حزب المؤتمر الوطني أو الحزب الحاكم الراهن للبلاد أو بالأصح لما تبقى من السودان بعد إنفصال الجنوب الرسمي بعد الإستفتاء بشأن تقرير مصير الجنوب والذي أفضى لنتيجة كاسحة وكبيرة مؤيدة لخيار الإنفصال وتكوين دولة جديدة مستقلة عن شمال السودان والتي سيتم الإعلان عنها رسمياً في التاسع من يوليو 2011م .
وحزب المؤتمر الوطني هو الحزب الذي قاد عملية التفاوض والإتفاق منفرداً  نيابة عن أهل الشمال في العام 2005م  في دولة كينيا مع الحركة الشعبية والتي هي أيضاً فوضت نفسها تمثيلاً عن أهل الجنوب ووقعا إتفاقية عرفت بإتفاقية السلام الشامل أو إتفاقية نيفاشا وتحت الإشراف والوساطة الدولية ممثلة في الولايات المتحدة الأمريكية ودول أصدقاء الإيقاد وهذه الإتفاقية والتي لم تعطي وبالواقع المعاش ومجريات الأحداث في السودان السلام المنشود والمطلوب كما بشر بها الطرفين المتفاوضين و هذه الإتفاقية هلل لها وغنى لها البعض وبل تم الترويج لها وكأنها هي المنقذ للحالة السودانية وبل تم إعتبار الرئيسين للوفدين المتفاوضين والموقعين نيابة عن الطرفين أبطال سلام تاريخيين وهما الدكتور جون قرنق والأستاذ علي عثمان محمد طه وبل نادى البعض بمنحهما جائزة نوبل للسلام ظناً في عظمة هذه الإتفاقية وتفردها والمرجو منها في تحقيق السلام وإيقاف سفك الدماء والإقتتال ‼!
تمضي السنوات والفترة الإنتقالية والتي حددت بالسنوات الستة والمحصلة النهائية لهذه الإتفاقية هي إنفصال الجنوب ونذر الحرب بين الشمال والجنوب وإحتقان موضوع منطقة أبيي  وتنامي بذور الفتنة والشك بين الشريكين والحزبين شركاء الأمس في الدولة الواحدة وفرقاء الدولتين المتجاورتين والمنفصلتين القادمتين.
أول النصائح والتي أسديت للمؤتمر الوطني والحكومة في السابق هو عدم الدخول في مفاوضات بشأن الجنوب منفرداً أو متجاوزاً الأحزاب والكيانات الشمالية الأخري وخاصة أن قضية الجنوب هي قضية محورية تهم كل أبناء السودان وبمختلف كياناتهم وإتجاهاتهم السياسية والتنظيمية والإجتماعية ولكن حزب المؤتمر الوطني والحكومة رأت أن تسير في الدرب لوحدها وتوقع إتفاقية مع حركة تمردت عليها وحاربتها لفترة من الزمن وأراد الحزب الحاكم أن يحتفظ بالإنجاز لوحده ويسجل لنفسه شرف تحقيق السلام في البلاد في خلال فترة حكمه وحتى يحفظ لنفسه هذا السبق والذي يضمن له كسب الجماهير والإستمرارية في الحكم وبمنطق أنها هي الحكومة الوحيدة والتي حققت السلام المستدام وحافظت على وحدة تراب الوطن؟؟؟
لو استمعت قيادة الحزب الحاكم لهذه النصيحة وجعلت من موضوع كتقرير المصير قضية يبصم عليها ويشارك فيها الجميع من أهل الشمال وكل الأحزاب الشمالية لكان أفضل ولرضي الجميع عن النتيجة  ولو جعلت أهل الشمال أيضاً يشاركون في التصويت لإنفصال الجنوب من عدمه لكانت النتيجة أكثر تعبيراً وحسماً وعلماً بأن غالبية الأحزاب أيدت حق تقرير المصير لأهل الجنوب منذ مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية في العام 1995م ولكنها الآن تحمل حزب المؤتمر الوطني موضوع وزر إنفصال الجنوب وعلماً بأنه خيار جنوبي خالص عبرت عنه جماهير الجنوب والتي يجب عليها تحمل تبعات هذا الإنفصال ولوحدها ومعها سياسيوها ولكن من يعارض هذه الحكومة يبرز هذا الامر وكأنه من النقائص والمذمات  ولكنه في النهاية يندرج تحت مسمى أنه خيار جزء من مكونات الشعب أراد دولة منفصلة وبنسبة كبيرة وعالية وأعطته إتفاقية الحكومة مع حركة متمردة عليها ذلك الحق .
فيما يخص الإتفاقية والمتعلقة بالمناطق الثلاثة جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق ومنطقة أبيي.. أتت هذه البروتوكولات هزيلة ومنقوصة ومتعجلة وفضفاضة و وطدت لنذر فتنة وخلاف ومنذ البداية ولأنها لم تعطي التفسير الواضح والمفهوم لبعض النصوص والتي جعلت كل من في نفسه شئ ان يفسر كما يريد ونموذج فهم موضوع المشورة الشعبية ليس ببعيد والتي وضعت بغرض رسم وتحديد النظام الإداري الدائم لولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق‼! وكثيرون لا يعرفون الحكمة التي كانت تدور في عقول من وقعوا الإتفاقية وراء ترك مناطق جبال النوبة والأنقسنا وأبيي دون حسم في بنود الإتفاقية الموقعة في نيفاشا وببروتوكولات غير مفصلة ومحسومة.
ولم يستمع حزب المؤتمر الوطني للأصوات المنادية بضعف هذه البروتوكولات وغموضها وإجحافها لحق مواطنين تلك المناطق ولم يصغوا للأصوات القائلة بأن هذه البروتوكولات ستصبح قنابل موقوتة يمكن ان تؤجج صراع مستقبلي والتي أشار لها المتابعون و فتح مراقبون الباب على مصراعيه لتساؤلات غلبت عليها سهام النقد لنصوص الإتفاقية وصولاً إلى إعتبارها وصفة مجانية لحرب جديدة وخاصة أن المفاوضين الجنوبيون كانوا يركزون على الجنوب فقط وفي تفكيرهم الوصول لفصل الجنوب وحديثهم عن هذه المناطق يأتي لحفظ ماء وجههم أمام شركائهم في الحركة الشعبية والمنتمين لتلك المناطق الثلاثة  وكنوع من الفهم الإنتهازي بإظهار الحركة بشكل وحدوي مهتم بكل أجزاء السودان ولكن في أجندتها الخفية كانت حركة قرنق تسعى للوصول للإنفصال وهو عهد قطعه وإلتزم به جون قرنق لأمريكا من قبل وأسر به لكولن باول والإدارة الأمريكية السابقة.
لم يستمع المؤتمر الوطني للرؤية المطروحة بشأن موضوع تقرير المصير والذي أعطى أهل الجنوب حق تقرير المصير ولوحدهم بشأن الوحدة أو الإنفصال عن بقية أجزاء السودان وبل بنى المؤتمر الوطني الآمال العريضة بشأن تحقيق الوحدة وراهن عليه كثيراً والذي نادت الإتفاقية بتعزيزه وتغليبه كخيار أول, وعملت الحركة الشعبية سراً وعلناً لتغليب الخيار الآخر وهو الإنفصال وبينما المؤتمر الوطني يعاتب في كل من يقول لهم أن الجنوبيون سيختارون الإنفصال وأنهم سيسعون لذلك وبل وصف البعض من القيادات بالمؤتمر الوطني أن الحديث عن الإنفصال هو جريمة وحديث غير مقبول وشاذ وخيانة وطنية وحتى إعتقد البعض وأنا منهم أن المؤتمر الوطني يمتلك العصا السحرية والقدرات الخارقة والتي تجعل أهل الجنوب يختارون الوحدة وبرغم أن كل الشواهد كانت تشير لنية الجنوبيون في الإنفصال والسعي لتكوين دولة جنوبية ‼‼!
كذلك موضوع ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب والذي سيكون مسرحاً مفتوحاً للمشاكل بين الشمال والجنوب والذي نادى البعض بحسمه بشكل واضح وهو قنبلة موقوتة ولم يتم بالتراضي بين الطرفين حتى الآن  وقد نادى كثير من المراقبون بحسم هذا الموضوع مبكراً وخاصة أن كل الدلائل تشير إلى إحتمال إنفصال الجنوب ولكن يبدو أن خيال الوحدة والحلم بسرابها هو الذي كان يسيطر على الجميع مما أدى لتأخير عملية حسم ترسيم الحدود والذي هو من أكثر البنود والتي يمكن أن يقود لتنازع وحرب محتملة بالإضافة لموضوع أبيي.
المعروف أن القوى السياسية تواضعت على قبول إيجابيات نيفاشا رغم ضآلتها وذلك بهدف أن تعمل من خلال ذلك المحور وهذه الإتفاقية للوصول لواقع ديمقراطي حقيقي وأرحب وبرز أن أكثر الفئات والتي اعترضت على هذه الإتفاقية وعبرت عن مظالم حقيقية تعيشها هي تلك القوى والتي شاركت في الحرب الأهلية مع الجنوب وقادت الجنوب إلى طاولة المفاوضات بتوصياتها وجهودها ولكنها شعرت بأنها خرجت خالية الوفاض وأكتشفت بأنه تم المساومة بقضاياها ولذا نجد بعض التوترات الأمنية قائمة حتى الآن ومثال لذلك منطقة جبال النوبة ولذا تتفجر الإضطرابات والمظاهرات من وقت ولآخر وذلك بسبب الخلل الوارد في إتفاقية الترتيبات الأمنية في جبال النوبة‼!
كانت العلاقة بين الشريكين في الحكم وطيلة الفترة الإنتقالية هي علاقة غريبة وأساسها الشك والريبة وعدم الثقة وخاصة من جانب الحركة الشعبية والتي تستصحب معها مرارات تجاه سياسيين سودانيين سابقين وهي تحاسب الجيل الحالي من أهل السياسة وشعب الشمال على أخطاء السياسيين الأوائل ولذا عمدت على تغليب ودعم خيار الإنفصال في نفوس الجنوبيون مستغلة وضعها وسيطرتها على زمام الأمور والسلطة في الجنوب .
لقد أرهقت حكومة الشراكة المجتمع السوداني بكثرة العدوات والمكايدات السياسية مع بعضها البعض ومع بعض القوى السياسية المناوئة لها في الشمال والجنوب وكذلك بكثرة الحرب الإعلامية بين الشريكين من وقت لآخر ولكن كان ما يجمعهما هو عندما يحدث  أي أمر يهدد بقائهما في السلطة أو ما يهدد مصالحهما الإقتصادية والتي حينها يقفون في خندق واحد ويتفقون ولو إلى حين وذلك حفاظاً على الحكم والسلطة والإستمرارية في قيادة البلاد بشقيها الشمالي والجنوبي‼!
لم يستمع المؤتمر الوطني للنصيحة وللدعوى والتي قدمها النائب في البرلمان المصري السابق محمد العمدة والتابع لحزب الوفد والذي تقدم بدعوي قضائية للمحكمة الدستورية السودانية والذي أشار فيه إلى عدم دستورية إتفاقية نيفاشا وذلك لأن الإتفاقية أعطت لمواطني الجنوب فقط الحق في الإستفتاء على البقاء في السودان الموحد أو الإنفصال بدولة مستقلة والذي أشار إلى أنه يتعارض مع الإلتزامات الدستورية والتي تقع على عاتق الدولة والمواطنين في الدستور الصادر 1999م  والذي في ظله وضعت الإتفاقية, لأنه يفرض على الجميع الحفاظ على أرض الوطن وموارده الطبيعية كما يفرض عليهم الحفاظ على الوحدة الوطنية وهذا معناه أنه لا يحق للدولة التنازل عن أي جزء من أرض الوطن سواء للسودانيين أو غيرهم .
وأوضح النائب العمدة أن حق تقرير المصير يمنح للشعوب المحتلة أو التي تقع تحت الوصايا ولا يجوز منحه لشعب داخل دولة من الدول , فضلاً عن أن الإتفاقية قصرت التصويت بالإستفتاء على مواطني الجنوب في حين أن الدستور جعل الإستفتاء لتحقيق الصالح العام لجميع المواطنين.
هذه الإتفاقية بشكلها الرئيسي تمحورت داخل السودان الموحد وليس المجزأ ولأن الطرفين يتمثلان داخل السودان كحكومة أو كحركة تحرير وتمت الإتفاقية بين متحاربين لإيقاف الحرب وليكونا شريكين في الحكم وهي تمثل المرحلة الأولى ولكن الأهم في ذلك هي المرحلة الثانية وهي تحقيق السلام والذي لا يكون فقط بين شريكين في الحكم وذلك لأن المؤتمر الوطني لا يمثل كل الشمال وكذلك لا تمثل الحركة الشعبية كل الجنوب والسلام لا يتم بين حزبين فقط ولكن من خلال القوى السياسية الشمالية والجنوبية وتمثيلاً لكل فئات الشعب والمجتمع السوداني ولذا فليس من حقهما  .. أي الشريكين أن يقررا مصير البلاد, أو تجزئة السودان .
كذلك من الأخطاء في هذه الإتفاقية هو بند ونص تقسيم الثروة والسلطة وحيث من الخطأ التاريخي والإستراتيجي تقسيم ثروة وسلطة وحصرها في أجيال بعينها وأحزاب معينة ولم يورد البند والنص بعنوان أو أسم (توزيع الثروة والمشاركة في السلطة) وحيث أن العبارات الأخيرة هي الأصح والأفضل وبرأي كثير من أهل السياسة والعلم . وحيث أن توزيع الثروة بعدالة هو حق للأجيال القادمة وكذلك مشاركتها في السلطة من خلال الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة والحكم والذي هو حكم بين الناس وليس حكماً على الناس ولكن تفصيل هذا البند إقتصر فقط وفقط على حكومة المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان الجنوبية وكأنهما سيحكمان للأبد ؟؟؟.
مما تقدم نرى أن نموذج نيفاشا هو من النماذج والتي مثلت حالة من عدم المشاركة للجميع في أمر الوطن وفي أمور وأحداث مفصلية أستوجبت مشاركة ومساهمة الجميع وليس حزبين أو كيانين ولم يستمع لهذا الإقتراح ويستجيب له حزب المؤتمر الوطني أو حركة قرنق ولم يعملا بنصيحة الغير من الكيانات أو الجماعات أو الأحزاب وكان من نتاج ذلك أن ذهب هذا السودان إلى أن يكون بلدين وشعبين ولكن لا ندري إن كانا سيعيشان في حالة إستقرار وأمان أم حرب ونيران وخاصة أن هذه الإتفاقية وحتى الأن لم تقوم بتنفيذ المطلوب منها وحسم كثير من الملفات والتي مازالت عالقة وشائكة ومعقدة وملغمة وعلى الأبواب قيام دولة الجنوب أو جمهورية جنوب السودان كما يراد لها من تسمية‼!.


tayseer marawe [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]