لقد وضع كارل بوبر وهو في سبيل نقده للاستقراء قاعدة واضحة جدا للتمييز بين النظرية العلمية والنظرية غير العلمية . وهذه القاعدة هي أن النظرية العلمية هي تلك النظرية التي تكون قابلة للدحض ؛ أما النظرية غير العلمية فهي التي لا تكون قابلة للدحض. 

مثال ذلك:
نظرية مركزية الأرض ، كانت نظرية ثابتة استمرت لقرون ، الى أن جاء كوبرنيكوس فدمرها تماما ، واضطرت الكنيسة لقتله ثم جاء جاليليو فأكدها .. ثم تحولت نظرية كوبرنيكوس الى نظرية ثابتة تؤكد مركزية الشمس... ومهما كانت هذه النظرية قوية فإنها أيضا قد تكون خاطئة فالعلم متغير بشكل سريع جدا والنظريات تتساقط لتحل محلها نظريات علمية جديدة...
أما النظريات غير القابلة للدحض فهي نظريات غير علمية لأنها ميتافيزيقية الأصل فالحديث عن أن حواء خلقت من ضلع آدم مثلا نظرية أو اقصوصة توراتية غير قابلة للدحض لأن التحقق منها مستحيل .
وبالتالي فإن كارل بوبر يميز في الحقيقة بين الرؤية العلمية والرؤية الدينية.. فأغلب القصص التي تناولتها الأديان غير قابلة للدحض ..
وقد ظهرت أيضا نظريات علمية حديثة الى حد ما كالانفجار العظيم ونظرية التطور وخلافه ، وهي نظريات لها خاصيتان : الخاصية الأولى أنها متعارضة تماما مع الطرح الديني وخاصة الطرح التوراتي ؛ والخاصية الثانية أنها نسبية ، أي لا تتمتع بأي اطلاق...
في مواجهة نظرية التطور العلمية القابلة للدحض هناك نظرية الخلق الالهي لآدم ، وهي نظرية دينية غير قابلة للدحض لأننا لا نستطيع ان نخضعها امبريقيا للتجربة والاختبار .
نظرية التطور صارت ثابتة تماما في الغرب بحيث تدرسها الجامعات الأوروبية والامريكية باعتبارها حقيقة رغم نسبيتها الا أنه حتى الآن لم تأت نظرية أخرى تدحضها . وقد استند الكثير من الملحدين عليها لتبرير وجود الانسان وتطوره وتحوله من خلية بسيطة الى هذا الكائن الأذكى على وجه الكوكب.
وانقسم المؤمنون بالاسطورة التوراتية الى قسمين ، قسم يحاول أن يطور في القصة التوراتية لتتفق مع نظرية التطور كنظرية آذان الانعام وغيرها ، وقسم آخر يحاول تفنيد نظرية التطور ليؤكد أن الاقصوصة التوراتية لازالت صحيحة ومشتغلة...
هناك ملحدون انجروا خلف محاولات القسم الثاني من المؤمنين بحيث بدأوا في جدال عنيف جدا لاثبات صحة نظرية التطور وذلك لتدمير الاقصوصة التوراتية ، وقد تركز هذا الجدال بشدة في المنطقة العربية ووجد له بيئة خصبة في مواقع الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي الحديثة . وبدأت عمليات شد وجذب بين الملحدين والمؤمنين كل يحاول اثبات خطأ الثاني .
واعتقد أن هؤلاء على خطأ في هذا المنهج... فبالعودة الى كارل بوبر فإن نظرية التطور لتكون علمية يجب أن تكون قابلة للدحض وليس لها أي قداسة تخرجها بالتالي من كونها نظرية علمية الى نظرية غير علمية. ومن جانب آخر فإن اتجاه الملحدين العرب الى الدفاع عن النظرية ينم عن جهل بأن الالحاد لا ينهار بانهيار نظرية التطور لأنه أساسا لم ينبني عليها ، فالالحاد هو رفض لكل ما هو مينافزيقي وعودة الى الفطرة التي فطر عليها الانسان ، بغض النظرة عن اجابةوتساؤلات انطولوجية قديمة كأصل الوجود وثنائية الوجود والعدم ، وغيرها من قضايا خلافية... إن الالحاد هو موقف ضد المفردات التي يستحيل تأكيدها كالله ويسوع وبقرة الهندوس المقدسة ، ان الالحاد في الواقع انحسار داخل وعاءنا الكوني المغلق رغم اتساعه... ورفض لتكملة جهلنا بأجزاء منه عبر ادعاءات بوجود قوى خرافية مطلقة اليد ولا نهائية القدرة أي عبر فكرة إله الفراغات..
ان نهاية نظرية التطور او نظرية الانفجار الكبير لا تعني هزيمة للالحاد بل تعني انتصارا جديدا مذهلا للعقل البشري . وهذا ما يجب أن يعيه الملحدون العرب بدل أن ينجروا وراء نقاشات عقيمة لا طائل منها .


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.