداث الثورة الروسية، كما ان أفكاره شكلت أجيالا عديدة من الثوريين في مختلف انحاء العالم.
أضاف لينين اسهامات نظرية متميزة في حقول الفلسفة الماركسية ونظرية الامبريالية وتكتيكات الثورة وأسس تنظيم الحزب الثوري ودوره الطليعي. وتعتبر اطروحاته حول التنظيم الحزبي، وحول عظم ظهره المكون والمُشكل من ثوريين محترفين، تفرغوا تماما لقضية الثورة، وحول بناءه التنظيمي الحديدي المرتكز على المركزية الديمقراطية، أضافات متقدمة ساعدت على بناء حزب قوب وفعال. ويعتبر ذلك التنظيم أحد اهم إبداعاته التي ساعدت على انتصار الثورة الروسية وعلى حماية السلطة السوفيتية الوليدة. رغم إن ولادة النظام الاشتراكي السوفييتي قد اقترنت بأزمات استثنائية، اضطرابات، حروب عالمية وأهلية، تدخل أجنبي، خسائر فادحة في الأرواح ودمار هائل. علاوة على ذلك، كان مستوى التقدم الاقتصادي واطئا مقارنة ببلدان غرب اوريا. فقضايا الثورة الروسية كثيرة ومتشعبة ولا يمكن التعرض لها كلها في مقال واحد. الفهم سيكون تركيزنا في هذا المقال على قضية التنظيم اللينيني للحزب، وعلي أساسه المتمثل في المركزية الديمقراطية، لإيماننا بدور الحزب الثوري الهام والمحوري في تحقيق الثورة الاشتراكية. ونحاول تقديم قراءة نقدية لذلك التصور اللينيني للمركزية الديمقراطية ومدى ملاءمته للتنظيم الثوري في وقتنا الراهن، في أطار المتغيرات السريعة والمتعددة والعميقة التي تميز بها عصرنا.

مقدمة:
هذه قراءة نقدية للمركزية الديمقراطية (جوهر التنظيم اللينيني) من ناحية تطورها التاريخي واسس بنائها النظري وأسلوب تطبيقها العملي وعرض مظاهر قوتها حسب اراء المدافعين عنها ونواحي ضعفها كما يوردها القادحون فيها ثم نحلل أثرها على البناء التنظيمي للأحزاب الشيوعية، ونحاول الاجتهاد لطرح الخطوط العامة لبديل ديمقراطي أكثر تقدما من الشكل الحالي للتنظيم المبني على المركزية الديمقراطية. والهدف من ذلك المساهمة في تطوير شكل التنظيم الثوري ليواكب تحديات زمننا الراهن ويجابه التحديات التي يقدمها الواقع المتجدد.
طبقت الأحزاب الشيوعية، على نطاق العالم، مفهوم المركزية الديمقراطية، بتأثير قرارات وشروط مؤتمر الكومنتيرن الثاني (الأممية الثالثة). حسب الأسس التي وضعها لينين، لضبط نظامها التنظيمي وتحديد العلاقات بين هيئات التنظيم المختلفة ومهام وسلطات الهيئات المركزية القائدة والدور الهام والمحوري للكادر المتفرغ للحزب وشروط العضوية واسس الصراع الفكري وواجبات وحقوق الأعضاء داخل الحزب. بمعنى اخر هي الهيكل الذي تنبى عليه كل الممارسات التنظيمية والأداء الحزبي.

وأوضح تفصيل للمركزية الديمقراطية ما نص عليه دستور الحزب الشيوعي السوفيتي حسب ما جاء في الفقرة التالية:
" According to Article 19 of the Statue of the Communist Party of the Soviet Union (CPSU) in 1986, democratic centralism within the party entailed the following:
1. election of all leading Party bodies, from the lowest to the highest;
2. periodical reports of Party bodies to their Party organizations and the higher bodies;
3. strict Party discipline and the subordination of the minority to the majority;
4. the binding nature of the decisions of higher bodies for lower bodies;
5. collective spirit in the work of all organizations and leading Party bodies and the personal responsibility of every Communist for the fulfilment of his/her duties and Party
assignments.”

ونلاحظ، هنا، ان هذه المبادئ صارت من المسلمات غير القابلة للتغيير أو الاقتراب منها، في المفهوم السوفيتي للتنظيم الحزبي. فنفس الأسس التي اجازها مؤتمر الحزب الشيوعي السوفيتي في عهد غورباتشوف (1986) هي نفس الأسس، بتفاصيلها ورسمها، التي اجازها مؤتمر الحزب الشيوعي السوفيتي السابع في قمة عهد تسلط ستالين في عام (1934):
‘At the Seventh Congress of the Communist Party in 1934, new rules were adopted which defined democratic centralism in four points: election of all leading bodies of the party; their periodic accountability to their respective party organizations; strict party discipline and the subordination of the minority to the majority; decisions of higher bodies to be absolutely binding on lower bodies and on all party members.’

جذور المركزية الديمقراطية في الفكر الماركسي

لم يورد ماركس وانجلز في كتاباتهما مصطلح المركزية الديمقراطية. ولكن من الملاحظ، خلال قيادتهما لرابطة الشيوعيين وجود قواعد تنظيمية تشمل جوهر المركزية كما تشمل اسس الديمقراطية. وفكرا في عامي 1871-72 اثناء قيادة الأممية الاولي في زيادة سلطات المجلس العام ومركزة قواه. ولكن في نفس الوقت نقدا النظام المتشدد والصارم الذي فرضه شوتزير في منظمة العمال الالمان والذي وصف نظامه الصارم بالمركزية الديمقراطية، ويعتقد انها اول مرة يظهر فيها ويستخدم التعبير (المركزية الديمقراطية). ومن المعروف ان انجلز، خلال أيامه الأخيرة، قد أرسل عدة رسائل يطالب فيها بالمزيد من حرية التعبير لكافة التيارات التي كانت تضمها الحركة العمالية المتزايدة النشاط آنذاك.

معرفة الواقع الروسي في ظل القيصرية يساعد في فهم التصور التنظيمي الذي وضعه لينين. كان الحكم الأوتوقراطي المطلق يخنق كافة مظاهر الحياة في روسيا. وغرست الكنيسة وسط الشعب الروسي، خاصة فلاحيه، نظرية الحق الإلهي للقيصر في حكم روسيا، وعدم جواز الخروج عليه. كما قاوم القيصر، شخصيا والبطانة التي كانت حوله، أي إصلاحات مهما كانت بسيطة. ومُنعت الأحزاب والنقابات وإصدار الصحف وحق التجمع والتظاهر، وتم خلق دولة بوليسية قمعية شرسة. وكان من اساليبها اعتقال ونفي المعارضين (داخليا الى سيبيريا وخارجيا الى اوربا). وفي ظل هذا الواقع الديكتاتوري عملت الأحزاب والنقابات سرا تحت الأرض. أما الأوضاع الاقتصادية فكانت من أسوا ما يكون، وعاشت معظم الجماهير العمالية والفلاحية على حافة المجاعة. كما أدت الهزيمة في الحرب مع اليابان ودخول روسيا في الحرب العالمية الاولي لتدمير شبه شامل للبنيات الأساسية ولقدرات القطاع الصناعي على تلبية احتياجات الجيوش وفي نفس الوقت احتياجات السوق الداخلي من سلع استهلاكية.

شكل مصطلح المركزية الديمقراطية، لأول مرة، كإطار للتنظيم الحزبي من قبل جناحي حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي (البلاشفة والمناشفة) من خلال المؤتمر الذي انعقد في 1905 (كلٍ على حدة). ومن الملاحظ ان الحريات التي تم نيلها كنتاج لثورة 1905 وسعت من دائرة الممارسة الديمقراطية على النطاق العام وداخل حزب العمال، مما انعكس على حرية المناقشات في المؤتمرات الحزبية وظهور تيارات معروفة. وذلك الهامش من الحريات يختلف عن الواقع، الكالح السواد في 1902، عندما كتب لينين كتابه الشهير (ما العمل؟). واقع الحكم الأوتوقراطي المطلق بمنعه لأي نشاط وقمعه بشدة لكل المعارضين والنشطاء السياسيين. وقد انعكس ذلك الواقع المفرط في قمعه على الكتاب وعلى اطروحاته التي دعمت المقولات الأساسية للكتاب.

واقع القمع المطلق أثر على طرح لينين للخط التنظيمي للحزب، ولكن نلاحظ تطور أفكار اينين التنظيمية مع تلك التحولات السياسية المختلفة التي حدثت في روسيا. فقد كتب لينين في 1906 مؤيدا حق الكتل والتيارات والاجنحة في التواجد في الحزب وان تتم الانتخابات في الحزب بديمقراطية على كافة المستويات وفى نفس الوقت حق الأعضاء في محاسبة من يتم انتخابهم بل وعزلهم. وكان يشترط، فوق ذلك، بتنشيط الصراع الأيديولوجي في الحزب والتمسك بوحدة تنظيمية حديدية وقبول الجميع بقرارات مؤتمر الوحدة. ومن اقوال لينين الشهيرة في وصف المركزية الديمقراطية هي" حرية المناقشة ووحدة الفعل (العمل)". ومما يجدر التركيز عليه هنا ان لينين، خلال تلك السنوات، كان يقبل بوجود التيارات داخل الحزب. وعندما انفصل البلاشفة بحزبهم بشكل كامل في 1912 قللوا من فعاليات ووجود كافة التيارات وان لم يمنعوها نهائيا حتى ذلك الحين.

يجدر هنا الإشارة لكتاب لينين الشهير (ما العمل؟) والذي يشمل اهم اطروحاته حول التنظيم الحزبي. فقد ورد الاسم ما العمل؟ لأول في رواية روسية صدرت في عام 1862. وورد ان لينين قرأها خمسة مرات خلال صيف واحد. صار شيرنياشيفسكي، مؤلف الرواية، معبودا للمثقفين الروس المناهضين للحكم المطلق. والملخص المختصر للرواية ان بطلها باختمتيف قد ابعد نفسه عن جميع مباهج الحياة ليصنع ثم ليقوي إرادة السوبرمان داخل جسده، ولكيلا يتألم من المآسي التي ستخلقها الثورة القادمة. وفي مرة من المرات رقد على سرير مثبتة به مسامير بهدف تقليل رغبته الجنسية. وداوم على تمارين الرياضة المرتبطة بالقوة، وكان يجوع نفسه ولا يأكل الا اللحم النيء، وكان لا يقرأ الا الكتب السياسية والعلمية، وكانت حياته مرتبة ودقيقة كالساعة . وكما ذكرنا فقد كان لينين معجبا اشد الاعجاب بالرواية لذلك استخدم اسمها كعنوان لاحد اهم كتبه عن أسس تنظيم الحزب الجديد الذي بدأ في تنظيمه، وفي تصوره للمحترفين الحزبيين الذين يشكلون عظم الظهر وقلب الحزب النابض من ناحية تفرغهم تماما لقضية الثورة البروليتارية واخلاصهم النهائي للثورة. وكل تلك الصفات كانت مطلوبة في ظل الواقع الروسي الممعن في القمع في ظل الحكم الأوتوقراطي.

وبعد انتصار ثورتي فبراير واكتوبر 1917 تحول البلاشفة لحزب علني جماهيري. وفى أجواء الحريات تلك واصلوا مناقشة اراء كافة التيارات والمجموعات بحرية في المؤتمر العام. ولكن ومن داخل المؤتمر العاشر للحزب البلشفي الذي انعقد في 1921، وتحت ضغط ظروف الحصار والاقتصاد والحرب الاهلية، اقترح لينين مشروع قرار يمنع منعا باتا وجود أي تيارات داخل الحزب ووافق المؤتمر على ذلك. ومن الجدير بالذكر إن ولادة النظام الاشتراكي السوفييتي قد اقترنت بأزمات ضخمة واستثنائية، اضطرابات، حروب عالمية وأهلية داخلية، تدخل أجنبي من 14 دولة، خسائر فادحة في الأرواح ودمار هائل لكل القطاعات الإنتاجية، وملايين يقتربون من حافة المجاعة. علاوة على ذلك، كان مستوى التقدم الاقتصادي الروسي، متخلفا مقارنة ببلدان غرب اوريا، حتى وصفت روسيا بريف اوربا.
ونري ان نُقرن، وصف الواقع الروسي المتخلف والقمعي أعلاه، برأي لينين حول الحاد الديمقراطية. كانت كل الديمقراطيات الي مرت على العالم وكل التعريفات التي أطلقت على الديمقراطية منذ عهد الاغريق وحتى الثورة الفرنسية لا تمثل، في رأيه، ديمقراطية حقيقية في رأيه . وان الديمقراطية الحقيقية، في رأيه، هي الغاء الطبقات.
طرح البعض ان ترو تسكي كان من معارضي المركزية الديمقراطية وان ذلك هو سبب خلافه مع ستالين. وهذا غير صحيح بتاتا، لان الخلاف آنذاك كان حول بناء الاشتراكية في بلد واحد وحول الثورة الدائمة والصراع حول قيادة الحزب. وتميز تروتسكي بتشدد موقفه من الانضباط وظهر ذلك جليا عند قيادته للجيش الأحمر. ويمكن ان اشير الي موقفه من المركزية الديمقراطية كما ورد في رده (أكتوبر 1939) على الدعوة في أمريكا لاستخدام الاستفتاء في المسائل الحزبية ودفاعه الحار عن كافة مبادئ المركزية الديمقراطية كما ورد في كتابه " دفاعا عن الماركسية" .

ولم يقتصر تطبيق المركزية الديمقراطية على الحزب السوفيتي والأحزاب الشيوعية الأخرى، بل تبنى الاتحاد السوفيتي مبدأ المركزية الديمقراطية على أساس انه قاعدة التنظيم الإداري في كافة هياكل الدولة ومؤسساتها (المادة الثالثة من الدستور السوفيتي). وانطلاقا من هذا المبدأ شكلت جميع أجهزة الدولة واداراتها وسياساتها لتتماشي معه. وكمثال صارت الخطة العامة الشاملة والتفصيلية تقرر في المركز وتتنزل الي المستويات الاقل في شكل برامج وسياسات وواجبات محددة، ملزمة التنفيذ، ثم تقوم هذه الهياكل الوسيطة بنفس الدور مع الهيئات الأدنى، وتستمر الدورة حتى تصل الي أصغر وحدة إنتاجية في شكل واجبات محددة وجدول زمني معلن وما عليها سوي الانصياع والتنفيذ.

وبتطبيق هذا القرار وفى ظل دولة الحزب الواحد تقلصت فرص ممارسة الديمقراطية والحوار وأصبحت القرارات تأتى من القيادة. وهكذا وجد ستالين الأرض ممهدة لينفذ كل سياساته تجاه المخالفين له داخل وخارج الحزب وكذلك سياساته الاقتصادية والاجتماعية. ومضى ستالين الى نهاية شوط المركزية الديمقراطية بفرض رؤية واحدة نهائية لا تقبل النقاش وتأتى جاهزة من القيادة. واستخدم ستالين من اجل إتيان ذلك أفظع أساليب القمع. ولم يقتصر ستالين على الدولة السوفيتية، بل فرض المركزية الديمقراطية في عهد الكومنتيرن على الأحزاب الشيوعية في كل العالم، وفرض عليها السياسات التي تتبعها والبرامج التي تنفيذها وحتى التحالفات التي تجريها. وصارت اللجنة التنفيذية للكومنتيرن، تحب السيطرة المطلقة للحزب السوفيتي، بمثابة مركز الحركة الشيوعية الدولية، التي تحدد كامل حركته ونشاطه.

وهنا يجدر بنا ان نقف لحظة حول تجربة ستالين مع المركزية الديمقراطية. السبب في ذلك ان اراء كثيرة تحاول تحميل ستالين، وحده، كل الجرائم والقمع والدمار الذي حدث. نعم مارس ستالين جرائم بشعة لا تغفر. ولكن ستالين نفسه هو التعبير المتطرف لممارسة المركزية الديمقراطية او بمعنى اخر انه مضي لأخر الشوط في تطبيقها وبأسلوبه المتميز. والسبب في ذلك وجود الاليات والهياكل واللوائح التي تسمح له بتنفيذ ما يريد وكذلك للسلطة التي يملكها السكرتير العام في ظل المركزية الديمقراطية. وكما رأينا سابقا، نفس المواد الموجودة في دستور الحزب عن المركزية الديمقراطية في عهد ستالين (1934)، هي نفسها في دستور الحزب في عهد غورباتشوف (1986). الأمر الذي يوضح ان كل مواد هيئات الحزب لم تنجح في ايقاف ستالين عن ارتكاب جرائمه. مما يوضح ان المركزية الديمقراطية تعطي مركز الحزب سلطات مطلقة، وفي اغلي الأحيان تتحول تلك السلطات الي السكرتير العام. علما بان الحزب هو الدولة مما يعني وقوع أجهزة الدولة التشريعية والقضائية والقمعية تحت التصرف الكامل للسكرتير العام للحزب. وكما رأينا فقد حدد المؤتمر السابع عشر للحزب الشيوعي السوفيتي، الذي انعقد في عام 1934، المركزية الديمقراطية في أربعة بنود/قواعد هي: انتخاب كل قيادات الحزب، القيادات المنتخبة عرضة للمحاسبة امام منتخبيها دوريا، نظام حزبي حديدي وصارم حيث تخضع الأقلية للأغلبية وقرارات الهيئات العليا ملزمة اطلاقا على الهيئات الدنيا ومجمل عضوية الحزب. ولم تفعل هذه البنود/القواعد شيئا لإيقاف حملات التطهير والاعدامات والسجون والنفي الذي طالت ملايين البشر بما فيهم عشرات الالف من خيرة الشيوعيين أنفسهم. وهي تعنى بنود تعطي السيطرة الكاملة للجهاز الحزبي القيادي على كل شيء واستمر ذلك الشكل لإدارة الحزب، مع تغييرات طفيفة، حتى انهيار النظام تماما.

من الآثار السلبية الأخرى للمركزية الديمقراطية هي ان الفئات الرديئة تطرد الفئات الجيدة. ومن الطبيعي ان يمتلئ الحزب الوحيد والمسيطر على مفاتيح السلطة والثروة ومجمل خيرات البلد بكافة اشكال الانتهازيين والمتسلقين واللصوص المفسدين. ومن نهبوا ثروات الشعب السوفيتي بعد انهيار النظام هم من كانوا على رأس الحزب والدولة. بل ومن عجائب الحزب السوفيتي ان يتفوه بوريس يلتسن عضو مكتب الحزب السياسي وفي اجتماع للحزب (يونيو 1991) بمثل هذا التصريح، " لم تكن بلادنا سعيدة الحظ فقد تقرر تجربة الاشتراكية فينا ودفعنا القدر في هذا الاتجاه. فبدلا من اختيار بلد ما في افريقيا لتلك التجربة، شرعوا في اجراء هذه التجربة فينا نحن، غير اننا في النهاية أثبتنا انه لا مكان لهذا الفكر" حتى عند صدور قرار حل الحزب الشيوعي السوفيتي، والذي تم بقرار فوقي من السكرتير العام، لم يتحرك ذلك الجهاز الحزبي الضخم وملايين الأعضاء لمقاومته وللدفاع عن الحزب الذي كان الكل في الكل، والمسيطر على كافة أوجه الحياة في الدولة، وفي لمحة عين صار بلا وجيع حتى من قياداته التي استمتعت بكل مباهج الحياة باسمه.


حاول خروتشوف وفي إطار حملة تصفية الستالينية وعبادة الفرد لإجراء تغييرات فوقية في الحزب وجهاز الدولة من اجل تحقيق المزيد من الديمقراطية والجماعية. وتم اختيار قيادة جماعية وقسمت المناصب الرسمية بينها ولكن بمرور الزمن تركزت السلطات مرة اخري في يد السكرتير العام (خروتشوف). كما حاول خروتشوف اجراء تعديلات ديمقراطية فوقية في عمل الحزب ومنها القيام بتحديد عدد الدورات التي يشغلها، كل مسئول حزبي، رغم ان ذلك الاجتهاد لتحقيق توجه ديمقراطي لم يحدد انه سيشمل القيادة المركزية للحزب. ونجح الجهاز الحزبي الضخم في افشال ذلك التوجه بل، بل وفى النهاية، نجح في عزل خروتشوف نفسه عن قيادة الحزب والدولة عن طريق التآمر. وهذا مثال آخر يوضح ان مسائل عزل القادة، في ظل المركزية الديمقراطية، لا تتم الا عن طريق التآمر، وما انقلاب قادة الحزب والدولة العسكري على غورباتشوف الا مثال آخر.

ومن الملاحظات الهامة ان المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي والذي اجري عدة تغييرات هامة، ومست قضايا متنوعة منها ما اسماه بدولة كل الشعب، والطريق السلمي للاشتراكية، التخلص من الستالينية وعبادة الفرد، وتعدد اشكال الوصول للاشتراكية والتعايش السلمي ولكنه لم يقترب من المركزية الديمقراطية وتركها كما هي كمبدأ لينيني مقدس لا يصح الاقتراب منه.
واستمر حال، التمسك الصارم والمبدئي التنظيمية اللينينية، كما هو خلال السنوات التي أعقبت ذلك. وتولت خلالها قيادة الحزب والدولة قيادات هرمة تشبه الموميات المحنطة، وتحس بذلك من الوجه المتكلسة التي تعرض، امام الجماهير، في الاحتفالات الرسمية الدورية التي تتركز علي العروض العسكرية واستعراض أحدث الأسلحة الحربية. وازدادت، خلال تلك الفترة، وتيرة التدهور الاقتصادي وانتشرت مظاهر الفساد واتسعت روح اليأس والسلبية واللامبالاة وتفشي ادمان الكحول. ولم تهتم تلك القيادات بأجراء أي تغييرات في تنظيم الحزب او إشاعة الديمقراطية داخله او تفعيل نشاطه وسط الجماهير باعتباره، بنص الدستور، الحزب القائد للمجتمع والدولة.

ظهرت خلال التحضير للمؤتمر الثامن والعشرين، الذي انعقد في عام 1990، التيارات داخل الحزب ولأول مرة منذ العشرينات، وصارت تستخدم جرائد الحزب الرسمية في طرح رؤاها. ولم تكن ظاهرة عافية بل كانت انعكاسا للانهيار، وحلم البحث عن بديل أي بديل. بل وتصدى، ما أطلق عليه، التيار الديمقراطي بالنقد للمركزية الديمقراطية علنا ووصفها كمعوق لنقد القرارات وحرمان الأقليات من مناقشة تلك السياسات. ولكن المؤتمر قرر تبديل اسم المركزية الديمقراطية بالديمقراطية المركزية وان أي قرار يصدر من الأغلبية ملزم للجميع مع حق الأقلية في الدفاع عن رأيها في المكاتب القيادية للحزب ومؤتمراته، ولكنه لم يسمح بتشكيل تيارات. وهكذا لم تبدل التغييرات التي أدخلت من جوهر المركزية الديمقراطية، رغم تعديل طرفيها بتقديم الديمقراطية على المركزية.

أدى الانهيار العاصف للتجربة السوفيتية بالمفكرين الماركسيين للقراءة النقدية الجادة والمراجعة المسئولة لكافة ومن ضمنها قضايا التنظيم. وكمثال كتب المفكر السوداني محمد إبراهيم نقد: " النظام الداخلي يمثل الحد الأدنى الملزم والضروري لمقومات حياة الحزب الثوري. لكن الممارسة والتجربة الجماعية الواسعة والمتجددة لمئات والالاف الأعضاء والكادر في فروع الحزب، أغنى وأكثر تنوعا وعمقا، وابعد مدي من الحد الأدنى، وتتجاوزه نحو إرساء تقاليد وتراث ونمط حياة المناضلين والنضال الثوري، او ما يوصف بروح اللائحة، وليس نصها. ولهذا السبب – تخضع اللائحة دوريا في المؤتمرات للتطور والارتقاء – تعديلا وتدقيقا، حذفا واضافة، إعادة صياغة وتجديدا، حتى في البنود الثوابت مثل المركزية الديمقراطية، شروط العضوية، حقوق وواجبات الأعضاء... ومع تطور الحزب وارتقاء قدراته على استخلاص المبادئ وتجريد المفاهيم وصياغة نظريته الخاصة، تميل اللائحة في شكلها ومحتواها نحو الايجاز والتركيز والوضوح " محمد ابراهيم نقد

تتركز اطروحات دعاة المركزية الديمقراطية في انها انسب الاشكال لتنظيم الأحزاب الثورية التي تواجه القمع من الأنظمة الحاكمة، والسبب الأساسي ان تلك الأحزاب معادية، في معظم الحالات، للأنظمة القائمة مما يعرضها للحظر والمطاردة وكافة اشكال القمع. كما ان أجهزة السلطات تستخدم كل الأساليب المتنوعة، والحيل الماكرة لاختراق تلك الأحزاب وتدميرها من الداخل بخلق الصراعات، او مصادرة الصحف والأجهزة والأموال واعتقال القادة والكوادر النشطة او المؤثرة.

يكتب التجاني الطيب، العضو السابق في سكرتارية الحزب السوداني، وأحد أشد المدافعين عن المركزية الديمقراطية حماسا، مؤكدا ان المركزية هي المبدأ الأساسي لوحدة وتماسك كل المجموعات: "عبر مسار التطور كان المبدأ الأساسي لوحدة الجماعات وتماسكها هو المركزية التي تطورت من شكلها البسيط ممثلا في زعيم العائلة والعشيرة الى اشكالها المعقدة ممثلة في الملكيات والامبراطوريات التي تحكم مجموعات بشرية كبيرة ومتنوعة" .
اهم سمات المركزية الديمقراطية، حسب رأي أنصارها، هي وجود مركز واحد قوى، تلتزم كل العضوية بتنفيذ قراراته، ويكون مسئولا عن كل ما يتعلق بالتنظيم. من ناحية اخري يملك الأعضاء حق انتخاب القيادات ومحاسبتها في الاجتماعات والمؤتمرات الدورية. كما لهم كامل الحق في مناقشة كافة المسائل الحزبية، كبيرها وصغيرها، عندما تعرض للنقاش وان يتم ذلك بحرية تامة. وقد وصفها لينين ولخصها بكلمات شهيرة " حرية المناقشة ووحدة التنفيذ".
ويرفض أنصار المركزية الديمقراطية النقد الموجه والقائل باستحالة الجمع بين المركزية والديمقراطية المتعارضتين. ويطرحون ان المركزية الديمقراطية تتكون، فعلا، من نقيضين ولكن حسب قوانين الجدل بالصراع بين الضدين ثم وحدة الضدين فيمكن ان يجتمعا معا. وفلى حالة وحدتهما سيكون أحدهما نقيض صاعد والاخر نقيض هابط. فعند سيطرة المركزية، النقيض الصاعد، تنكمش الديمقراطية وتسيطر الأوامر من اعلي بشكل بيروقراطي مقيت. اما في حالة السماح سيطرة الديمقراطية، حينها تكون النقيض الصاعد، فتنتعش الحياة الديمقراطية داخل التنظيم وتتمدد الممارسات التي تعطي هامشا أكبر للأعضاء للمشاركة في تسيير التنظيم وتقرير سياساته.

يركز من يرفضون المركزية الديمقراطية على تدعيم نقدهم بما برهنت عليه الممارسة والتجربة العملية، التي استمرت لعقود من الزمن، وشملت كل الأحزاب الشيوعية من الحزب السوفيتي الى أصغر حزب في العالم، وانتجت مركزية مطلقة وتهميش كامل للديمقراطية. وان المركز، في ظل المركزية الديمقراطية، يظل قابضا على كل مفاصل العمل الحزبي ولا يعطي هامش ديمقراطي حقيقي للعضوية لتشارك، فعلا لا قولا، في تسيير التنظيم وتقرير سياساته. وتتحول العضوية في ظلها الي مجرد تروس وأدوات تنفذ أوامر وتوجيهات القيادة، وان الديمقراطية هي مجرد ممارسات شكلية او نصوص لا تفعل في معظم الأحيان.

ويرى هؤلاء ان هذا الشكل التنظيمي وليد زمن مضى، وظروف سياسية صارت لا تتماشي مع التغيرات التي شملت كل شيء، وتخطاها الوعي العام والخاص للشعوب، وصارت تشكل قيدا ثقيلا مكبلا لكل خطوات تطوير وتجديد أي حزب ثوري، ويصبح للجهاز الحزبي الاداري (أعضاء القيادة المركزية والكادر المتفرغ) السلطة المطلقة على كل ممارسات الحزب. وكمثال تتحكم اللجنة المركزية او مكتبها السياسي في اختيار اللجنة المركزية الجديدة بأساليب مباشرة مثل تقديم قائمة بأسماء المرشحين والتي جري العرف والتقليد ان يجزيها المؤتمر، أو بأساليب غير مباشرة عن طريق التكم في نسب ممثلي الهيئات والمكاتب المركزية وبتمثيل كل أعضاء القيادة السابقة في المؤتمرات.

سنحاول في هذا الجزء من المقال ان نعرض قراءتنا للمركزية الديمقراطية. ولكي نقدم قراءة تحليلية موضوعية للمركزية الديمقراطية يجب ان نعترف، بصدق، بأنها جزء اصيل واساسي من الاسهامات التي اضافها لينين للماركسية حول نظرية الحزب وتنظيمه. ونبعت وتطورت من خلال الممارسة النضالية، بكل تعرجاتها صعودا وهبوطا، في مقاومة الحكم القيصري المطلق والصمود امام أدوات قمعه، وكذلك الصراع الفكري المستمر مع التيارات الماركسية والاشتراكية الأخرى داخل وخارج حزب العمال الروسي. ثم توطدت واكتسبت مناعة خلال تأسيس الدولة وفي ظل حرب أهلية قاسية وتدخل 14 دولة لاقتلاع الدولة الوليدة من جذورها. واخذت المركزية الديمقراطية، من كل تلك التطورات والاحداث، منحي سوفيتي خالص، شكلا ومضمونا. واكتسبت رسوخا في ظل التأثير والسيطرة، المباشر وغير المباشرة للكومنتيرن، وقوة النموذج الأول لبناء الاشتراكية، والهالة التي أحاطت بصمود الحزب السوفيتي خلال الحرب الاهلية، ونجاحه في بناء ثاني أقوى دولة في العالم. ارتباط المركزية الديمقراطية بالتجربة السوفيتية، ارتباطا لا فكاك منه، وكيف بدأت الثورة وكيف نجحت في معاركها حتى سيطر حزب واحد، سيطرة مطلقة، علي الدولة ثم صموده ونجاحه خلال كافة التطورات التي مرت بها التجربة، من حرب أهلية والسياسة الاقتصادية الجديدة والسياسة الزراعية القسرية والتصنيع السريع الخ. لكل ذلك أصبحت المركزية الديمقراطية، كما نعرفها ومارسناها، نبتا سوفيتيا ترعرع مع تطور الحزب والدولة واختراعا لينينيا اصيلا. ويجب النظر لها بهذا الفهم وفي سياقه التاريخي.

ولإجراء مقارنة سريعة، وبافتراض نظري مجرد، لما كان سيكون عليه مصير مفهوم المركزية الديمقراطية، فلنفترض وصول أحد الأحزاب الاشتراكية في اوربا الرأسمالية المتطورة، كما تنبأ ماركس، فما كان سيكون أثر ذلك علي، حسب نقاشنا هنا، شكل التنظيم الحزبي، وهل كانت المركزية الديمقراطية اللينينية ستنال ما نالته من نفوذ وسيطرة على الأحزاب الثورية في مختلف انحاء العالم، بتأثير التجربة الأولى والنموذج القائد. لا أعتقد ذلك، وكان سيكون امامنا، على الأقل، أكثر من نموذج واحد، مما يعطينا حرية الاختيار بإجراء المقارنة والتقييم الموضوعي بينهما، والنظر بجدية لحصيلة الممارسة العملية.

اتفق، مبدئيا، ان المركزية الديمقراطية تلعب دورا أساسيا في حماية الأحزاب اليسارية في ظل الأنظمة الدكتاتورية القمعية، مما يستدعي طغيان مناهج وأساليب العمل السري، ويساعد على ضرورة الحفاظ على تلك الأحزاب الثورية من الاختراق. ولكن، ومن تجارب الأحزاب الشيوعية والثورية، هناك بنود في لائحة التنظيم تسمح للقيادة بتعليق بعض او كل بنود اللائحة في ظروف السرية. وحقيقة، تلعب المركزية الديمقراطية دورا في اعداد ورسم الاستراتيجية والتكتيك كما تفرض وحدة الفكر والإرادة وجماعية التنفيذ. أما الأساس الفلسفي للمركزية الديمقراطية الذي ينبي على صراع الاضداد ووحدة الضدين، فهذا صحيح نظريا ومبدئيا. ولكن معظم الآراء تهمل قانون الحركة وانه لا شيء ثابت بما في ذلك المؤسسات الاجتماعية والآراء والأيدولوجيات. فكيف يتم القبول بثبات مبدأ واحد، بلا تغير، لأكثر من قرن من الزمان، في ظل تحولات عاصفة وسريعة اعادت تشكيل العالم في أكثر من وجهة. والشيء الثاني ان قانون الصراع يشمل الأحزاب والأفكار ولكن المسالة الهامة والأساسية، بعد الاعتراف بذلك الصراع، كيف يتم ادارته وما هي المناهج المستخدمة في ممارسة ذلك الصراع. اما مسألة وحدة الضدين فهي تعني خروج شكل ارقي واعلي من مكوناته فهل يشمل ذلك ما أشرنا اليه سابقا.

اهم نواقص المركزية الديمقراطية هي طغيان المركزية، في كل الأحوال. وقد أشرنا لتجارب خروتشوف وغورباتشوف واهمها تغيير الاسم الي الديمقراطية المركزية ولكن مع الحفاظ على جوهرها. ويتجلى ذلك القصور في تحكم المركز في صياغة السياسات والبرامج الحزبية خلال كافة مراحلها. ابتداء من مرحلة تكليف من يعد المسودة الأولية ثم عرضها على القيادة المركزية لتجري فيها ما تراه من تعديلات وارسالها في صورتها تلك للعضوية للتوحد حولها وتنفيذها ويمكن مناقشتها ورفع الرأي حولها والذي يمر بهيئات وسيطة (وما إدراك ما الهيئات الوسيطة والتي يمكن ببساطة تسميتها حراس المعبد) وهي تملك حق التلخيص والاختصار والتأجيل في رفعها الي اعلي. واما في حالة المسائل الأكبر التي ستعرض على المؤتمرات فتتم بنفس المراحل السابقة، فقط يقوم المركز بتحديد عدد المندوبين وكيفية تمثيل الهيئات والمكاتب المركزية، التي يتم الاختيار لها من قبل المركز نفسه. وهكذا يملك المركز القائم سلطة السيطرة على المؤتمر وضمان الأغلبية، حتى قبل قيامه. وبمكن للمركز تعطيل انعقاد المؤتمرات لفترات طويلة. ولدينا امثلة في عهد ستالين تتعلق بتجميد مؤتمرات الحزب رغم ان اللائحة تنص على فترة زمنية محددة لانعقادها. ولدينا في السودان تجربة عدم انعقاد مؤتمر الحزب الشيوعي السوداني لمدة 42 (نعم 42 عاما) من 1967 خين انعقد المؤتمر الرابح وحتى 2009 موعد انعقاد المؤتمر الخامس.

وتؤدى ظروف عمل الحزب الثوري، في عالمنا العربي، ونوع قيادته وتخلف ادائه وبدائية أساليبه، لتعطيل أكثر وتجميد أكبر لممارسة المركزية الديمقراطية، ولتأثير سلبي على نشاط الحزب. ولتوضيح ذلك نقتطف هذه الفقرة من تقرير المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي السوداني: " وبينما حياة حزبنا تتأثر بالاتجاهات اليسارية، وتخلف الأداء والتنفيذ وبدائيتهما، تعقم تلك الحياة وتضعف المركزية الديمقراطية خاصة وان الديمقراطية بأسرها مصادرة من الحياة السياسية. ولقد ادي ضعف المركزية الديمقراطية في الحزب الشيوعي وعدم اشراك عضوية الحزب اشراكا نشطا في حياته الداخلية وفي حياة فروعه الي انكماش كبير في عضوية الحزب لدرجة عاقت قدرات الحزب الذاتية وهو يواجه مهام ثورة أكتوبر" .

ومثال اخر هو قضية الصراع الفكري ففي ظل المركزية الديمقراطية، المركز هو من يبتدر الصراع الفكري ويحدد اطره وقضايا، ومتي يفتح ومتي ينتهي، وهو من يستخلص نتائجه. وهكذا فالقبضة المركزية، على كل المسألة، واضحة لا لبس فيها. ولا يمكن لعضو حزب او فرع حزب ان يبادر بفتح صراع فكري، لأنه عليه فقط ان يرفع مقترحات للمركز بذلك، ولا يحق له الاتصال بأعضاء اخرين او فروع اخري لإقناعهم بضرورة فتح نقاش عام، والا يسمي ذلك تكتلا ويقع تحت طائلة عقوبات اللائحة. وقيادة الأحزاب الشيوعية، تاريخيا، تنظر للصراع الفكري كحرب ضد الأفكار الأخرى وليس حوارا فكريا بهدف تطوير السياسات الحزبية العامة. هذا النص من دستور الحزب الشيوعي السوداني يوضح كيف تنظر الأحزاب الشيوعية للصراع الفكري: " أهم صراع في الجبهة الفكرية هو الصراع المتعلق بالأعضاء والذي يهدف الى حرب الأفكار غير العمالية والأفكار الغريبة على التفكير العلمي والعمالي. هذا الصراع ضد الأفكار الغريبة هو صراع يومي ولا مساومة فيه ولا يجب تغطيته أو تغافله بل يجب مواجهته بما يساعد على سيادة النظرة والتفكير العلمي السليم وكشف ما سواه من أفكار ومفاهيم خاطئة، وبذلك يحسم الصراع الفكري لمصلحة تطور الحزب والاتجاهات الفكرية الصحيحة. الصراع الفكري بهذا التحديد وبهذا المستوى يعتبر ضرورة لازمة لحيوية الحزب"

ابتدر الحزب الشيوعي السوداني مناقشة عامة في عام 1994، هي الارقي والأطول والأعمق بين الأحزاب السياسية السودانية. ابتدرتها قيادة الحزب الشيوعي السوداني، بوضوح لا لبس فيه بانها مفتوحة وحرة وليس فيها أي اراء أو احكام مسبقة. وشارك فيها الالاف من الشيوعيين والديمقراطيين وحتى من لا يمكن تسميتهم بأصدقاء الحزب. وصدرت منها كتب وتلخيصات، وكرست لها مجلة " قضايا سودانية"، كما عقدت حولها اجتماعات وسمنارات وندوات. وكانت بحق حوارا جادا في الهواء الطلق. ولكن رغم كل الجهود والجدية من قبل قيادة الحزب وعضويته انتهت لملخصات من قبل لجنة مكلفة. ورغم ظهور تيارات معروفة الا ان قيود المركزية الديمقراطية لا تسمح الا بالآراء الفردية، ولا تسمح بتشكل رأي جماعي يطرح مقولاته امام العضوية ويسعى لكسبها. كل ذلك أدى الى ما انتهت اليه رغم كل الاجتهادات الجادة التي بذلت.

أما القول بديمقراطية التنظيم المبني على مبادئ المركزية الديمقراطية فيدحضه التاريخ والواقع المعاش. وهذه بعض الأسئلة التي توضح ذلك: لماذا استمر ستالين ومارس ما مارس ولم تؤثر عليه عضوية الحزب التي تنص اللائحة على انها تهي التي حدد سياسة الحزب وأنها هي التي تحاسب قيادة الحزب دوريا في المؤتمرات؟ لماذا تم اسقاط خروتشوف بالتآمر وليس بالشكل الديمقراطي العلني والمعلن امام عضوية الحزب؟ لماذا لجأ قادة الحزب والدولة في الاتحاد السوفيتي للجوء للانقلاب العسكري لإزاحة غورباتشوف وكانوا يشكلون أغلبية قيادة الحزب؟ لماذا يظل معظم قادة (المقصود السكرتيرين العاميين) الأحزاب الشيوعية في مناصبهم ولا يزاحوا، غالبا، الا بالموت؟ هل يمكن توريث قيادة الحزب والدولة للابن والحفيد، مثلما حدث في كوريا الشمالية؟

والآثار الضارة للمركزية الديمقراطية لا تقف عند حدود التنظيم الحزبي، أو قضايا الصراع الفكري فقط، وانما تمس جوانب أخري لم تجد حظها من النقاش. فمثلا في الحركة الشيوعية العالمية منذ أيام الأممية الثالثة (الكومنتيرن) ثم الكومنفورم وأخيرا الاجتماعات العامة للأحزاب، نجد للحزب السوفيتي موقعا مميزا ويسيطر على كافة مقابض الحركة وخطوط عملها وسياساتها ومدى تلبيتها لاحتياجات ومواقف الدولة السوفيتية. وتشمل الهيمنة السوفيتية المنظمات السياسية والعسكرية والنقابية والطلابية الخ كحلف وارسو ومنظومة الكوميكون واتحاد النقابات العالمي وبقية المنظمات العالمية التي لا تتبع للغرب.

وأيضا هناك قضية الاقتصاد الوطني المبني على التخطيط المركزي المفرط والاوامر التي تأتي من اعلي بواجبات جاهزة وبفترة زمنية محددة سلفاً. ولقد تساءل نقد بصدق: " كيف يتحرر الاقتصاد الاشتراكي من جمود التخطيط ومركزية الإدارة الموروثة من مرحلة الانتقال الاولي حتى يستقبل تحولات الثورة العلمية التي تشترط الديمقراطية الاقتصادية ومبادرة العاملين في مؤسسة معينة في اتخاذ القرار دون أوامر من أعلي؟"

سيطر الحزب الشيوعي، في الدول الاشتراكية السابقة، على كافة المنظمات الجماهيرية والعامة مما يقتل روح الابداع وسطها ويفرغها من روحها ونشاطه، ويجعلها تدار بموظفين ينفذون سياسات الحزب، وبطاعة عمياء. وقد رأينا وضع النقابات المزرى وحرمانها من حقوقها وفي مقدمتها حق الاضراب، وأصبحت جزءا من إدارة المؤسسات يتركز همها في زيادة الإنتاج وتنفيذ سياسات وبرامج الدولة. أو منظمات الكتاب والفنانين، التي من المفترض ان تهتم بالإبداع والمبدعين، وكيف تحولت لواجهات حزبية ميتة يديرها موظفون يمارسون أعمالهم بكل ما تحمله كلمة بيروقراطية من معاني.

وأعتقد أن أكبر وأهم تحدي امام دعاة المركزية الديمقراطية هو الإجابة على سؤال عبد الخالق محجوب، السكرتير الأسبق للحزب الشيوعي السوداني، المحوري: " هناك سؤال لا أجد له جوابا شافيا: كيف استطاع ستالين أن يضع نفسه فوق الحزب وأن يصل الى وضع يجعله يرتكب مثل هذه الأخطاء ولا يلقي مقاومة لها أثر؟ "


هل يوجد بديل؟:
يركز أنصار المركزية الديمقراطية الهجوم على الذين ينقدونها بأنهم لا يملكون بديلا مناسبا، وانهم يريدون تحويل الاحزاب الثورية لأندية أو صالونات للنقاش، مما يفقدها روحها الثورية ووحدتها الفكرية ومقدرتها النضالية. وان المركزية الديمقراطية هي أكثر الاشكال ديمقراطية، في العمل الحزبي. ولا أتفق مع هذا الرأي وأؤمن ان هناك بديل عملي وممكن، بل وضروري، ويستجيب لمجمل التحديات التي تواجه ادارة الأحزاب بديمقراطية وجماعية في عصرنا هذا. ما يأتي من مقترحات هي مجرد رؤوس مواضيع حول البديل اطرحها للنقاش والتطوير بالتعديل او التبديل او النقد بهدف الوصول لأشكال أكثر ديمقراطية وتعبر عن خبرات وتجارب الأحزاب الشيوعية والاشتراكية والعمالية التي راكمتها خلال السنين.
في البداية اود ان أركز على نقطة هامة، قبل ان أطرح مقترحات البديل، وهي ان محاولات تبديل اسم المركزية الديمقراطية بالديمقراطية المركزية لا قيمة حقيقية له، وقد رأينا ما حدث عندما حاول السوفييت تحت قيادة غورباتشوف فعل ذلك. والاهم، ان ذلك التغيير الشكلي لن يجدي نفعا، لان مجمل أعضاء الأحزاب الشيوعية في كل العالم تمت تربيتهم على الاشكال التنظيمية النابعة من المركزية الديمقراطية، وتمت برمجة عقولهم على هذا الأساس. لذلك اعتقد ان الغاء المركزية الديمقراطية ونقدها بلا هوادة، وكشف مضمونها المعادي للديمقراطية وتقليل المشاركة الحقيقية للعضوية في إدارة التنظيم، ولقمعها للصراع الفكري (لاحظ استعمال كلمة صراع) مما سيفتح الطريق واسعا ورحبا للجديد المتجدد ولتخطي روح الأوامر والوصاية والطاعة العمياء.
وهذه هي بعض الأسس العامة والمقترحة لتجديد وتفعيل مبادئ ديمقراطية للتنظيم الحزبي الثوري:
• التمسك بالمركز الواحد كقيادة للتنظيم ويقوم بإدارة شئونه الداخلية والخارجية ويطرح سياساته امام الرأي العام ويحدد استراتيجيته وتكتيكاته. كما له كامل الحق في رفع أي من بنود اللائحة في ظروف العمل السري او عند تعرض الحزب لهجمات أجهزة السلطة كحل الحزب ومصادرة نشاطه واعتقال عضويته وشن حملات عامة مدعومة بجهاز الدولة بهدف اجتثاثه من جذوره (كما تدعي تلك الأجهزة المعادية). الخ.
• يسمح بوجود تيارات داخل الحزب (وهي موجودة حقيقة لا مجازا، وهي موجودة داخل كل الأحزاب، رغم عدم الاعتراف بها ووصفها بكافة الأسماء والصفات). وتنظم اللائحة الجديدة أسس تنظيمها واشكال عملها. تأني أهمية هذا الاعتراف في انه يحمي الحزب من التآمر والطعن في الظهر والشللية والثرثرة، وفى نفس الوقت يرتقي بالصراع الحزبي ويفتح افاقا جديدة للديمقراطية الحزبية. السمعة السيئة التي خلقتها القيادات الشيوعية، عبر العصور، حول قضية التيارات جعلت الأعضاء يحسون بقشعريرة عند ذكرها، ويعتبرونها رجس من عمل الشيطان، ولكنها، عند التطبيق، ستخرج الحزب من عنق الزجاجة الذي ادخل نفسه فيه، عن طريق قمع التيارات وعدم السماح لها بالظهور وتقديم افكارها بشكل منظم لعضوية الحزب والسعي لقبول الأعضاء لوجهة نظرها. ونحن نعلم ان السياسات العامة تحتاج لجهود مجموعات متجانسة، اتيام عمل تحمل نفس الرؤى، لتنافس بها الرؤى والاطروحات الأخرى، هذا الاجراء يجعل امام عضوية الحزب وكذلك امام مندوبي المؤتمر العام أكثر من اقتراح أو تصور لكافة القضايا والسياسات المطروحة امامهم. ويجب ان نشير هنا وبوضوح تام ان التيارات كانت موجودة داخل حزب لينين نفسه خلال بعض فترات تطوره ولكن التجربة الخاصة للثورة السوفيتية وما تعرضت له ادي لإيقاف تلك التيارات.
• الرأي الرسمي للحزب حول أي قضايا عامة يعلنه المتحدث الرسمي المعلن والمعروف، او يصدر من قيادة الحزب أو إحدى هيئاته كتابة. اما بقية أعضاء الحزب، مهما كانت مواقعهم الحزبية، فلهم الحرية في طرح آرائهم وافكارهم والحوار العلني حولها والدفاع عنها بدون تدخل من أي جهة باعتبارها آراء فردية تدعم الحوار الفكري، وتنير القراء.
• رأي الأغلبية هو رأي الحزب الرسمي الذي سيعلن ويعمل به ويحدد خطه ومساره، وهذه مسألة مبدئية لا تراجع عنها، أو تعطيلها. ولكن للأقلية الحق في الاحتفاظ برأيها كما هو معروف ومعلن ومنصوص عليه في لوائح الأحزاب. والأهم، في رأي هو بدل الاحتفاظ السلبي والصامت بالرأي ان يكون للأقلية حق التبشير به في قنوات الحزب الداخلية والجماهيرية وذلك لأقناع الاخرين به. والمعروف، للكافة، ان رأي الحزب الرسمي وخطه السياسي يعلن باسم هيئات حزبية تملك الحق ومفوضة في التحدث باسم الحزب.
• تفتح مجلات الحزب الداخلية كالشيوعي مثلا، والتي نري ان تكون مجلة لترسيخ الديمقراطية الحزبية وتفعيل الصراع الفكري، وليست أداة تستخدمها قيادة الحزب في التعبئة لخطها ولرأيها السياسي، فهنالك أدوات اخري معروفة لتعبئة العضوية مثل دورات اللجنة المركزية التي تصدر في تقارير ترسل للعضوية، والاجتماعات العامة والطوافات. وان تفتح الشيوعي لكل الآراء بلا حجر على أي منها بقرار اداري من هيئة التحرير كما حدث مع بعض المقالات، وان يستكمل ما تقوم به الشيوعي داخليا بإصدار مجلة فكرية علنية (مثل الفجر الجديد التي كان يصدرها عبد الخالق) تبشر بآراء الحزب وتفتح الحوارات حول القضايا العامة البرامجية والفكرية امام الجميع ولنا في السودان أمثلة جيدة مثل المقال الذي نشره أحمد سليمان ( عضو سابق في اللجنة المركزية) حول رأيه في الوضع السياسي وضرورة تدخل الجيش وذلك في مارس 1969، ورد عبد الخالق محجوب عليه، وكذلك في ذلك الحوار الذي تم بين بروف فاروق محمد إبراهيم والدكتور شريف الدشوني حول السياسة الزراعية للثورة السودانية ونشر في حلقات في جريدة اخبار الأسبوع في عام 1970 ، والحوارات الجادة في مجلة قضايا سودانية التي أصدرها الحزب الشيوعي السوداني في القاهرة خلال المناقشة العامة التي اعلنها في عام 1994 ، ووجد خلالها أعضاء الحزب وأصدقائه الحرية في الحوار العلني، وفي الهواء الطلق، حول كافة قضايا الحزب.
• في حالة القضايا الكبيرة البرامجية أو الخلافية يطرح امام العضوية رأي التيارات المختلفة ويسمح لكل تيار بتنظيم اشكال الدعاية والتعبئة لرايه من اجل كسب الأعضاء لجانبه. وتجربة الصراع حول الموقف من انقلاب مايو 1969، وصدور وثيقة (سميت بوثيقة عبد الخالق) تحمل رأي تيار داخل الحزب، وصدور وثيقة أخري (سميت بوثيقة معاوية) حملت رأيا مخالفا للوثيقة الأولى. ساعد صدور الوثيقتين وتوزيعها لأعضاء الحزب وفتح النقاش حولهما في توضيح أسس الخلاف، مما أدى لتحديد اين تقف عضوية الحزب وساعد على إنجاح مؤتمر أغسطس 1970 في تحديد خط الحزب وموقفه من نظام مايو. قد يقول أحد مناصري المركزية الديمقراطية بان هذه هي الديمقراطية الحزبية في الممارسة. ونرد بلا تردد، انها حالة خاصة وكانت محاولة جادة لإيقاف كارثة هددت وجود الحزب، واجتهاد للتوحد حول خط سياسي فعال. وكان المخرج الوحيد من أزمة لم يعهدها الحزب من قبل، ولم ينص عليها لائحيا، ولان ما حدث فرضته ظروف الصراع الحاد الذي قسم الحزب رأسيا، من قمته وحتى أصغر فروعه، وكان لا مهرب من التصدي له علنا.
• لا يسمح بان يشغل أي زميل موقع لأكثر من دورتين بما في ذلك السكرتير العام، ويمكن للزميل المحدد تبوأ مناصب أخرى في القيادة او القاعدة، أو في المؤسسات التابعة للحزب كمجالس البحوث او الاستشارات لكيلا تضيع الخبرة التي تراكمت وتطورت من خلال الممارسة. وهكذا يمكن تجديد دماء القيادة وتدريب الكوادر الشابة وفتح المجال للرؤي الجديدة ولأشكال متطورة للتفكير والعمل. وبهذا نحقق تواصل الخبرات بين الأجيال ونوقف تكلس القيادات وتحولها لموظفين، تتحكم فيهم العادة، غير قادرين على الإبداع الفكري أو تطوير قدراتهم الإدارية، ومعاناتهم من جفاف الخيال، وخير مثال قادة الحزب السوفيتي وبلدان شرق اوربا سابقا.
• الصراع الفكري ليس ممارسة موسمية تفتح بقرار من المركز ثم تغلق بقرار من المركز، بل هو جزء اصيل من نشاط أي حزب، وهنا تأتي أهمية التمسك بمقولة لينين الشهيرة حرية المناقشة ووحدة التنفيذ. بمعنى الا نضع أي قيد على حرية المناقشة وبعد تحديد الرأي النهائي نتوحد في تنفيذه. وهنا يجدر الإشارة لتخوف أنصار المركزية الديمقراطية بان حرية الحوار والنقاش ستحول الحزب لمنتدى للتنظير مما يعطل نشاطه. وهذه حجة مردودة لان الحوار والعمل والنشاط لا تتعارض فلكل قنواتها واساليبها، بل الاصح انها تكمل بعضها البعض.
• الايمان فعلا لا قولا بانه لا توجد حقيقة مطلقة، لا يأتيها الباطل من امامها او خلفها، وان نقرأ ونستوعب مقولات الجدل حول الحركة والصراع ووحدة الاضداد. وهذا يستدعي الا نؤمن بالمسلمات السرمدية الصالحة لكل زمان ومكان، والا يكون هنالك أي نظرية أو مبدا او برنامج او شخص قائد فوق النقد، والحق المكفول في تمحيص كل الآراء والاطروحات والأشخاص بلا تهيب. ان جوهر الماركسية هو منهجها الجدلي، وحتى هذا المنهج يتطور ويتبدل ويتغير بتطور العلم والمعرفة البشرية، ومخزون الشعوب من التجارب.
• عدم تقييد الترشيح في المؤتمرات لتبوأ مناصب القيادة بما تقدمه اللجنة المركزية من أسماء ليتم انتخابها، بل يفتح الباب للتيارات لتقدم برنامجها، حتى يتم الانتخاب على أساس تلك البرامج، وأن يتم محاسبتها عليه في نهاية الدورة، وهكذا باستمرار. كما يسمح بتقديم السيرة الذاتية وخبرات من يتقدمون للترشيح. والتمسك بمحاسبة قيادة الحزب عندما تقوم بتصعيد من تريد بعيدا عن الهيئات الحزبية للمؤتمرات وفتح الطريق لهم لدخول القيادة الجديدة رغم عدم انتخابهم من هيئاتهم. وكذلك تصعيد زملاء لأعلى الهيئات الحزبية من خلف ظهر القيادة المركزية. ولنقرأ يتمعن ما كتبه عضو لجنة مركزية في الحزب الشيوعي السوداني: " جاءت دورة فبراير 1995 التي عالجت الخلل في العمل القيادي الذي حدث بعد انقلاب 30 يونيو 1989، وتم تصحيح مسار العمل القيادي وانتقاد تصعيد الزميلين الخاتم ووراق الي سكرتارية اللجنة المركزية من خارج عضوية اللجنة المركزية وتصعيد زملاء أعضاء في اللجنة المركزية لسكرتاريتها بدون علم اللجنة المركزية بالإضافة لتهميش اللجنة المركزية التي لم يعقد لها اجتماع لمدة ستة سنوات "
• يحق للأعضاء سحب الثقة من القيادات من مستوى المركز وانتهاء بالفروع في حالة فشلها، والا تعتبر الدعوة لسحب الثقة عمل غير لائحي يحاسب علية من يتبناه. والنص على ذلك في اللائحة وتحديد الآلية التي يتم تنفيذه بها.
• تحديد سن أقصى لشاغلي المواقع الحزبية القيادية والا يصبح القبر او الانقسام او الفصل هي الوسائل الوحيدة التي تبعد القيادي عن منصبه. وان يتحول أداء أولئك القادة لجبهة جديدة للاستفادة من خبراتهم مثل لجان استشارية او مراكز للدراسات والبحث أو التوثيق لمواقف وتاريخ الحزب وغيرها من المجالات الحيوية التي تحتاج لفكرهم ولخبراتهم ولتجاربهم المكتسبة من خلال الممارسة.
• ادخال أسلوب التخصص في تعيين المتفرغين الحزبيين (تنظيم، صحافة، تعليم حزبي، عمل جماهيري، وعلوم الاتصالات الخ) ويتم تدريبهم لأعلى المستويات على الأسس العلمية لمجال عملهم وان يسري عليهم مسألة الحد الأقصى من سنوات التفرغ. وهنا يجدر الإشارة الي ان التفرغ يتم بالمواصفات الفردية للأفراد وليس بأصلهم الطبقي.
• الاستفادة والانفتاح على تجارب التنظيم والادارة المختلفة، وعدم الركوع امام صنم التنظيم اللينيني والاستسلام له باعتباره اخر منجزات الفكر التنظيمي وان العقل التنظيمي تجمد بعده.
• تمليك الأعضاء كل ما يدور من مناقشات في القيادة ليعرفوا مواقف من يتقلدون مواقع في مركز القيادة مما يساعد على تقييم أدائهم هؤلاء الاعضاء في المؤتمرات العامة، وهذا يساعد العضوية في تحديد هل سيتم انتخابهم مجددا ام لا؟
• استقلالية التنظيمات الديمقراطية حقيقة لا اسما عن الحزب وخلق شكل جديد وديمقراطي للتحالف والتنسيق بينها والحزب، وان يتم ذلك بوضوح تام وبلا أي اشكال تسلطية أو تآمرية، ويشمل ذلك منظمات الطلاب والشباب والنساء وغيرها من التنظيمات الديمقراطية.


خاتمة:
هذه محاولة تطرح رؤوس مواضيع للمناقشة وسط الشيوعيين والثوريين من اجل الوصول لأفضل الاشكال التنظيمية التي تفعل نضالهم وتقوي تنظيماتهم. اجتهدت المقالة في البعد عن النقاشات الفلسفية المجردة، وركزت على الامثلة الواقعية. ولكي تكون مساهمة في معركة تجديد احزابنا التي تحتاج للتشمير عن السواعد وشحذ الاذهان وتفعيل العقل الجمعي واستخدام المعارف العصرية والتعلم من تراكم الخبرات.
تحديات انهيار انظمة اشتراكية الامر الواقع وانكشاف فقرها الفكري يستدعي من قوى اليسار ان تجتهد لبناء البديل. البديل لما طبق باسم الاشتراكية واثبت فشله، والبديل للنظام الرأسمالي الذي يعاني من الازمات الدورية. بديل حقيقي وممكن التحقيق يكشف زيف مقولة " نهاية التاريخ". بديل يعطي الأمل لشعوبنا وهي تواجه قوى التخلف التي تريد ارجاع شعوبنا الى العصور الوسطى.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.