تعساءٌ أولئك الذين يعيشون أوضاعاً سيئة في بلادهم، افتقاراً للحاجيات الضرورية: الغذاء، الكساء، التعليم، الدواء، السكن اللائق، الأمن والسلم والاستقرار. تعساءُ الذين يعانون في أوطانهم من الحرمان من حقوق الإنسان الأساسية كالعدل والمساواة والحرية؛ الذين يعايشون شعوراً متزايداً بالظلم والغبن والتفرقة وقلة الحيلة لتحقيق تطلعاتهم المشروعة وبلوغ ما هم اهلٌ له وجديرون به من طموحات وغايات، ومن انعدام الوسيلة لإبداء آرائهم والمشاركة بصورة سلمية في إحداث تغيير نحو الأفضل. تعساء الذين يفتقرون في بلادهم للذة العيش الهانئ الكريم وتخمد في نفوسهم جذوة الأمل، وتعساء الذين يرون أنه ليس ثمة فكاك ومخرج مما هم فيه سوى الخروج من البلاد والعيش في غيرها فيصير ذلك هاجساً وحلماً ينام ويصحو عليه الصغير والكبير ووهماً وهمَّاً يجثم في الصدر وإلى أن يتحقق، لو تحقق، لا ينقطع فيه التفكير حتى وإن كان دون ذلك احتمالات الغرق في بحار بلاد بعيدة أو الموت في فيافٍ نائية ظمأً وتلظياً تحت هجير كما السعير.
أتعس من هؤلاء وأولئك الذي خرجوا أو أُخرجوا من ديارهم وعاشوا في بلاد يرون فيها العشب أكثر اخضراراً والهواء أكثر نقاءا والأوضاع أشد ازدهاراً، فيها يكدحون مقابل ما يوفرون لأنفسهم وذويهم من متطلبات حياة أو ينتظرون أن تجود عليهم بذلك الحكومات أو المجتمعات التي آوتهم، فيها ينعمون بهامش من الحقوق أكثر مما هو متاح في بلادهم الأصلية فيتوهمون أنهم سعداء وأن لهم من القيمة الإنسانية، في بعض بلاد المهجر وليس كلها، مثلما لغيرهم وأنهم والآخرين سواسية كأسنان المشط في المصير والانتماء والحقوق والواجبات. يعيشون ذلك الوهم إلى أن يصل إلى السلطة قومي متعصب أو سياسي متطرف أو عنصري متشدد أو تطرأ ظروفٌ وتحدث مستجدات فتأتي عليهم لحظات يعرفون فيها أنهم غرباء ودخلاء غير مرغوب فيهم، خُدام، أيتام في مائدة لئام، سوام لا يستحقون في نظر بعض مسؤولي ومواطني البلاد الي لجأوا إليها حتى الفتات والعظام، رغم أنهم علماً وعملاً، خلقاً وسلوكاً ووفاء وعطاءا لأوطانهم الجديدة يبذلون ويقدمون في عرفان وامتنان ما لا يقدر ويقبل عليه سوى الأفاضل والكرام. رغم الجواز، اسماؤهم مكتوبة بالرصاص أو مخطوطة على حواف رملي الكثبان قد تذروها وتمحوها هبة ريح هوجاء أو على ضفاف بحور نائية قد تطمسها موجة عابرة تعابث الشطآن. مع كل قرار وتصريح وتصرف ينقض مضجعهم ويفر النوم من الأجفان وبسبب هذا التطور أو الحدث يستشعرون الذل والهوان. يمتد بهم الزمان، يأكلون ويشربون ويتناسلون ويزدادون بسطة في الجسم والمال والمكان ولكن في دواخلهم لا يشعرون براحة النفس أو الأمان. وأمرُّ من هذا وذاك أنهم يفتقدون الحب الحقيقي، رقيق المشاعر وصادق الحنان: من أمٍ، أبٍ، أخٍ، أختٍ، عمومةٍ وأخوال، أصدقاءٍ أوفياء، زملاء عملٍ، خلوقِ جيران وخلان أو حتى عابري سبيل أو رفاق دربٍ جمعهم به لبرهة السفر والترحال من مكان إلى مكان. لا يزورون مريضاً عزيزاً عليهم ولا يشاركون في تشييعه إن اختاره إلى جواره الرحمن، لا يعزون أو يتلقون العزاء فيمن كان ملء السمع والبصر وصار طيفاً في الخاطر والوجدان. يحققون وينجزون ويوفون بهذه الجانب من احتياجات حياتهم أو ذاك لكن يبقى في دواخلهم فراغ لا يسده مكسبٌ ولا إنجاز وتتمدد مساحةٌ خاوية لا يملأها ولا يعمرها أي أعجاز.
أتعس ممن بقوا في بلادهم الأصلية يضرمون الحصرم ويلوكون العلقم، الذين تغربوا فوهنت أو تقطعت بهم الأسباب والجذور التي تشدهم إلى أوطانهم الأصلية وبهت في ذاكرتهم ما يربطهم، زماناً ومكاناً، بكيان كان من جهةٍ ومن جهة أخرى، صار المستقبل أمامهم مجهولا لا يعلمون كيف يكون وماذا سيأتي على كنفه محمولا، لا يشبههم أبناؤهم ثقافة وسلوكاً وطموحا فيأتي نسلهم على غير ما يشتهون فيكونون بذلك قد فقدوا وهم في متاهات الغربة أن يكونوا امتدادا لسلفهم واستحال عليهم أن يكون خلفهم امتدادا لهم فغدوا أشجاراً بلا جذور وغرساً معلقاً في الهواء مختلف الثمار وأجساماً انطلقت من قاعدتها ولا تدري في انطلاقتها ودورانها أين ومتى سيكون المقر والاستقرار.
قال لي يوم أحد الأصدقاء الذين نصفهم بأنهم "عميقون" أي خبروا الدنيا فصاروا فلاسفة، قال لي " على المرء ألا يفكر مطلقاً في مغادرة السودان حتى لا يقارن وإن غادر عليه الا يفكر مطلقاً في العودة لأنه سيقارن ويقارن". على الرغم من عدم اتفاقي تماماً مع ما يراه صديقي فكثيراً ما نسمع من العائدين عبارات مثل "لمن كنا في المملكة، وفي دبي ولو كنا حسه في لندن والرجعنا شنو ...... الخ." في سياق هذا لي صديق "طهق من الغربة ووصل حد القرف الأقصى من البلد الذي نعيش فيه فصفى أموره وجمع أغراضه وغادر إلى السودان "بلا رجعة" حسب قوله. بعد ثلاثة شهور أو أقل اتصل بي وتحدث مطوَّلاً وبحسرة عن سوء الأوضاع في السودان وطلب أن أساعده في الحصول على بيت للإيجار. المدهش في الأمر أنه فعل ذات الشيء ثلاث مرات قبل أن يستقر في البلد الذي نحن فيه، على الأقل حتى الآن. وكلنا ذلك الرجل، نمني النفس بالعودة يوماً إلى السودان وقد حققنا ما اغتربنا من أجله وننسى أن تحقيق ما نصبو إليه يبتعد وأن هادم اللذات ومفرق الجماعات حثيثاً يقترب.
زرت قبل يومين حديقة الحيوانات في مدينة "تورنتو" وخلال زيارتي لها وردت إلى ذهني خاطرتان: أولاهما أنه قبل عشرات السنوات كان في الخرطوم حديقة حيوانات تفوق حديقة "تورنتو" عشرات المرات. كغيري وقعت في فخ المقارنة، غير أنها كانت هذه المرة لصالح سودان زمان وضد سودان الآن ولا عزاء في الحالتين. الخاطرة الثانية هي أنني أحسست بأننا في الغربة مثل حيوانات الحديقة، نأكل ونشرب ونسمن ونتناسل ونحس بقدر من الأمان غير أننا في أقفاص ذهنية ونفسية وثقافية واجتماعية وهذه أسوأ وأمر أنواع الأقفاص. تمتاز الحيوانات علينا بأنها ليست لها ذاكرة تختزن الزمان أو المكان ولا تفكر في الغد أما نحن فنختزن ونفتتن ليس في دنيانا فقط بل أيضاً في ديننا بسبب المقارنة بين ما نحن فيه وما وصل إليه الآخرون، وأننا بدلاً عن أن نعيش يومنا، نستمتع به ونتعلم منه، نعيش الغد بكل ما يحمله من آمال قد لا تتحقق وآلام.
في فنتازيا لا تخلو من الأنانية نتمنى أن لو تسنى لنا عالم نخلط ونمزج فيه بين ما نريد من أوطان الشتات والسودان لكن ما كل ما يتمناه المرء يدركه. من ناحية أخرى،
ما نيلُ المطالبِ بالتمني ولكن تُؤخذُ الدنيا غلابا
وما استعصى على قومٍ منالٌ إِذا الأِقدامُ كانَ لهم ركاباً
ولعل الله يخرج من أصلابنا من يعيد للسودان هيبته وعزته وأمنه وعدله سلامه ورخاءه فنغني ملء افواهنا مع سيف الدين الدسوقي وإبراهيم عوض، رحمهما الله:
أحب مكان وطني السودان
أعز مكان عندي السودان
لأنو حسانه أعف حسان
طير وصوادح وروض جنان
الانسام بالطيب تغشاهو
والاقمار حفت بسماهو
والازهار تبسم فى رباهو
فيها رقة وفيها حنان
فيهو النيل النيل الخالد
فيهو الخال والعم والوالد
فيهو تراث من طارف وتالد
والخيرات اشكال والوان
السودان اشراقة جديدة
فى افريقيا وبسمه سعيده
فيهو عروبه وجوها عديدة
من ادآب وفنون وبيـــــان
الانسام بالطيب تغشاهو
والاقمار حفت بسماهــو
والازهار تبسم فى رباهو
فيها رقة وفيها حنـــــــان


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.