مازال الشعب السوداني يدفع ثمن وفاتورة إتفاقية نيفاشا الكينية والتي أُنجزت على نغمات العزف المنفرد للحزب الحاكم والذي أعطى نفسه تفويضاً كاملاً وأناب نفسه عن الشعب بدون تفويض كامل ومباشر من عامة الشعب وبدون مشاركة من الأطياف والمكونات والأحزاب السياسية الأُخرى فكان أن قرر وإتفق مع حركة جنوبية متمردة وهي ذاتها لا تمثل كل شعب الجنوب السوداني و وصل معها لإتفاقات وتفاهمات مموجة ومبتورة وكان ما ميزها هو إعطاء الجنوب حق تقرير المصير والإستفتاء والتصويت للإنفصال وكانت النتيجة إنفصال كامل الدسم بخيار غالبية أهل الجنوب؟؟؟

بينما تركت إتفاقية نيفاشا كثير من القضايا والأمور معلقة وغير محسومة و غير مفصلة بدقة ولم ينتبه أحد ولم يضع في الحسبان أياً من المفاوضين الأفذاذ خطورة مآلات عدم الحسم لكثير من الأمور والقضايا والتي هي في جلها مرتبطة بخيار الإنفصال ولأن الكل عاش في خيال و وهم الوحدة الزائف وإفترضوا وقدروا لأنفسهم العبقرية والنبوغ والتي يمكن أن تتحكم في الخيار الوحدوي وتحدوا الجميع بذلك وعندما كنا نكتب ونوضح إمكانية إنفصال الجنوب بمعطيات نعرفها وندركها ونوضحها لهم , كانوا يروننا وينظرون إلينا كأقلام نشاذ ومخالفة و عقول لا تقرأ الواقع جيداً وكانوا يُطمئنوا أنفسهم ويبعثوا بالأمل لعامة الشعب في أنهم سيحققون وحدة كل الأراضي السودانية وأن الجنوب لن ينفصل .......

لم يكن مفاجئاً أن ينفصل الجنوب ولكن كانت المفاجأة الكبرى في عدم التحسب و التوقع لدى النخب الشمالية الحاكمة في إمكانية حدوث الإنفصال ولم يكن ذلك مرسوماً في الأذهان وفي الخاطر والبال و كان من الغريب التعجل في الوصول لأي إتفاق وبأي طريقة و لذا شهدنا عجز في المنهجية المتبعة بشأن حسم القضايا المصيرية لدى مفاوضي ومفكري ومخططي حزب المؤتمر الوطني والذين غابت عنهم فطنة الإنتباهة لكل ما يمكن أن يشكل قنابل موقوتة ومتفجرات تحت الأقدام تنطلق من الأمور المعلقة والتي تركوها بدون وعي أو قد يكون بإهمال أو بإستعجال الوصول لمحطة الإتفاق النهائي والذي لم يصبح نهائي حتى الآن!! وكان جل الهم أن يحققوا إنجازاً تاريخياً يشهده العالم لهم ويسجل كرصيد تاريخي لهم في مسيرتهم القاصدة لله وأن تستقبلهم أُسرهم في مطار الخرطوم كأبطال عائدون لأرض الوطن بعد طول غياب ومفارقة للديار ومعهم إنجاز غير مسبوق وغير محقق بمن سبقهم في إدارة شأن السودان وعادوا هم أبطال للسلام وحملة لرايات الود والوئام!!!

فكان أن تم الإتفاق والتوقيع وأمهر الأستاذ علي عثمان نائب الرئيس السوداني توقيعه و قلمه نيابة عن الشعب في ذلك الإتفاق المشهود في العام 2005م بأرض نيفاشا الكينية وأُعتبر إنجازاً تاريخياً تألفت له القصائد والأغنيات وإستبشر به الكثيرون خيراً إلا من رحم ربي من الذين كانوا يروا في ذلك الإتفاق خطر داهم على البلاد وعلى العباد!!!!

كانت سنوات الفترة الإنتقالية محفوفة بالشكوك والظنون وزرع الإختلاف بين حزبان يديران البلاد ويختلفان في كل شئ ويعارضان بعضهما حتى في وحدة القرار الحكومي واتضحت ملامح النزعة الإنفصالية في الشريك الجنوبي والذي سعى جاهداً لبث  الخلافات وسوق الأسباب والتي تجعل دعوته للتصويت للإنفصال مقبولاً ومنطقياً وكان له ما أراد ونجح في ذلك مع شريك لم ينفك من وهم السرحان المفرط في الخيال الوحدوي ونجحت حركة الجنوب المتمردة في جعل كثير من الأمورة معلقة وغير محسومة وقنابل قابلة للإنفجار تشعلها حينما تريد وخاصة إذا ما قدر لها فصل الجنوب والإنفراد بحكمه ورأينا تعثر الحسم في ملف منطقة أبيي وعدم إكمال ترسيم الحدود والإختلاف حول بعض المناطق ومضت سنوات الإنتقال وليصبح بعدها الجنوب دولة منفصلة مستقلة بذاتها وكيانها وبأمر جنوبي صارخ  وكانت نسبة الموافقة على الإنفصال 99 % !!!!!

وها نحن نعود سجالاً من جديد وكأنما لا نقرأ التاريخ ولا نعتبر وكأنما غمض الجفون والنسيان عادتنا وموهبة نجيد إبرازها والهتافات والتفاؤل المفرط وتعظيم الأعداء بعد الحرب من أدبياتنا, وتتغير اللغة عندنا من القرع بسابق وصف قبيح لمن نفاوضه ونتفق معه الآن إلى لحن في القول وأنغام ويتبدد ما سبق قوله وصار ذلك متبدلاً  في لغة قائلها مع العهد الجديد وصار الوصف لا يشبههم وما كان القول يقصدهم وهكذا تغيرت الكلمات والإشارات .. نعود ونغير عباراتنا وشعاراتنا فيصبح عندنا الخائن وفي وناقض العهد صادق وناكر الجميل أمير وداعم الأعداء ومفجر الحروب صديق ويلين لنا طرف ونفرح بالقليل من الوعود بالمال والتجارة والمنافع ولا نحسم صميم الأشياء وتظل متعلقات الأمور قائمة ولكنه عهدنا دائماً نُفرط في الأمل ونردد حديث وحكمة في غير محلها بقولنا تفاءلوا بالخير تجدوه, مع أن كل الشر يحيط بنا ويطوقنا!!! ونغني للقليل ولا نحسن النهايات ولملمة الأطراف ونجيد جمع الحشود وحسن الإستقبال لكل جديد مما هو يُمهر ويُوقع على الورق وليس على الأرض والواقع؟؟ ونعلي لغة التخوين والتقبيح لكل من يخالفنا رأياً و صوتاً ولكل قلم يبيح النقد ويحسن التصريح ويقول غير ما نريد فاليوم كلنا جنوب وكلنا تعاون مشترك وكلنا سلفا كير وشعبه ومن يخالف القول والتأييد فلنقذفه بالوعيد والتهديد والتشديد وكما كنا من قبل نصنع من قرنق بطل سلام و وحدة والتئام ورجل صانع للتاريخ والأمجاد والأبطال...ما بال قومي لا يحسمون الأشياء ولا يسمون الأشياء بأسمائها الحقيقية...

قضية أبيي لم تُحسم ولم تُحسم قضايا الحدود وهل ما حُسم هو كل شئ ؟؟؟؟؟ إذا تحدثنا عن نفط وبترول فمصلحة الجنوب فيه أكبر وأعظم من مصلحتنا نحن وإذا تحدثنا عن تجارة فمصلحتهم في التجارة مع السودان تفوق مصالح تجارنا وإذا كان الحديث عن إتفاقية أمنية فمصلحتهم في أن يكون الجوار السوداني آمن لهم وخالي من أي وجود وتحرك لمعارضتهم ولأن التمرد ضد حُكمهم أشرس من تمرد السودانيين على حكومتهم وهم دولة جديدة في واقعها و وقائعها ومن مصلحتهم أن يبدأ حُكمهم ويستمر بهدوء وهل ضمن السودان وإطمأن للجنوب في تخليه عن الرفاق عرمان والحلو وعقار؟؟؟ ....

وتبقى القضية مربط الفرس والمفارقة في أمر وإتفاقية الحريات الأربعة والتي هي هدية مجانية تقدمها حكومتنا للجنوب متحدية لرغبة الشعب الحقيقية والتي ترفض تلك الحريات ولأن عواقبها بالمنطق والتجارب غير مأمونة الجوانب و تطبيقها على أرض الواقع تكون بمعايير غير متكافئة الفرص لدى الشعبين في الإستفادة من مثل هذه الحريات والتي لن تكون مجدية لأهل السودان وربما تحفها بعض المخاطر الأمنية والإجتماعية في السودان من التواجد الجنوبي والذي يمكن أن يكون كثيفاً ويشكل عبئاً على أهل الشمال ولو كانت حكومتنا تحترم شعبها لردت الأمر إليه ولما وقعت فيه إتفاقاً و وافقت عليه ولأنها تعرف رأي الشعب في هذه المسألة من خلال ردود الأفعال السابقة والتي رافقت توقيع إتفاق اطاري بشأن ذلك الموضوع ولم يرد بالعلم والتحليل أن المفاوضين الحاليين بأسم أهل السودان أو والي الخرطوم وغيره من ولاة الولايات الأُخرى هم الأقدر والأعلم والأفهم من غيرهم بشأن الأمور التي تخص كل أهل السودان ولكنها تبقى الحقيقة المُرة في أن حكومتنا في كل مرة تقدم المزيد والمزيد من التنازلات وتخزل الإرادة الشعبية ولا نعرف هل هي بتلك المواقف وتوقيعها لإتفاقيات عديدة وكثيرة  تُعبّر عن رأي الشعب ورغبته أم أن الأمر لا يعني لها شيئاً فيما يخص الجماهير والشعب ؟؟؟؟؟

لن نستغرب غداً إذا حُسمت قضايا الحدود وأبيي وفقاً لرغبة الجنوب وبدون أي إجراءات و قد نعود مُرغمين نوافق عليها ونهلل ونكبر ونبصم ويضيع قولنا وموقفنا وأرواحنا ومراهنتنا على أنها أرض سودانية مية المية كما كنا نقول وكذلك تضيع مجاهدات وصبر شعبنا من قبائل المسيرية وغيرهم !! فمن يقبل أن يتنازل عن شئ عزيز يتنازل عن كل شئ ومن ترضيه صغائر الأمور وتسعده ويهلل لها ويحتفل بها ويتزحزح في الأقوال والأفعال يهون عليه كل شئ ولم تعود عندنا الأمور صميمية ومبدئية ولم يعد لدينا غير لغة المصالح ورهانات الحياة الدنيا الخاسرة وأصبح اليقين عند الكثير من أهل الوطن أن الجنوب أصبح عقدة تلازمنا في وحدته من قبل وفي إنفصاله الحالي وبعد أن أصبح دولة مستقلة وجديدة !!!!

نتمنى أن يفرز الواقع القادم بشريات وبشارات تعزز ما تم الإتفاق عليه ونتمنى أن لا يخيب ظن الرئيس البشير هذه المرة في شريكه الجديد سلفا كير رئيس الجنوب وقومه وأن لا يخذله وخاصة بعد أن أحسن الرئيس السوداني وصفه ومدحه وأشاد بصدقه وسعة صدره وحكمته !!! و وقع معه إتفاقاً وبصم عليه أمام الشهود الأفارقة.... ولكن من حقنا أن نخاف من كل عوامل الإنتكاسة والفشل في هذه الإتفاقيات والتي لم تحسم كثير أمور وأهمها وهي أبيي والحدود مع العلم أن كثير من القيادات الجنوبية من أمثال أتيم قرنق وإدوارد لينو مازالت تشكك في النوايا السودانية ومصداقيتها وبإلتزامها وقدرتها على تنفيذ تلك الإتفاقيات ولن تألوا هذه القيادات جهداً في معارضة تلك الإتفاقيات من الجانب الجنوبي وسيظل أبناء أبيي من الطرف الجنوبي هم من يوقدون نيران الإنتكاسة القادمة والمحتملة والتي يجب التحسب لها أو إن جاز وقبلنا أن نسلمهم تلك المنطقة طوعاً بإختيارنا و وفقاً لإرادتهم أو قل إرادة الأسرة الدولية والتي في المنظور القريب لن تكون محايدة أو مناصرة للجانب السوداني وبل ستكون داعماً قوياً للجانب الجنوب السوداني ولن تكتفي بما قدمته حكومتنا من التنازلات والتسهيلات ولسان حالها يقول هل من مزيد!!!!! وتبقى الأيام والسنوات القادمة هي الفيصل والحكم على هذا الإتفاق وعلى حيويته وبقائه !!!!
tayseer marawe [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]