هناك حديث ضعيف حققه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (925) :

925 - " يا أيها الناس إن الرب واحد ، و الأب واحد ، و ليست العربية بأحدكم من أب و
لا أم ، و إنما هي اللسان ، فمن تكلم بالعربية فهو عربي " .
وقال بن تيمية انه صحيح من بعض الوجوه.
ولكن بغض النظر عن صحة أو عدم صحة الحديث فهو يحدثنا عن اللغة كمعيار للهوية العربية .. واللغة هنا لا تعني فقط التكلم بالعربية ، فكما قال هايديجر فإن اللغة هي بيت الوجود ، واللغة تحتوي بذاتها على نمط توجيهي للدماغ للتفكير بأسلوب ونهج معين.. بالاضافة الى أن اللغة تشمل بهذا المعنى كل المحتوى الثقافي للانسان.. فنحن مثلا ليس علينا أن نتساءل اذا كنا عربا أم لا على أساس الوجه العرقي الجيني ، فهذا ليس هو المعيار ، فمثلا الطفل المولود من أبوين سودانيين ، والذي يعيش في بريطانيا منذ مولده بحيث تكون ثقافيا من بناء ثقافي بريطاني كامل أدبيا وتراثيا وسياسيا واجتماعيا لا يمكن أن نعتبر هويته سودانية بل الأصح انه صار صاحب محمول ثقافي بريطاني بالكامل.
من ثم فلنتساءل نحن هنا هل نحن عربا أم لا.. فالقضية ليست قضية لون لأن عنتر بن شداد كان أسودا وعربيا بل من أحد مؤسسي البناء العربي الأدبي القديم بمعلقاته المشهورة والغنية عن التعريف. إننا عندما نتساءل كمجموعات بشرية في الشرق والشمال والوسط والغرب عن هويتنا علينا أن نتساءل عن محمولاتنا الثقافية السائدة.. وما لا يمكن انكاره أن أغلب محمولاتنا هذه عربية ، لغة وادبا وتاريخا ودينا .. إن أغلبنا قرأ الشعر الجاهلي ، وما تلته من مدارس شعرية الى اليوم.. وبالتأكيد يعرف أغلبنا الحضارات العربية المتقابة والمتداولة في صفحات التاريخ الى زوالها أكثر مما نعرفه عن حضارات أوروبا وآسيا وأمريكا ، ونحن بشكل نسبي نستخدم اللغة العربية للاتصال المفاهيمي بين غالبية مناطق السودان. ولذلك لا معنى بعد هذا للتساؤل عما كنا نمتلك هوية عربية أم لا.
في الواقع لنكتشف ذلك علينا أن نتساءل تساؤلا عكسيا ، هل نستطيع أن نرمي كل حمولاتنا الثقافة العربية وراء أظهرنا ، والسؤال اللازم والحتمي التالي (ماهو البديل إذن؟).. سوف لن نجد بديلا الا لو بدأنا سياسة غسيل لكل محمولنا الثقافي العربي بالتدريج لتحل بديلا عنه ثقافة بديلة.. وهذا سيحتاج الى عقود طويلة ، وسنتساءل حينئذ: ما الغاية من هذا الإحلال؟؟؟؟ هل لارضاء اقليات ما داخل الحدود السياسية التي رسمها الاستعمار لنا؟؟؟ وهل نحتاج لدفع كل هذا الثمن لارضاء اقلية ، وهل ستكون الثقافة البديلة معبرة أساسا عن صيرورتنا التاريخية؟؟
ربما يمكننا أن نعيد دراسة علاقاتنا العربية سياسيا واقتصاديا وثقافيا وشعبيا وجدواها الكلي على تقدمنا وتحضرنا ومدنيتنا لكن ليس بالضرورة أن نقوم بتجريف ذواتنا بشكل كامل بحيث نقف في نقطة الصفر كالأغبياء.
إن لكل شيء حدود ، والحدود هي التي يقررها القانون ، فالمسألة بكل بساطة هي ضرورة أن نستخدم الآلية القانونية فقط لاتقان رسم هذه الحدود باحترافية ، وليس شنق أعناقنا لتتدلى في محيط العدم...
رفقا بنا من هذه الأصوات الغوغائية التي تطالب بتطبيق سياسات الأرض المحروقة .. وعلي وعلى أعدائي.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.