عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
"إنه لممّا يؤسف له، أن لا تتنبه النخب الوطنية في السودان، والتي تولت الأمر بعد خروج "الكولونيالي"، فنجدها قد عجزت عن التعرف على القواسم التي تجمع ولا تفرّق" الأديب جمال محمد إبراهيم..
كتب الأديب جمال محمد إبراهيم مقالاً بعنوان: (السودان:مِـزاجُ ما بَعـد حِقـبَةِ الكُوْلـوْنيـالـية) بتاريخ 6 أغسطس 2017م رداً على مقالنا (كَلَنَا يَحْمِلُ فِيهِ نَصَّ مُقَدِّسُ).. قِرَاءةٌ فِي الْمَشْهَدِ الثَّقَافِيِّ السُّودَانِيِّ)- بتاريخ 3 أغسطس. وإني لأشكر الرجل على ما بذله من جهد في قراءة وكتابة حول مقالنا. إن جمال الأديب هو الأبقى فينا، ويكفي للتدليل على ذلك أعمال الرجل التي تتخذ من (الْهُوِيَّةُ وَالْقَوْمِيَّةُ وَالْوَطَنِيَّةُ وَالتَّعَدُّدِيَّةُ الثَّقَافِيَّةُ وَالْاِعْتِرَافُ بِالتَّنَوُّع) حقلها الأخضر الذي تَنْهُبُ فِيهِ خُيُول الرجل، ذلك بائن في عمله الروائي الأخير (دفاتر القبطي الأخير)، وهذا عمل أقل ما يوصف به أنه مُؤْذِي للمشاعر البليدة، فقد عمد أديبنا إلى الأسئلة الصعبة، وهو (سؤال التسامح)، ولكن هذا المقال ليس لتحليل نص (القبطي الأخير) لأنه يستحق عمل نقدي يحلل بنيته، ويفككه بصورة تكشف أكثر عن جماله، وعن براعة الأديب جمال في تحويل الذاكرة إلى صورة، إن هذا المقال يرمي لمواصلة النقاش معه حول ما تفضل به من ملاحظات قيمة رداً على مقالنا.
لسنا بصدد الكتابة بطريقة المناظرة، فإن المعارك الأدبية في السابق كانت سبيل تطوير الأدب والمعرفة، وأشهرها قاد فيالقها العقاد، لكنه كان يفعل ذلك بعزم شديد، ورغبة في التجويد، وليس بالكراهية كما يحدث الآن،
إذ لم يتبق لبعض أدباء اليوم إلا أن يخططوا للقيام بعمليات انتحارية ضد بعضهم، وهو أمر لا يخرج عن كونه تعبير جدي للعنف الذي أصاب أجزاء كبرى في جسدنا الاجتماعي، وليس الأدب بمنأى. فما نريده هنا هو شيء شبيه بـ(المشايلة) أي نزولاً عند حكمتنا الشعبية العميقة المعنى والدلالة (شيلني وأشيلك) فالأديب جمال(شالني) بأن قدم رؤية حول ما كتبت، ولي س المهم ما اختلفنا حوله، فهذا مطلوب جداً لمصلحة التغذية الراجعة للنص، بل المهم نقاطه المركزية والتي من أهمها قوله: "إن دولة "ما بعد الكولونيالية"، المرتبطة بنيل الإستقلال تحرّراً من الاستغلال، قد أفضت بالنخب التي تولتْ أمورها، إلى الاحتفاظ بـ"اللعنة الكولونيالية" التي حملتْ نظرة استعلائية لثقافاتنا الأفريقية، فتجد تلك النخب قد ورثت من الوجود "الكولونيالي" الآفل، ذات النظرة الاستعلائية بدرجات متفاوتة، ولكنها دفعتهم إلى إعلاء الإنتماء الثقافي المتجه نحو الانتماء العربي، فور استقلال البلاد عام 1956." مقال الأديب جمال. تجدني متفق تماماً معه حول "لعنة الكولونيالي"، وقد ذكرني كلامه هنا بتحليل فرانز فانون، فألمع أفكار الرجل هو اكتشافه الباكر لاستنساخ المستعمر أشباه لَه ضمن القطيع، ويفعل ذلك حتى يضمن ألا ينقطع نسله..
وحول إفريقيا الغائبة فينا كتب الأديب جمال: (إنه لممّا يؤسف له، أن لا تتنبه النخب الوطنية في السودان، والتي تولت الأمر بعد خروج "الكولونيالي"، فنجدها قد عجزت عن التعرف على القواسم التي تجمع ولا تفرّق- مقال الأديب جمال). وحقيقة هذه هي النقطة التي منعت تطور الخطاب الثقافي السوداني، إذ أنها حرمته حقه في التنوع، والذي هو قوة أي خطاب، ففعل الحرمان الذي أرضعه الساسة للمعنى الثقافي فينا صنع هذه الردة التي نشهدها الآن، وأعني بها أن يكون خطابنا الثقافي متشظياً إلى حد كبير، بل يعبر عن جغرافيات تخصه، ولا مانع بطبيعة الحال أن يتعدد خطابنا الثقافي، بل المزعج في الأمر غياب الخطاب ذاته الذي تتناسل منه تعددية. ومن أفشل المقولات وأكثرها زيفاً في فهم موقعنا الثقافي، ما يردد بأن السودان جسر بين بلاد العرب وإفريقيا، إن في هذا تدليس، فالجسر ليس مكاناً للاستقرار، هو طارئ ومؤقت، وقابل للاهتزاز، ووظيفته الربط بين نقطتين، نحن لسنا جسراً، نحن شعب له ثقافة خاصة..
كما أنه وبسبب من تخلينا عن النقدية في ممارستنا الثقافية، فشلنا في استبانة موقعنا ضمن السلالة الفكرية في تاريخنا المعرفي السوداني، ذلك لأن مهمة الثقافة أصلاً هي تسمية الأشياء، فالمشروع الثقافي ذلك الذي نعني به انعقاد أدوار ذاتية أو جماعية في صالح التغيير، يصعب التأريخ لها الآن، فجهود آخرين توضع هكذا (لوحدها) وكأنها جسم ناتئ في أرض عقيم، فلا مساومة عن علاقة شرعية نتجت من اتصالنا بالحلقات الحضارية التي عاشتها بلادنا، ومع تعميم اجباري، نؤرخ للثقافة وفق طلعات متباينة المدى:(مدرسة الغابة والصحراء- الأبادماكيون، الوحدويون والانفصاليون...إلخ) وبسبب ذلك تعطنت ثقافتنا بأوحال الثنائية، وَاِنْطَفَأَتْ قَنَادِيلُنَا رَغْمِ ابتلال فَتَائِلَنَا الراعشة، ما منع عنا اصطناع ماعون يستوعب مركبنا غير المتجانس من (..الذكريات والتصورات والقيم والرموز والتعبيرات والإبداعات والتطلعات...إلخ) فدوماً كان منطقنا ثنائيٌّ القيمة؛ إنها مصدر عمل العقل السوداني، منذ الفراعنة السود وحتى الآن، وعندها لا لاحق يرتبط بميلاد، ولا سابح من معارفنا إلا يٌرنق، فأضواءُ مؤتمتةً شَّرعنت غيابنا عن درسنا الثقافي.
ورغم أنها (الثقافة/مثاقفيها) قوة، إلا أنها بسبب من التفكك والتعددية غير المرعية باتت قوة ساكنة لا تهتز إلا بقدر امتثالها لمعارك تتلبس أزياء غير مُهرمنة، ما يشتهي فينا القول إننا مهشمون، وتفاشلنا يقينه في لا فض الاشتباك بين الحقيقي والمجازي في التاريخية الثقافية التي ندعي مسايرتها لنطور فيها ملكاتنا، أو حتى نغرس في جبينها قُبل إجاباتنا عن الراهن.
إن المتابع للمشهد الثقافي السوداني سيجد أن مفاهيم بعينها باتت تعاني شحاً في التعريف والتدقيق، فمفهوم مثل (كَاتَبَ مُجِيدُ) بات مفهوماً ضبابياً، والسبب عدم وجود معايير موضوعية تسمح بكاتب أن يتقدم على آخر، وليس المقصود بطبيعة الحال تقييم إبداعي فقط لما يُكتب، بل علاقة ما يكتب بالواقع والظاهرة والناس، فقد بان اختلال سببه غياب مدارس نقدية سودانية، إذ أغلبها يرتكز على أسس من المفاهيم الغربية التقليدية، حتى المفاهيم الكلاسيكية العربية، وفي هذا يحدث الخلل فالحقل الذي يخصنا يسمح لنا بإنتاج أدوات من داخله تعمل على فهم وتحليل مضمون النصوص، ولن نكون في مغالبة مع أحد لو قلنا بأن الساحة الثقافية مرضها الرئيس هو غياب النقد، ‏فكيف للنقد الأدبي أن يُطَوِّر الأدب، وهو مقيد بسلسلة من الأحكام المسبقة، وفي بعضه بقية وثنية تأبى السجود لغير نصوص الستينيات والسبعينيات مع لمحات خجولة للثمانينيات وكُتابها، ولعل الاكتفاء بالماضي وانكار التطور يقف خلف الاحتفاء الخالد بذكرى الطيب صالح مع حبي له، لكن هنا مكمن الأزمة..
إن الكتابة محكومة بمجال الخطاب، أي أن ما يميز نص وكلام وكتابة ، نثراً أو شعراً ، منطوقاً أو مكتوباُ، ذاتياً أو مؤسسياً.. أن كل هذا لا يتحرك في فراغ بل يمثل شبكة من خطاب كلي، وللخطاب منطق داخلي وارتباطات مؤسسية، فهو ليس ناتجاً بالضرورة عن ذات فردية يعبر عنها، أو يحمل معناها أو يحيل عليها، بل قد يكون خطاب مؤسسة أو فترة زمنية أو فرع معرفي ما (راجع: ميشال فوكو – نظام الخطاب – ترجمة د. محمد سبيلا- ص 4). وإن الذي يتقدم به الكاتب المُجيد في الساحة لا يتصل مباشرة بمادته، قدر اتصال ذلك بحلقة من الترويج والدعاية والإعلان إن لم أسمها (الشللية) حتى بات إصدار عمل كتابي حدث في ذاته، مما لا يسمح للقارئ المستهلك للمعرفة أن يتبين ملامح هذا العمل، بل يحبسه في إطار من الجبرية تجاه إصدار عمل روائي أو قصصي، والسبب كذلك أن فلان كتب بأن هذا عمل خطير وصاحبه رجل كتّاب، إن مثل هذه الأقوال لا تنتمي إلى النقد، فالنقد ليس كشف العيوب أو إظهار الفرادة، إنه عمل يسعى إلى إثبات أو نفي التهافت. وهذه حقيقة يصح وصفها (بالشفقة = بمعناها الدارجي)، فالكتابة هي ترجمان الأفكار، والسؤال المهم هل للأفكار قيمة في ذاتها، أم بما ترتبط به من علاقات بموضوعها؟ كما يتساءل ماكس فايبر. إن الفرق بين كاتب جيد وآخر يكمن في (التأمل)، كما أن ‏الكتابة الجيدة تغترف من القراءة المتجردة، وهذا ممتنع بسبب من هيمنة الأيديولوجيا على الأدب، لأنه وحتى تنجو الثقافة من السياسة تحتاج إلى شيء وحيد هو إنسانيتها.
والذي يغيب أكثر فأكثر هو فيلسوف الظاهرة، اعتقد أن المشكل الذي يواجه الثقافة السودانية هو ضعف آليات التحليل، التحليل المتوحش كما هو عند ميشيل فوكو (١٩٢٦- ١٩٨٤) فهذا الفيلسوف الفرنسي كان قد اتخذ من المخفي والمقموع وجهته الفلسفية، فعل ذلك ليعيد الاعتبار لبنى تم حجبها وقمعها عبر مؤسسات تعبر عن الطبقة والقانون، إنه فيلسوف الحقائق المتوحشة.. ولعلنا نحتاج فوكو سوداني لنفهم سر المتلازمات المؤذية، متلازمة تجاهل كل شيء، وتحريف تعريف كل معرف ومطمئن إليه، ولا أقصد أن نستنسخ فوكو جديد، بل أن نجد من يملك أدوات تحليل تستطيع اختراق هذه الحجب، حجب النظرة العجلى للمعرفة، فغياب الدرس الفلسفي أو امتناعه هو ما يقود الثقافة إلى حتفها.
ويسعنا القول أن لا حياة لمشروع ثقافي جيناته أنانية مصبوغة بلون إقصاء "الآخر"، الآخر؛ الثقافي، الاجتماعي، السياسي، وهي في الحقيقة تتجاهله، وتعمل على تغييبه، والسؤال عن مقومات مشروع ثقافي، سؤال ماكر، لأنه يفترض لا وجود ثقافي فينا، رغم إن هذا اللاوجود مقصود بل ومرعي بمشروط ثقافي آخر، شغله الشاغل إثبات نسب جديد ومحمول بالقوة للدم في أوعيتنا.
إن الحل؛ هو العمل على إيجاد نظرية ثقافية سودانية موحدة لا تعتد بالعرق أو الدين أو الملفوظ، فهذا غاية ما نطمح إليه، وحتى لا يكون مصير خطابنا، مصير كاسيوس مخلوق شكسبير، مخلوقه التعس..