عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.



تقديم
الدكتور / عبد الله جلاب
لا أذكر الآن متى كان أول لقاء لنا عمر الحويج وشخصي. وقد لا يهم ذلك كثيراً لا الآن ولا زمان.
إذ أن المهم هو أن كل من عرف أو يعرف عمر الحويج لا شك قد وجد فيه ما وجدته فيه. ذلك الخلق الرفيع والعقل الراجح الذين جعلا منه تلك الشخصية التي تمتلك ناصية التوازن في أحلك الظروف. إذ كأنه خارج الحدث ينظر إليه من موقع يتميز بمودة خالصة وقرب لا يشاركه فيه أحد. لذلك فهو أميل للصمت في كل أحواله دائم التأمل يقطع ذلك الصمت بضحكة لا تملك إلا أن تنتبه له وينهي قوله بضحكة أخرى هي إشارة الدخول إلى عالم عمر الخاص. إذ أن بين قوسي ضحكات عمر تلك ما يجدر الوقوف عنده وأنت تدخل ذلك العالم الخاص حيث تتفاعل كيمياء ذلك الخلق الرفيع بالمودة الصادقة والوضوح الذي لا يزعجك البتة عندما تختلف معه. فالإختلاف هنا يشكل ذلك المدخل الرحب للحوار الذي هو في نهاية الأمر هو الكسب كل الكسب في بسط وإستخلاص المعاني المشتركة التي يسمو بها الحوار. قبس من ذلك العالم الخاص تجده أيضاً في تلك القصة الشاعرة التي ظل يكتبها عمر الحويج. لذلك لم ولن يتوقف عمر من كتابة القصة فهي التعبير العفوي عن ذلك العالم الخاص في بعده المتميز من الأحداث وقربه الودود منها في ذات الوقت. من ثم لا يملك عمر أن ينفك من الإطار الشعري في عمله فالقصة عنده محصورة بين قوسي الضحكة المتميزة تلك. فهي بذلك تظل ولا تنفك إلا أن تكون ذلك التعبير النزق عن تلك اللحظة الهادئة الشاعرة.
يخيل لي أن أول لقاء لنا كان يوم "سماية" أبادماك في الأول من يناير 1969 في دار إتحاد طلاب جامعة القاهرة فرع الخرطوم. ولعل للمناسبة أهميتها وإن كان التنظيم قد ولد قبل ذلك بوقت لم يكن بالطويل. لقد كان عمر أحد المنظمين لتلك المناسبة و أحد أعضاء اللجنة التنفيذية للتنظيم من بعد. ولعل أهم ما ميز تلك المناسبة تلك هو أنه قد تداعى لها نفر كريم من أهل الآداب والفنون من كل الأعمار والتوجهات والتجارب ضم في ما ضم من إخوتنا الكبار على سبيل المثال لا الحصر كل من عبدالله حامد الأمين وأحمد عبدالحليم ومحمد المهدي مجذوب وإبراهيم الصلحي وأحمد إبراهيم رباح وخديجة صفوت وعبدالله شابو وعبدالله عبيد وجمعة جابر ومحمد المكي إبراهيم وطه أمير وخالد المبارك وفضل الله محمد ويوسف خليل وحدربي أحمد سعد وعثمان خالد وموسى الخليفة. إلتقى أولئك مع الأباء المؤسسين للتنظيم وعلى رأسهم عبدالله علي إبراهيم. كما إلتقوا جميعاً أوأكثر منهم مع جمعيات آخرى من شباب الكتاب والأدباء والفنانين الذين ما زالوا في الجامعات أو المعاهد العليا وغيرهم ممن كانوا يتلمسون بدايات تلك الطرق. كان في ذلك الإجتماع ثلاثة أمور هامة أوجزها في التالي:
أولاً: لقد جسد ذلك الإجتماع تلك الروح الودودة التي ألفناها من كبارنا من أهل الشعر والأدب والفن ونحن صغار نحبو في تلك المجالات عندما فتحوا لنا أبواب منازلهم ومجالسهم وقلوبهم والصفحات الأدبية في المجلات
والصحف التي كانوا يصدرونها وإصطحبونا إلى الندوات والليالي الشعرية. إضافة إلى ذلك فقد كسر ذلك الإجتماع حواجز التشرزمات الصغرى في مجالات الآداب والفنون لينفتح المجال واسعاً والأفق متسعاٌ لتيار قوي للادباء والفنانين يجمع في إطاره العام أهل الإبداع في تنوع مشاربهم الأدبية والثقافية وتوجهاتهم السياسية وأعمارهم دون إهمال للشخصية الإعتبارية لكل فصيل أدبي أو فني. فهنالك نادي للشعر وآخر للقصة وثالث للمسرح ورابع للفنون التشكيلية وهكذا.
ثانياً: كان ذلك الإجتماع هو الموعد مع التاريخ الحي القريب (روح وآفاق أكتوبر) وبداية ما يمكن أن نسميه القوة الفاعلة للتاريخ البعيد (أبادماك) ومع ما ظل متواتراً في مجال الحواروالهم المشترك والبحث الدوؤب. ومثل كل إحتفال كان حفل "سماية" أبادماك جامعاً لحد كبير ضم في قلبه ما تعارف عليه بعد ذلك بتجمع أبادماك أو تلك الصفات التي ميزت ذلك التجمع والتي كانت واحدة من الدعامات التي إئتلف حولها العدد الأكبر من المجتمعين وقتها وذهب بها التجمع مذهباً متقدماً من بعد. على رأس ذلك قضايا المفاهيم المعيارية الأساسية مثل قضايا الحريات العامة والعدالة والمساواة وعلاقة أهل الفكر والثقافة والأدب والفن بكل ذلك وتداخل مثل تلك القضايا بالشروط الأساسية للخطاب المعرفي. لقد كانت أكتوبر في تجلياتها الكبرى وروحها هي بداية التعبيرعن كل ذلك. وقد كان العدد الأكبر من رواد ذلك الحفل من بعض الذين سعوا بالتعبير الأولي لتلك المفاهيم عندما وقعوا على البيان المدافع عن محمود محمد طه إثرالحكم عليه بالردة في أواخر العام 1968. لم يكن الدافع لذلك الفعل من باب التشيع لمحمود أو لحزبه بقدر ما كان شكلاً من أشكال ذلك التضامن مع تلك الروح وأحد شروطها في إطار الحريات العامة. هذا وقد تكرر مثل ذلك الامر في البيان الخاص بحفل الفنون الشعبية بجامعة الخرطوم حيث ضاقت سعة الحوار ليتخذ البعض الرد على الآخر طريق العنف ومن ثم الإنحطاط بالحوارإلى مستوى السيخ. هذا ومن جهة أخرى فقد تواصلت تلك الوشيجة بين تلك الروح القائمة على إحترام الحريات في مسلك التنظيم الرافض للإنقلاب ولتأميم الصحافة وحبس ونفي المخالفين بالرأي لنظام مايو. غير أن هنالك إنتكاسات عى تلك الروح وذلك المنهج. فقد كانت تلك الروح وذلك المنهج يسمحان بأن يشمل رفض حبس ونفي المخالفين بوجه عام وبصورة مطلقة. لا أن يكون أمراٌ إنتقائياٌ. وكان لرفض العنف أن يكون شاملاً ومن حيث أتى. لقد كانت مايو في كل مراحلها شكلاً متطوراً من أشكال العنف الذي سخر كل أدوات جهاز الدولة لقمع الحريات وتعطيل الحوار ومن ثم الخطاب المعرفي. كما كانت إمتحاناً قاسياً للقوى السياسية والنخب في قناعتها وإستثمار رصيدها السياسي والتنظيمي من أجل صد العدوان على الحريات.
ثالثاً: في كل ذلك يمكن أن تجد ذلك العالم العام لعمر الحويج هي تداخله مع عوالم من شاركوه تلك التجربة والمرحلة من أجل المساهمة في بناء ونماء صرح ثقافي له خصوصيته في إطار مجتمع مدني تنمو في الخيال والروئ آفاقه وهي بين كسوف وخسوف وسط أعاصير تهب من أركان الكون الأربعة من أجل إقتلاع ذلك الصرح. عمر ومن معه من أولئك الذين كانوا في مجال كتابة القصة القصيرة والرواية وممن ضمت تلك الإحتفالية والعديد من غيرهم
بنوا بجهد وإبتكار نادي القصة القصيرة في تجمع أبادماك. لأول مرة يتحول الإستماع للقصة القصيرة إلى جهد وحلقات يجتمع حولهما ويتداعى لهما محبوا مثل ذلك الضرب الأدبي. كادت الليلة القصصيصة أن تنافس الليلة الشعرية.
هذا من جهة ومن جهة أخرى ومن خصوصية عوالم كل منا وفي ظل عمومية ذلك العالم العام الذي ضم كل منا بشكل أو آخر كان لنا "كميون" متحرك عشنا فيه شظف العيش وقلة الموارد في صبر متصالح مع المثل العليا لآفاق وتجليات ما يمكن أى تعطيه المدينة وآفاقها ومواردها الثقافية. فقد كان هنالك تسابق لما يرد في كشك حامد المطري من مجلات ومكتبة آمون وسودان بكشوب ومكتبة أبوالريش غيرها من المكتبات التي "كللت تيجانها بالحلي." وكان هناك حضور مشارك للندوات والمحاضرات والليالي الشعرية وحلقات النقاش. وفي الوقت الذي آثر فيه البعض الهرب أو هجرة روحية من تلك المدينة إلى قرية لا توجد إلا في الخيال وجدنا في أنفسنا وحركتنا تفاعلاً وأنفعالا واقعياً مع القرية في حقائقها الإجتماعية والثقافية والسياسية. وقد يطول الحديث حول قافلة أبادماك في قرى ومدن الجزيرة ودانيمكية التبادل للمعارف وأشكال الحوار. لعل ما ميز تجربة بورتبيل هو أنها كانت النموذج لذلك النهج حيث أتت مجموعتنا المشاركة بعدد من المسرحيات على رأسها مسرحية ولي شوينكا أهل المستنقع ومسرحية الفتريتة لطلحة الشفيع وأتى أهل القرية بمسرحياتهم وإشتركنا معاُ في بناء مسرح القرية وخصصنا ما أتى من دخل العروض لدعم مدرسة القرية.
لقد كان في قيام تجمع أبادماك أسوة حسنة للعديد من الأدباء والفنانين في مناطق متعددة من أصقاع القطر ليقيموا تجمعات مشابهة على سبيل المثال لا الحصر طلائع الهدهد حين إلتف العديد من الطلاب ذوي المواهب المتعددة العالية من أمثال النور حمد وبشرى الفاضل و هاشم محمد صالح حول بعض من أساتذتهم من أهل المواهب والمعارف المتخصصة أمثال عبدالعظيم خلف الله و عبدالعال وعبدالله بولا لتشتعل منطقة الجزيرة بنشاط وحيوية لم تشهد لها مثيلا من قبل. ذلك نموذج قد تكرر في مروي الثانوية حين إلتف نفر مشابه من الطلاب حول علي الوراق وآخر حول محمد المهدي بشرى في خور طقت الثانوية ونفر آخر إلتف حول عيسى الحلو في بخت الرضا. لقد في كل ذلك الحافز والدافع لتجمعات أخرى في مدني و سنار وبورسودان لجماعات من شباب الأدباء في تلك الحواضر ظل يتدفق نبعاُ رائقاٌ من جميل الشعر والقصة والنقد. من وهج ذلك جاء كذلك نبيل غالي ومجذوب العيدروس وغيرهم وتفتحت مواهب جديدة. ومن فيض تلك الروح الكبيرة جاءت من الجنوب فرقة الرجاف بقيادة إسماعيل واني لتعطي تلك الظاهرة أعظم وأفخم ما فيها وهو بعدها القومي. لقد كان أبادماك الخرطوم هو راس جبل الجليد الثقافي الذي كانت مدنه وقراه تنبعث من أجل أن تجد لنفسها مكاناٌ في ساحات ما أن تتسع بجهد المجتهدين العام إلا لتضيق بالقمع الخاص الذي شمل كل ساحات الفضاء السوداني. وبذلك كانت أبادماك هي أحد وجوه ونماذج المعادل المناقض لمايو. إذ كان بين تيارات ذلك مثل ذلك القبض والبسط تقع واحدة من أهم مفاصل
الإختلاف مع أصل تلك النظم آيديولجية ومسلكها بشكل عام وبشكل خاص والتي ظل يتمدد فيها العنف بأشكاله المتعددة لخنق منابرالحوار.
لقد كان في الحوار الخارجي لأبادماك ما يمكن أن يرى فيه المتأمل إمتداداُ لذلك الحوار الداخلي. ولعل أول من تلقف ذلك بحماس وحيوية هو العزيز غسان كنفاني الذي خصص ملفاٌ كاملاً من صحيفة الأنوار البيروتية الشعر والنثر متوجاً بالبيان الأول لأبادماك والذي كان هو البداية لذلك الحوار. ومن ثم تلاحق الأمر ليشمل مجلتي الآداب و الطريق اللبنانيتين ومن ثم مجلة الطليعة المصرية لينتقل إلى منابر إتحاد الأدباء العرب ومن بعد إتحاد الأدباء العالمي.
رغماً عن ذلك فقد كان لنا في ذلك الكميون وهوالمتمرد بأدب جم على كثير من وجوه الإتجاه العام السياسي والثقافي والإجتماعي متاعبنا العامة والخاصة. فقد كان ذلك التصالح والتمرد في حقيقته ينصب في إطار أن في الإمكان أفضل مما يجري ومما كان. لقد رأى محمد أحمد محجوب عالمه تتخطفه ما أسماه بالرجعية وراى في ذلك موت دنيا. لم نر في تعقيد ذلك الموقف دنيا تموت. وإنما كنا نرى في آفاق ذلك حياة دنيا في معانيها وتجلياتها الكبرى تتفاعل وتتعدد الطرق نحو السودان الجديد. ولكننا وجدنا أنفسنا معوقين بمشاكل السودان القديم التي يظل الإنقلاب العسكري والحكم الشمولي أحد اعمدته. لذلك وجد العدد الأكبر منا نفسه في سجن و زانازين كوبر البائسة. هناك أيضاً لم يكن الإنعدام الكامل لأدوات الكتابة عائقاً كبيراً فقد كنا عمر وشخصي نتبادل دلق الماء على الرمل وما يمكن أن يتواجد في ساحة المكان من عود ثقاب أو أي عود لكتابة قصة شاعرة أو قصيدة لنصبح لنجد أن ذلك الرمل المتماسك قد تفكك وأن الرياح قد ذهبت بما تبقى من كلمات لتصبح أشبه بما قال لبيد دمن تجد متونها أقلامها.
في ساحات كوبر كان هناك الشعر والمسرح والحوار الذي ينبسط حيناً ويتوتر أحياناً.
لم يكن السجن نهاية وإنما كانت الحياة هي تلك الرحلة التي قد تجد فيها الجماعة أحياناً وتجد نفسك مرات تخاطب تلك المطي التي قد يجد أو لا يجد مسراها ما بين تبديل يمناها ويسرها. ماذا تقول لها؟
أقول:
من كل ذلك ها قد جاءكم عمر الحويج يحمل في كفه القمر :فلنحفتل جميعاً بذلك.