أحجمت منذ وقت طويل عن تناول القضايا المرتبطه بالسياسه، وخاصه تلك التي لها علاقه بالمعارضه، وبالأخص قضايا الإصلاح الحزبي والتنظيمي التي كنا نتحمس بشدة حين نتناولها في منابرنا المغلقه قبل عامين تقريباً، وهي حماسه ربما دوافعها مبررة وقتها، لكن لو أردنا إمعان النظر بعمق في جملة المشكلات السياسيه والإجتماعيه في بلادنا نلحظ أنها معقدة بأكثر مما نتصور، وهي في ذاتها مشكلات مركبه ومتشابكه لدرجه أنه من الصعوبة بمكان إجراء عملية فرز لأسبابها ومسبباتها.
فمنظوماتنا التي نسعي لإصلاحها هي منظومات متخلفه ولا ينطبق عليها التعريف العلمي للحزب السياسي، فهي مجرد منظومات موغله في التقديس بأشكاله المختلفه (أفراد، أفكار)، وهي بذلك لا تحفز علي إنتاج المعرفه، ولهذا لا تنتج عقولاً خلاقه ومبتكرة قادرة علي إيجاد حلول لقضاياها المعاصرة، فهذه المنظومات تعيد تدوير الأفكار التي ينتجها العقل المستبد داخلها، وبالتالي هي بوعي أو بغيره تؤطر لأسطرة الفكرة والعقل الذي أنتجها، وهي بذلك لا تؤسس لقيم جديدة تقوم علي الحريه، المشاركة، العمل بروح الفريق والتعاون، وإنتهاج العلميه في تناول المشكلات والإبتكار في إيجاد الحلول، وتعزيز ثقافة الديمقراطيه وإعلاء ثقافة الحوار المفتوح وحماية الحق في التعبير عن الآراء، وتكوين مجموعات الضغط وتيارات الإصلاح المؤسسي ...إلخ.
فإذا أردنا أن نضرب مثالاً علي هذه الحاله فلا بد من الحديث عن الإمام الصادق المهدي، فالرجل بالنسبة لعدد كبير من الناس يشبه البطل الخارق الذي مازال منعقداً عليه الرهان لتخليص البلاد من عثراتها الطويله، وقد يبدو هذا الأمر مقبولاً من العامه وفق إعتبارات الولاء الطائفي الموروث، لكن لا أعتقد أنه أمراً طبيعياً لدعاة الحداثه والتغيير في الحركة السياسيه والإجتماعيه السودانيه، فهذا الامر ينطبق علي معظم التيارات السياسيه والإجتماعيه التي ظلت عاجزة عن الخروج من الأنماط القديمه، فالمعروف أن الأفكار تتطور بإستمرار وإلا أصبحت مراجعنا ذات طبيعه سلفيه عاجزة عن مواجهة قضايا عصرها بفكر زمانها هي لا بأزمنة غيرها، لذلك فالحاجه ملحة لإنتاج معرفه جديدة من خارج المنظور الذي فشل في إيجاد حلول لمشكلات الواقع السياسي والإجتماعي في السودان منذ الإستقلال وحتي الآن.
فمصيبة هذه المنظومات أحادية الفكر والقيادة، أنها تعيد تدوير ما أنتجه العقل المتسلط، وهي غير مستعده لتهيئة أجواء ملائمة للفعل النقدي الهادف لإنتاج معرفته بآليات عصره، والأخطر حسب وجهة نظري أن العقل الذي تشكل في هذا الوسط وتعايش مع فكرة القداسه (فرداً، فكراً) ورضي تماماً بهامش الحركه المتاح له - هذا العقل- لن يفلح في بناء منظومات مدنيه ديمقراطيه بالشكل المأمول، لأنه أسير لهذه الخرافه التي أدمنت التقديس، ولذلك فهو لا يتعايش مع فكرة الحريه ولا يتصور مقدرة وعيه في إدراك المطلق، ولهذا السبب أعتقد اننا في حاجه ماسه للدعوة لتحرير العقول وحثها علي هدم هذه المعابد التي تقيد حركتها؛ لتنطلق، عقولاً حرة ملتزمه بقضايا الإصلاح والتنوير وهي بذلك تضع أولي الخطوات في طريق النهضه المعرفيه والثقافيه التي بلا شك ستعود بالفائدة الكبري علي بلادنا وأجيالها القادمه.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.