قد تساعدنا أوجه الشبه بين الوقت الحالي ومحاربي المهدي التاريخيين المدفوعين دينياً - على فهم العوامل التي صاغت بن لادن ومنهجه في الإسلام المتطرف بشكل أفضل.

يمكن القول إنه قبل أسامة بن لادن كان هناك المهدي قبل أكثر من 120 عاماً، القائد المخلِص (المهدي المنتظر) الذي استطاع أن يوحد قبائل السودان في ثورة دموية ضد سادتهم من المصريين الأتراك. وادعى أن "الأجانب" قد أفسدوا الإسلام ودنسوه وأعلن هذا المحارب الإسلامي الجهاد ضد "الغرباء". وبهر العالم بعض الوقت؛ إذ تمكن أتباعه المسلحون بالعصيّ، والرماح، والسيوف فقط من سحق الجيوش المصرية التي أُرسلت لمقاتلتهم، وإحباط طموحات بريطانيا العظمى، القوة العسكرية السائدة في ذلك الوقت.
رغم أن أسامة لا يشبه المهدي في جميع النواحي الهامة؛ فالمهدي - على سبيل المثال - جاء من أصول متواضعة، في حين أن بن لادن سليل ملياردير سعودي، إلا أن هناك بعض أوجه الشبه المثيرة بين محارب الصحراء وزعيم تنظيم القاعدة المتجول. وتوجد علاقة مشتركة مع السودان، الذي طرد منه بن لادن عام 1996. وكلا الرجلين اشتبك عسكرياً مع قوة كبرى في عصره، وكلاهما كان يعتقد أن الله كلفه بقيادة حرب مقدسة، لإزاحة التأثير المفسد للغرب عن بلاد المسلمين، والعمل عبر هذه العملية لنشر الإسلام. وربما ساعدتنا أوجه الشبه بين حياتي هذين المحاربين المدفوعين دينياً على التوصل إلى فهم أفضل للعوامل التي صاغت بن لادن ومنهجه في الإسلام.
المهدي "المكلف من الله":
ولد محمد أحمد عام 1844 لأب فقير يعمل في نجارة الزوارق في مدينة دنقلا السودانية على نهر النيل. وكان موضع إعجاب الناس عندما كان طالباً؛ لتقواه وزهده الديني. وفي وقت لاحق عندما أصبح معلماً كان يعظ الناس بإسلام متشدد، وعاش في كهف في جزيرة "آبا" جنوب الخرطوم. وازدرى كل غزاة السودان، ومنهم الأتراك، ليس بسبب إهانتهم للسودانيين فحسب، ولكن لاعتقاده أنهم كانوا فاسدين أخلاقياً. وصرح بأن السودانيين لن يتحرروا أبداً من البؤس والقهر إلا بإتباعهم حياة التقوى وطرد النصابين والغزاة الأتراك المتراخين دينياً.
المهدي المنتظر (صاحب التكليف الإلهي) المبعوث من الله يُتنبأ بأنه سيأتي قريباً لتخليصهم من الغزاة الأشرار. وقد ضربت رسالته المليئة بالأمل والتجديد الأخلاقي على وتر حساس بين جمهور المضطهدين ومن خابت آمالهم. وكان المؤمنون على استعداد للتضحية بأرواحهم، وتوافد الآلاف منهم للانضمام تحت لوائه. (رغم أن العديد من أتباعه يعتقدون أنه المهدي في الواقع، إلا أنه ادعى ذلك على مضض بناء على إصرارهم.)
كانت مصر تحكم السودان في ذلك الوقت، وكانت نفسها جزءاً من الامبراطورية العثمانية المترامية الأطراف. وكانت قد بدأت تتفتكك، وانتشرت فيها الرشوة، ولم تعد قادرة على إدارة شؤون الحكم في أراضيها الشاسعة، وكانت في طريقها إلى الزوال. وفي وقت سابق من هذا القرن، أطلق عليها الأمير مترنيش الدبلوماسي النمساوي الكبير أثناء الحروب النابليونية وصفه الشهير: "رجل أوروبا المريض." وتنافست القوى الأوروبية في الاستفادة من هذه الحقيقة.
فتحت جيوش محمد علي الوالي العثماني في مصر مناطق السودان الشمالية الوسطى (النوبة، وسنار، وكردفان) بين عامي 1820 و1822. وبحلول عام 1840 وقع السودان كله في السيطرة المصرية. وجُرت بريطانيا إلى المنطقة عام 1875، عندما اشترت حكومة رئيس الوزراء بنيامين دزرائيلي شركة قناة السويس. وكانت السياسة البريطانية تجاه مصر والسودان في العقود القليلة التالية موجهة بالحاجة لحماية مصالحها في قناة السويس، والمحافظة على نهر النيل خالياً من المنافسة الأجنبية.
وجُرت بريطانيا الى المزيد من الانخراط في الشؤون المصرية بعد أن أدى سوء إدارة الخديوي إسماعيل إلى إفلاس الحكومة عام 1878. وبعد أن أُطيح به اضطرت مصر إلى قبول إدارة لجنة الديون الأنجلو الفرنسية لشؤونها؛ وبذا وقعت فعلياً في السيطرة الأجنبية. وأدى تزايد الاستياء الشعبي من النفوذ الأجنبي إلى حفز التمرد في الجيش. فأرسل البريطانيون أسطولاً وحملة عسكرية قمعت الثورة، وكونت في القاهرة حكومة تضمن مصالحهم.
الدعوة إلى الجهاد:
أهملت السلطات المصرية في البداية - لانشغالها بمشاكلها الداخلية - المهدي باعتباره غير ضار، لكن لم يكن بوسعهم تجاهله بعد أن قتلت قواته جيشاً مصرياً من ألف وأربعمائة رجل عام 1881. بعد ذلك تعاملت الحكومة المصرية مع المهدي وحركته على أنهما يعدان تهديداً خطراً لنفوذها في السودان، واتخذت خطوات أكثر قوة لإخماد ثورته. ورد المهدي بإعلان الجهاد ضد الأتراك والكفار الآخرين الذين يعيشون في السودان. ثم بدأ صراع كبير على السلطة والنفوذ، استمر نحو عقدين من الزمان.
أرسلت الحكومة المصرية عدة حملات عسكرية لمطاردة المهدي وأتباعه من الرعاع. ومع أن جيوشها انتصرت في بعض الاشتباكات على قوات المهدية، فذلك لم يبدُ مهماً؛ لأن قوات المهدية كانت تختفي مثل الأشباح في الصحراء، ثم تعود لتتجمع وتظهر مجدداً في أقل الأماكن توقعاً.
في عام 1883 عين الخديوي العقيد وليام هيكس - الضابط البريطاني السابق من الهند - قائداً لجيش مصري مؤلف من ثمانية آلاف. وأدت القيادة غير الكفؤة، وربما خيانة المرشدين العرب، إلى إبادة ذلك الجيش في نهاية المطاف. وهيجت هذه الكارثة السودان كله. وعمَّ الاعتقاد بأن المهدي "النبي المعصوم" جميع القبائل السودانية. فكما كان يعتقد كيف يمكن لشخص تحقيق هذه الانتصارات المذهلة على الغزاة إن لم يكن بتوجيه من الله؟!. وفي العام التالي تعرض جيش مصريٌ آخر بقيادة بريطانية لكارثة.
حلم المهدي مثل بن لادن بعالم يسلّم الكل فيه أمره إلى الله. وأعلن أنه سيفتح مصر بعد أن يسيطر على السودان ثم مكة (التي وعد باستعادة مجدها السابق)، ثم القدس، وأن العالم سيخضع للإسلام في نهاية المطاف. وقد أعطي كل الكفار الذين سقطوا في يديه خيارين: إما اعتناق الإسلام، أو القتل. كان إنفاذه للقانون القرآني على الذين كان يحكمهم قاسياً: كان عقاب السرقة قطع يد أو قدم. وفرضت محظورات صارمة كالتي فرضتها طالبان بشأن شرب الخمر، والتدخين، والتصفيق، والقذف، والعيش مع امرأة أجنبية، والنواح على الميت، والرقص، وقراءة الكتب غير المقبولة، أو ارتداء الملابس التفاخرية.
الجنرال جورج غوردون:
في أعقاب الكوارث في السودان أصبح البريطانيون منزعجين كثيراً، وألحّوا على الحكومة أن تفعل شيئاً. وخضوعاً لضغط الرأي العام اختار رئيس الوزراء وليام غلادستون المناهض للإمبريالية، المتحمس على مضض على حد تعبير المؤرخ كيث فيلدينغ - "أداة غريبة" للتعامل مع الأزمة: الجنرال جورج غوردون المشهور بلقب "الصيني". وكان هذا الجندي المستكشف المغامر شخصية رائعة وغامضة، محل الإعجاب في جميع أنحاء إنجلترا. قاتل غوردون في حرب القرم، وحصل على لقبه "الصيني" بعد إخماده تمرد التبت. ونجح في قمع تجارة الرقيق عندما كان الحاكم العام للسودان من 1877 إلى 1880. كان الجمهور على ثقة بأنه الرجل المناسب لهذه المهمة، ومع ذلك كان العديد من المنتقدين له في الجيش والحكومة لا يثقون بهذا الضابط المسيحي التقي الغريب. كان الكثيرون في السودان يحترمون غوردون المتصلب العنيد، المتمسك بالمبادئ أكثر من اللازم، وتحديداً بسبب ما كان يراه العديد من الإنجليز من غرابة في أطواره. وحتى المهدي كان يعتقد أنه غير فاسد ورجل دين.
كان المهدي يعدّ للبريطانيين تهديداً بعيداً؛ ولذلك لم يتحدوا في تبني سياسة متماسكة للتعامل معه. طال تضارب المصالح والرأي العام المتقلب الحكومة. وعلى عكس الرئيس بوش الذي شوه سمعة بن لادن وأتباعه ووصفهم بـ"الأشرار،" كان غلادستون يعتقد بشدة أن أتباع المهدي "يكافحون بطريقة عادلة لنيل حريتهم." وبناءً على ذلك لم يكن مستعداً لاتخاذ الخطوات الحاسمة اللازمة لإيقافه. وبدلاً من ذلك أُرسِل إلى السودان بتعليمات غامضة لإخلاء المنطقة من دون خسائر في الأرواح أو استخدام القوة العسكرية. وسرعان ما اكتشف أن أوامره لم تكن مؤسسة على تقييم واقعي للوضع. وبعد انقطاع غوردون عن العالم الخارجي في العاصمة السودانية الخرطوم تأخرت الحكومة البريطانية في إرسال قوات الإغاثة التي كان يمكن أن تنقذ حياته وحياة الآلاف الآخرين. ومع أن الحكومة تنكرت لغوردون في وقت لاحق، وافترضت زوراً أنه كان يعتزم "سحق جنود المهدي" بدلاً من إخلاء السودان حسب التعليمات الصادرة له فإنها لم تستدعه، عندما أتيحت لها الفرصة. ولم يكن واضحاً هل فهم غوردون الوضع تماماً أم لا؟ لكن الحكومة جعلته كبش فداء لسياستها الفاشلة. ويرى فيلدينغ "في هذه الحادثة لم يسبق أبداً" أن تم "كشف غبن حكومة برلمانية بمثل هذه الوحشية." وقدم ارتباك غلادستون دليلاً عملياً على أن مهمة غوردون ستنتهي بمأساة.
وصل غوردون إلى الخرطوم في فبراير عام 1884، واستُقبل استقبال الأبطال بكل الفخامة رغم أن جيش المهدي الضخم كان عملياً يحيط بالعاصمة السودانية في ذلك الوقت. وحاول غوردون إثر تحققه من الوضع اليائس استرضاء المهدي بأن عرض عليه الاعتراف به حاكماً لكردفان، المحافظة الواقعة غرب النيل، والسماح له بمواصلة تجارة الرقيق. وقد رُفض عرض السلام على الفور. وأجاب المهدي بأن التسوية لا يمكن أن تكون جزءاً من حساباته ما دامت أن مهمته إلهية، وأنه لن يرضى إلا أن يذعن له الجميع: بالغزو، أو باعتناق الإسلام.
كانت الصحافة البريطانية تراقب بالكثير من الإثارة الساحرة اللقاء الدراماتيكي الذي بدأ بين الجنرال العنيد، المسلح فقط بإيمانه المطلق في العدالة الإلهية في نهاية المطاف، وخصمه الديني المتحمس أيضاً. لم يجد غوردون - الذي كان العدو يطوقه من كل جانب - لنفسه خياراً غير البقاء في الخرطوم، وهو ما أثار ذعر غلادستون كثيراً. وفي هذه الأثناء كان الجمهور البريطاني المخدوع بالإيمان الساذج، اليائس في قوة شخصية غوردون على إخضاع الجحافل الهائلة من أتباع المهدي - مقتنعاً بأنه إن كان بإمكان شخص ما الإتيان بمعجزة والنجاح في الخروج من هذه الأزمة، فهو غوردون الأسطوري. وأصرّ غلادستون حتى النهاية على أن غوردون لم يكن في خطر، واتهمه بعدم إطاعة تعليماته بالبقاء في السودان. وتخلت حكومة غلادستون الضعيفة والمنقسمة التي كانت تخاف من أهواء الرأي العام المتذبذب - عن جندي شجاع.
عقب حصار المهدي للخرطوم مدة 317 يوماً جاع سكانها جوعاً زاد من احتمال إذعانهم له. وكانت الحكومة البريطانية لا تزال تخادع نفسها بالفكرة المطمئنة بأن غوردون لم يكن في خطر وشيك، وأمرت أخيراً بإرسال قوات إلى مصر التي تقدمت ببطء نحو النيل. وفي 26 يناير 1885، اقتحمت قوات المهدي المدينة بعد معركة استمرت بضع ساعات فقط، واندفعت في شوارعها، وقتلت ما يقرب من أربعين ألفاً، وفيهم غوردون. وصلت قوة الإغاثة البريطانية بعد يومين، لمّا رأت أن الخرطوم قد سقطت تراجعت فوراً إلى الأراضي المصرية. وجلبت هزيمة غوردون ومنظر الجيش البريطاني المتراجع العديد من المؤمنين الجدد للمهدي. ومن ناحية أخرى ذُهِل الرأي العام البريطاني، واستُهجِن غلادستون علناً، ووصفت الملكة فيكتوريا مقتل غوردون بمرارة بأنه "وصمة عار لانجلترا".
لم يستمتع المهدي طويلاً بثمار انتصاره المذهل على أحد الجنرالات الأكثرين شهرة في بريطانيا. فبعد خمسة أشهر مات وهو في ذروة سلطته ونفوذه. وبينما اشتبه البعض في أنه مات مسموماً تكهن آخرون بأن ذلك الرجل في منتصف العمر قد نُهِك من الاجهاد البدني في مواقعة حريمه المتزايدات عدداً، غير أن أغلب المؤرخين يعتقدون أنه مات من التيفوئيد.
مع أن المهدي قد مات فإن المهدية كقوة سياسية لم تنته؛ فقد أسس خليفته "عبد الله" الدولة المهدية. وغرقت المنطقة في حالة من الرعب الطاعوني والفوضى. واستؤنفت تجارة الرقيق. ولم يكن بالإمكان الحفاظ على الحكومة القبلية اللامركزية الضعيفة للمهدية إلا بالحرب المستمرة. وتجاهل البريطانيون نظام المهدية ما دام باستطاعته منع القوى الأوروبية الأخرى من السيطرة على منابع النيل، غير أنهم ولكنهم ما إن بدأوا بناء سد كبير للري في أسوان قرروا وضع السودان في إشرافهم المباشر. وبدأت بريطانيا - سعياً لحماية مصالحها في منابع النيل من المطالبات الفرنسية والإيطالية، والبلجيكية - حملة عسكرية لإعادة فتح السودان، انتهت عندما هزم الجنرال الذي أصبح لورداً بعد ذلك - هربرت كتشنر القوات المهدية في معركة أم درمان عام 1899.
وبدا الآلاف من أتباع المهدي مثل سنابل القمح أمام سلاح الحرب الجديد؛ بندقية مكسيم، التي لا تجدي ضدها رماحهم، ودروعهم، ومعتقداتهم الدينية. وهلك أكثر من عشرة آلاف من رجال المهدي في حين بلغت خسائر الجنود البريطانيين 48 فقط (معظمهم كان بسبب هجوم أحمق للفرسان). كانت القوات المهدية على الجانب الخطأ فيما يسمى اليوم بـ"الحرب غير المتكافئة". ورغبةً في الانتقام لمقتل غوردون قتل الجنود البريطانيون من تبقى من مقاتلي المهدية ودنسوا قبر المهدي بنبش جثته. وفكر كتشنر في عمل كوب من جمجمة المهدي.

نهاية المهدي وصعود المهدوية:
أنهت هزيمة كتشنر المهدية كقوة عسكرية وليس كرد فعل روحي وسياسي تجاه الحكم التركي المصري. أصبح المهدي شخصية محورية في التاريخ السوداني بعد أن وحد السودان تحت راية الإسلام، وبقي رمزاً قوياً للمقاومة الوطنية ضد استبداد الأجانب في القرن العشرين. وتقلد حفيده منصب رئيس وزراء السودان ً عام 1989.
ورغم الكراهية التي زرعها المهدي في الجيش البريطاني، فإن بعض المراقبين الغربيين أشادوا به باعتباره شخصية تاريخية عظيمة، وكتب ونستون تشرشل - الذي كان مع كتشنر في أم درمان - إن المهدي سيُذكر كواحد من "أبطال أمته". ويمكن أن تعزى نجاحات المهدي العسكرية ضد الصعوبات الساحقة وتضحية المتعصبين من أنصاره، واستمرار جاذبية رسالته بعد وفاته - إلى الفخر الجمعي الذي زرعه بين السودانيين. لقد عبروا عن سخطهم السياسي وإحباطهم بالحماسة الدينية. وكما يلاحظ المؤرخ أنطوني نوتنغ: "أظهر ابن نجار زوارق على ضفة النيل للعالم كيف يمكن لمجموعة من رجال القبائل العراة، المسلحين جسدياً في البداية بالعصي والحجارة، ولكنهم مسلحون دائماً بالإيمان والانسجام في دواخلهم - أن تتحد وتتفوق لدرجة أن تجبر أكبر قوة على وجه الأرض على الاستجابة لمطالبها بالتهديد ".
نبعت كل من حركة بن لادن وحركة المهدي من الشعور المناهض للاستعمار وللأجانب والتأثيرات المفسدة المعروفة للثقافة الغربية. وكلاهما تعبير عن الاستياء من "الغرباء" أو "الأجانب" الذين يستميلون المؤمنين بعيداً عن الايمان الحقيقي. بالطبع كان المهدي مخلوق عصره، وافتقر إلى القدرة على نقل قوته خارج حدود السودان، ومع ذلك كان أكثر نجاحاً مقارنة بابن لادن، كما أنه رحل بالوفاة الطبيعية الواضحة بعيد فوزه بنيل الاستقلال المؤقت لشعبه على أقل تقدير. (ولم يحالف بن لادن وأتباعه الحظ؛ إذ قُضِى عليهم في الحرب، أو أُجبِروا على الاختباء.) وواصل العديد تقديس المهدي بعد وفاته، حتى إن بعض أعدائه السابقين احترموه واحترموا قضيته. وبُنِي له في الخرطوم ضريح مثير للإعجاب تخليداً لذكراه. وهذا لم يحظ به بن لادن. وسيظل اسم بن لادن دائماً مرتبطاً في الغرب بالشر حتى داخل العالم الإسلامي، وسيحتفي عدد قليل بذكر إنسان لاقى مثل هذه النهاية المهينة والكارثية.
درس واحد لا يقبل الجدل يمكن استخلاصه من مقارنة نتائج تأخر وضعف رد فعل بريطانيا تجاه ثورة المهدي - مع استخدام أميركا للقوة النارية الساحقة لسحق طالبان وتنظيم القاعدة - هو أن الإجراء الحاسم ضد عدو عنيد هو أكثر إنسانية على المدى الطويل من محاولات التسوية المضللة. كانت الحرب في أفغانستان مرعبة لكنها قصيرة والحمد لله. وفي أعقابها رُدِعت هجمات إرهابية مستقبلية لا تعد ولا تحصى وسلّم العديد من الأرواح. وبالمقابل جلب انتصار المهدي في ذروة معاناته الموت لعدة آلاف من الناس. في نهاية المطاف كان على بريطانيا أن تنهي المهمة التي فشلت فيها في البداية.
الإسلام ليس مجرد نظام للإيمان لكنه أسلوب للحياة تمتزج فيه الحياة المدنية والشعائر الدينية بقوة. إن الفصل بين النواحي العلمانية والدينية الذي يعدّ المبدأ الأساسي في المسيحية، غير معروف في الدين الإسلامي. ومن ثَمَّ فإن الاختلافات الدينية تميل إلى أن تصبح صراعات سياسية، ثم تتحول هذه الصراعات السياسية إلى حروب دينية. ويوضح عدم وجود ثقافة مدنية في مجتمع تكثر فيه الشعائر والمحظورات سبب كثافة الإيحاءات الدينية في السياسة الإسلامية. ويجري تنظيم جميع العلاقات الاجتماعية والسياسية بكلمات من القرآن والحواشي التي لا تعدّ ولا تحصى. ويوضح غايتانو موسكا في كتابه الكلاسيكي، "الطبقة الحاكمة" (1939): "من المؤكد أن كل ثورة كبيرة في العالم الإسلامي تولد حالة كبيرة تقريباً، يرافقها ويبررها انقسام ديني جديد. كان ذلك في العصور الوسطى ... وهو الحال أيضاً في القرن التاسع عشر في تمرد الوهابيين والثورة بقيادة المهدي في أم درمان ".
أجج بن لادن - مثل المهدي - التعصب الديني المتشدد في الشعوب المسلمة، وكان في الوقت نفسه يخاطب شعورهم العميق بالظلم ضد الأجانب والكفار. وما إن يُطلق العنان لمثل هذه المشاعر العنيفة لا يمكن إخمادها بسهولة. لم تمت المهدية بوفاة المهدي. وبالمثل قد تعمر عقيدة بن لادن المضادة للغرب أكثر من سمعته المحطمة الآن كمحارب ديني.

ترجمة الفاتح حاج التوم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ويسلي ماكدونالد، أستاذ العلوم السياسية في كلية إليزابيثتاون في بنسلفانيا. توفي في 9 سبتمبر 2014 في مستشفى جامعة جون هوبكنز في بالتيمور.