.


كان قد نسب للدكتور عبد الرحيم حمدي وزير المالية الأسبق، أنه قد قال مرة في إحدى المنابر الإعلامية، انه كان يتمني ان يؤسس مصرفا لذريته من بعده، مد الله في عمره وبارك له فيه.. ليته قال أن يؤسس مسلخا ومصنعا للحوم أو مصهرا للحديد أو مطحنا، لكنه لم يقل.. انما يود لو يؤسس مصرفا.. فهو يتقن صناعة المال وضرب النقود.. أكثر من صناعة الإنتاج العيني وما ينفع الناس.
.
كان د. حمدي قد أثنى في لقاء سابق له بصحيفة التيار في عدد الإثنين الحادي والعشرين من يوليو 2017، على نجاح الحكومة في الحصول على القروض لتسيير أشغالها، من خلال رهن ممتلكات القطاع العام للمصارف الاسلامية الخاصة والمخصخصة، كعملية أحدثت جدلا واسعا، حتى أنزعج لها الوالي الجديد بالخرطوم فقال حديثا أصبح مضربا للأمثال.. أثني وأعتبر ان ذلك يعد بمثابة خطوة فائقة الذكاء، تحسب لصالح الحكومة.. دون ان يتساءل عن ماهية المنفعة من وراء القروض المسحوبة وشروط توظيفها، ولا عن مبلغ الحوجة لها.. بل لم يتساءل حتى عن التكييف القانوني لتعدّي بتلك الجرأة غير المسبوقة علي ممتلكات وأصول تخص جموع الشعوب السودانية، مثلت تراكم مكتسباتها خلال مائة عام كاملة.
.
بل أبعد من ذلك كله، كيف يستقيم أن تعتمد حكومة، أيا كانت، في تمويل تسييرها وميزانياتها، التي يفترض ان يقتصر تمويلها علي الإيرادات العامة والذاتية والقروض الميسرة، أن تعتمد بدلا عن ذلك، على قروض، قصيرة مدى وعالية الكلفة، من مصارف محلية وعلي حساب ودائع ومدخرات الجمهور، المدخرات التي يفترض انها تسخر كأسقف إئتمانية لدعم الحقول وتدوير ماكينات الانتاج. فحينما تحول مصاريف تسيير الحكومة، دون حصول العملية الانتاجية علي التمويل الكافي من خلال توظيف مدخرات الجمهور.. ستنضب الحقول، وتجف من الفقر مآقي الفلاحين.
.
الا يعلم الدكتور، وإني لأحسبه من أكثرالناس علما، ألا يعلم اثر ذلك علي الأسقف الإئتمانية المتاحة لتمويل الانتاج الكلي، وبالتالي أثره في تعثر إكتمال شروط تحقيق النهضة الإقتصادية ؟.. الا يعلم اثر ذلك علي التضخم وتضاؤل الثروات وتراجع الفوائض الإقتصادية. وعلي الميزان التجاري، وعلي تدهور القيمة التبادلية للعملة الوطنية، وهو الذي أتي ليتنبأ لنا في صحف اليوم بامكانية أن يتدهور سعر الصرف أكثر من ذلك، ليبلغ الخمسين جنيها، ذلك اذا ما قدر للسياسات الحالية، والقول له، أن تستمر على ما هي عليه.. ومن سيوقفها السياسات الحالية على خطلها، بل ومن يوقف السياسيين أو ينير لهم بصائرهم، إذا ما كان الدكتور، بكل علمه وخبرته، لا يجد مندوحة في أن يهلل لهم، وأن يمدحهم ويجزل لهم الثناء، ويرى فيما فعلوا ذكاء وحنكة لا تقارعان.
.
ليس ذلك فحسب بل ان الدكتور لم يحفل برحيل الثروات الذي لا بد أن يعقب ذلك الذكاء والحنكة ويعقب إخفاق الحكومة الحتمي في مقابلة إلتزامات تلك القروض الجائرة، كما أعلن ذلك وزير المالية الأسبق صراحة، الذكاء والحنكة اللتان جعل يتباهي بهما، ما نفعهما حينما تذهب مرافق الدولة العامة من ايدي القطاع العام لأيدي شرائح طبقة الأثرياء الجدد بموجب قانون الأموال المرهونة للمصارف الذي تمت صياغته في عهد الحكومة الحالية.. في نفس الوقت الذي تكون قد ذهبت فيه القروض المسحوبة مقابلها، إن لم تكن كلها فغالبها، لمنفعة نفس الشرائح في شكل مخصصات حكومية ودستورية، وتسييل لمشاريع متواضعة مرتجلة، لا تضيف لفعالية القطاعات المنتجة بالبلاد، فالدولة مسؤولوها، موظفوها ومقاولوها لم يعودوا من سواد الناس وعامتهم.
.
رغم كل ما تقدم لا خلاف في أن الدكتور عبد الرحيم رجل عالم وجرئ وهو مشهود له بذلك.. بحسبانه عرابا ورائدا لمدرسة التحرير الإقتصادي في السودان رغم ما صحب تلك المغامرة من مآلات وتشوهات إجتماعية، كان الأولي به التحوط لإحتوائها ورسم الخطط لإحتوائها، قبل الشروع في عملية التحرير وخصخصة المرافق العامة.. لكن بالرغم من ذلك فالتحرير والخصخصة مدارس إقتصادية لا يستهان بها ولا غبار عليها إذا ما تمت بصورة روعيت فيها المصلحة العامة ومكاسب الشعوب ورفاهيتها.
.
جادلني بعض الأصدقاء في منازلتي لرأي الدكتورمن خلال سرد ميزاته من العلم والجهر بالرأي وهي ميزات أقر بها ولا أنكرها في حق الدكتور، لكني قلت لهم كما يقول المثل العربي أن لكل حصان كبوة.. فالجرأة أحيانا أمرٌ قد لا تحمد عقباه لدى الرجل العالم الحكيم.. فلا يمكن لرجل يعد عالما في الإقتصاد والسياسات المالية، أن يساند تمويل العجز الحكومي من خلال القروض التجارية القصيرة المدي من المصارف المحلية، لما لذلك من كلفة باهظة، ولما له من أثر مباشر في تعرية مدخرات الجمهور (The Public Savings) ولما له من الضغط علي موارد تمويل العمليات الإنتاجية حينما تدخل الحكومة كمنافس بوزن ثقيل في تخصيص الأسقف الإئتمانية، الشحيحة أصلا.
.
هذا كله لا يعدل الجرأة في التضحية بأصول هذا الشعب والتي ظلت في تنامي مستمر طيلة العهود الإقتصادية وطيلة الظروف التي مر بها إقتصاد البلاد أيام فقرها وشدتها، ناهيك عن أن الإنقاذ هي من أكثر العهود حظا فيما يتعلق بما تحصلت عليه من الوفورات من الثروات النفطية والمعدنية التي تم إستغلالها خلال عهدها. فلا يمكن بأي حال الدفع بالمعطيات الظرفية للدفاع عن سياسات مالية معلولة بإعتبار أن الظروف التي كانت سائدة وقتذاك، هي التي أجبرت الحكومة علي التصرف في أصول الشعب. ليست الظروف لكنه الطمع والرغبة في الإثراء.
.
أما فيما يتعلق بسلوكنا الإجتماعي فيما يلي ظاهرة الإنفاق علي المباني والمنازل الأنيقة والإمتدادات العمرانية، التي لا تتسق وتنامي البلاد الإقتصادي فيما أثاره المتداخلون، فإن ذلك بدوره لا يعدو كونه نتاج مباشر لظاهرة معلولة تتمثل في أن الفوائض الإقتصادية والأسقف الإئتمانية، قد هجرت الأرياف، هجرت محافظ المنتجين وبيوتهم وحقولهم، لتتركز في أيدي ذوي الياقات البيضاء من الدستوريين والمحظيين من ممتهني السياسة، سواء كان علي صعيد الحكومة أو في بيوتات المعارضة المهادن والمتمرد. نتيجة لذلك فإن هؤلاء المتأخرين بحكم طبيعة عملهم لا يملكون من الخيارات والأفق الإستثمارية ما يؤمن لهم مستقبل حياتهم التي تنبني ليس علي الحقل ولا علي الماكينة، إنما علي مصير المتغير السياسي قصير المدى، فلا سبيل لهم ولا دراية لهم غير تأمين مستقبلهم المادي، في واقع غير مستقر، من خلال إهدار تلك الفوائض الضخمة في المنازل والإمتدادات السكنية المرفهة أو حتي في مغامرات طفيلية سريعة العائد، لا تضيف كثيرا لتراكم الكم الإقتصادي الوطني إن لم تكن خصما عليه، ذلك في وقت تتراجع فيه الفوائض الإنتاجية لدي الفلاحين والمصنعين، وتتآكل.
.
فالمسألة برمتها لا تخرج من كونها ذات صلة بالسياسة الإقتصادية المعلولة بل ترتبط إرتباطا وثيقا بها. إنها نتيجة حتمية حينما تُسخِّر دولةٌ كل مدخرات الجمهور أصوله وفوائضه الإقتصادية في سبيل الإنفاق الحكومي على علاته.
هذا بالإضافة لأن العلمية الإنتاجية سواء أكان علي الصعيد الزراعي أو الصناعي، نتيبجة لما تقدم وغيره من السياسات غير الداعمة للإنتاج، قد فقدت بريقها مقابل الأنشطة الإقتصادية غير البناءة أو الطفيليه كذلك، مما دفع بالكثير من الفوائض الإقتصادية المحايدة للجوء للإستثمار العقاري أو تجارة العملة كأنشطة بدت بصفة نسبية أكثر بريقا مقارنة بالعملية الإنتاجية التي تم إفقارها من الموارد والسياسات الداعمة لها.
.
هؤلاء الناس لا تنقصهم الدراية والحنكة اللازمتان، لكنهم لا يملكون لنا حلا. وان معاناتهم ليست معاناتنا..و همومهم ليست همومنا، وبالتالي فوصفاتهم العلاجية سوف لن تزيل أوجاعنا.
إنتهى

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.