الزائر لليابان لا يستطيع ان يقاوم الرغبة الجامحة لابداء اعجابه بهذا البلد...بانسانه المبتكر ونظامه الدقيق وطبيعته الخلابة. أول شى لافت لنظر الزائر هو ان الشخص اليابانى يحاول دائما ان يقدم افضل ما فى وسعه. فمثلا كلمة شكرا عند اليابانى لا تكفى بل يزيد عليها بانحناءة حتى تكتمل واذا طلبت مساعدة فسيجتهد الواحد منهم فى مساعدتك رغم مشكلة اللغة احيانا. وربما ترك كل شىء حتى يتأكد بان مسالتك قد حلت. وقد حدث لى شخصيا هذا اكثر من مرة خلال زياراتتى لهذا البلد الذي اقل ما يوصف به انه معجزة. فمثلا كنت أبحث عن السفارة السودانية فى طوكيو وسألت شخصا كان يتمشى مع زوجته. ولم يتردد الرجل بان اخرج تلفونه واتصل بجهة ما واخبر زوجته فى الاستمرار ريثما ينتهى من مساعدتى ورافقنى حتى رايت العلم السودانى من بعد وشكرته موحيا له باننى قد وصلت ولكنه اصر وواصل معى المسير حتي وقفت امام باب السفارة وشكرته للمرة الثانية ولكنه رفض الانصراف حتى ضفطت على الجرس وفتح لى الموظف الباب حيث ودعنى الرجل وانا ما بين مصدق ومكذب.

فرغم انهم من اكثر شعوب الدنيا مشغولية فلا زال فى عرفهم مكان لمساعدة الناس. هذا بالطبع ينعكس على كل مرافق الحياة فى هذا البلد . فالكل يعمل بجد وتفانى كمملكة النحل وإحساس اليابانى بالمسؤولية يميزه عن كثير من شعوب العالم. اذكر ذات مرة ذهبت مع صديق يعيش هناك لمصلحة الضرائب ولدهشتى أخذ الموظف الفايل وذهب مسرعا فى حركة اقرب الى الهرولة منها للمشى وعندما سألت صديقى عما فعله الموظف ذكر لى بان اليابانى يحرص ان يكون سلوكه جادا ولا يعرف الترنح او البطء فى مشيه بالاضافة الى ذلك فمكتب المدير يظل مفتوحا دائما سواء لمراقبة الموظفين او تقبل شكاوى الجمهور. اليابانيون يصرون على خدمة انفسهم بانفسهم؛ فمثلا لا توجد خادمة او مربية اطفال فى البيت حيث تخدم اليابانية طفلها بنفسها لتتاكد من ان طفلها قد تشرب من نفس الثقافة والارث الذى تحرص هى على تمريره للاجيال القادمة. الامانة و نكران الذات تعد من الخصال التى تميز هذا الشعب عما غيره فمثلا الموظف الذى ياتى مبكرا يحرص على ان يوقف سيارته فى الموقف البعيد حتى يتسنى للذين ياتوا بعده وجود موقف اقرب لسياراتهم. واما مسالة المواعيد فهى تعد اقرب الى العار اذا تاخر احدهم ولذا يحرص الفرد ان ياتى قبل 10 دقائق من المواعيد ويساعدهم فى ذلك نظام مواصلات يعتبر الادق فى العالم. وقد لفت نظرى ذات مرة مجموعة اكياس مليئة بالبرتقال موضوعة بشكل مرتب خارج احد البيوت فى مدينة اسيهارا وبجانبها علبة فيها بعض النقود ولا احد يراقب واذا اردت شراء برتقال فما عليك الا ان تاخذ الكيس وتضع مبلغ 300 ين فى العلبة ولا اثر لصاحب البرتقال-يعنى انت وضميرك-وقد شاهدت ذلك يحدث امامى اكثر من مرة وسالت نفسى ماذا لو احتال احد الزبائن ولم يدفع او اخذ البرتقال والفلوس الموجودة فى العلبة وقد أكد لى احدهم بان هذا لن يحدث من يابانى. فى احدى المرات نزلت من البص واتجهت نحو موقف التاكسى وما ان رانى احدهم الا وهرول نحوى واخذ منى الشنطة الكبيرة ووضعها فى العربة وحيانى للمرة الثانية مع انحناءة واوما لى فى الدخول ولدهشتى عرفت انه ليس صاحب التاكسى الذى سيقلنى لوجهتى بل هو احد اصحاب العربات الاخري التى تنتظر زبون بعدى، يا له من سلوك انسانى قل ما يوجد. سايق البص فى تلك المدينة يشكر الركاب فردا فردا عند خروجهم من الباب بعد ان يمرر الراكب الكرت او التذكرة على الاسكانر حقا انه بلد العجائب حيث التكنولوجيا والعلم جنبا الى جنب مع الاخلاق العالية والسلوك الانسانى المتفرد .غير ان تلمس اليابانى للكمال له سلبياته أيضا، حيث يدفع الفرد ثمنا غاليا يتمثل فى العمل لساعات طويلة وبالتالى يعانى الفرد من الارهاق كما ان العامل او الموظف اليابانى لا ياخذ كل ايام الاجازة المسموح بها حتى لا يرهق زملاءه فى العمل بالواجب الذى كان يؤديه وهذا بالطبع يؤدى الى مزيد من التعب وتعتبر نسبة الانتحار عالية فى اليابان نتيجة للضغط النفسى والجدية فى بلوغ الكمال الذى سيظل عصيا عليهم لان الكمال صفة الهية. وضغوط الحياة والمنافسة العالية هى سمة للمجتمع اليابانى وهو ما يفسر تراجعه فى قائمة الدول الاكثر سعادة فى العام المنصرم حيث كان ترتيبها الواحد وخمسين
وبالرغم من السلبيات التى ذكرتها لا ابالغ اذا قلت ان البشرية ستتعلم الكثير من هذا الشعب المعلم سواء كان ذلك فى مجال العلم أو فى السلوك الانسانى الرفيع.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.