العالم يموج الأن بظاهرة الإحتجاجات والثورات في وجه الأنظمة الحاكمة وخاصة تلك الإستبدادية والمتسلطة والقاهرة لشعوبها والقامعة لإرادتها و لحرية التعبير عن  رأيها والحاجبة لأفكارها أو تلك الأنظمة التي تزور إرادة شعوبها من خلال إدعاء ممارسات إنتخابية ديمقراطية والتي في ظاهرها الفضيلة وفي باطنها الباطل وتكون في مكنونها مجانبة الحق و هدفها الأساسي هو التمسك بالحكم والسلطة وعبر شتى الوسائل غير الديمقراطية الحقيقية و دون مراعاة لمبدأ الشفافية والنزاهة والتداول المشروع والسلمي للسلطة والحكم .

    فلم يعد بالإمكان الإستمرار في سياسات القمع والترهيب والإذلال والتركيع والتي تمارسها كثير من الأنظمة علي شعوبها ولم تبقى هناك مساحات للتضليل الإعلامي وخداع الجماهير ومساحات الإعلام الهادف والمعبر والذي يعكس واقع الشعوب أصبح يوصل رسالته الإعلامية دون حواجز أو تضليل وعبر فضاء ممتد ومتسع وبتقنيات وآليات متطورة ومن الصعوبة حجبها ومنعها من الوصول للجماهير و تجربة قناة الجزيرة العملاقة ليست ببعيدة والتي أصبحت بعبعاً يخيف الحكام والأنظمة الفاسدة وغير الديمقراطية وكذلك ما عادت تجدي الشعارات الجوفاء وسياسات الخم والكذب المنمق والتي دأبت كثير من الأنظمة علي ممارستها بفضل طغمة أو شريحة ممن هم يسبحون ويطوفون حول نظام الحكم والمستغلين لإنتماءاتهم السياسية والفكرية وسبقهم في نيل الحظ من التعليم العالي أو الإنتماء التنظيمي للشريحة الحاكمة والقابضة على زمام الأمور وما عادت الحرية منحة تنالها الجماهير من لدن كرم حكامها الأفذاذ أو من قبيل سدة الحاكمين وبطانتهم بل أصبحت الحرية هي رئة تتنفس بها الشعوب لتسيير حياتها وهي السلم الذي ترتقيه للوصول لمقاصدها السامية وللوصول لبر الأمان في إيجاد حياة كريمة وصارت من علامات الحياة المهمة ومن أبجديات التعامل مع الواقع الحياتي ولم يعد هناك مجالاً لأنظمة تنتقص من الحريات أو تحرمها علي شعوبها أو تفصلها لهم لباس يرتدونه بمزاج الحاكم أو يتنسمونه عبر ملكوت وهيمنة جماعة أو طغمة أو حزب أو فئة.

    فالحرية الأن أصبحت مسار وفهم عالمي تنظم علاقة الحاكم بالمحكوم دون إفراط أو تفريط يفقد البلدان الإتزان والنظام ويهدم القيم أويفقدها كذلك الأمن والإستقرار ويحدث الفوضى وهي في ذات الوقت هذه الحرية التي تختار ذلك الحاكم لتولي أمر السلطة دون تزوير أو تمويه أو إتباع سبل و وسائل فاسدة وبشكل يرضي عنه الجميع ويبرئه من العيوب أو المنقصات وتكون ممارسة تجلب الفائدة والإستقرار لتلك الشعوب وكذلك تكون تلك الحرية هي الرقيب علي الحاكم والتي ترصد كل ملامح الإنحراف أو الفساد والتي قد يسلكها الحكام مستغلين النفوذ والسلطان وعلي حساب تلك الشعوب وبالتالي عملت كثير من الدول والشعوب المتحضرة علي سن قوانين ودساتير متفق عليها وتم إقرارها وبعد تراضي الجميع عليها والإتفاق حولها وإخراجها بشكل معبر عن إرادتها و واقعها وإيجادها لتنظيم دقيق يحكم العلاقة بين الجمهور ونظام الحكم ويوضح معالم وشكل تلك الدولة ويمثل المرجعية والتي يحتكم لها ويرجع اليها الجميع وإغلاقاً لباب هوي وإرادة الحاكم والسلطان وبالتالي تحفظ للشعب حقه في التعبير والتمثيل والحكم وتسيير حياته وبالتالي هذا الدستور يصون ويحمي الحريات ويوفر الحماية للجميع وبإرادة الجميع يكون هو الرقيب والسلطان الحقيقي ويمثل المرجعية عند الشدائد والمنحرفات والأزمات.

أصبحت الشعوب تتململ من إستمرار الحاكم ولعشرات السنين و دون سقف زمني محدد ومعقول وتمل من تكرار الوجوه  والشخصيات علي سدة الحكم والوزارات والمؤسسات وكذلك أصبحت لا تقبل بشكل الحكم الذي يأتي بليل وبإنقلاب عبر الآليات العسكرية وعبر المصفحات فلم تعود هناك مفاهيم الحاكم المطلق أو القائد الملهم أو الثوري الأوحد أو القائد الرمز والأسطوري وما حدث لصدام العراق ليس ببعيد وكذلك أصبحت هذه الشعوب تكره أن يدير شأنها وأمرها من هو فيه رائحة فساد وعنصرية ومحسوبية وإستغلال للمنصب أو الوظيفة ومن هو يدير أمر الشأن العام وماله ويوظفه لأموره الخاصة ولأهله وبطانته ويبغي من وراء ذلك الإنتفاع غير المشروع وعلي حساب الآخرين من عامة الشعب وكذلك لم تعد الخطب الحماسية تخلب عقول الشعوب وتزكي مشاعرها وتثير حماستها فلقد أصبحت الجماهير تبحث عن الحقيقة والواقعية وسبل الحكم الرشيد وأصبحت تميز ما بين من يصدقها ويخدعها وحتي وإن كانت أحياناً بشعارات منسوبة للسماء!!!
كذلك أصبحت هذه الشعوب لا تقبل بحكم الحزب الواحد أو المطلق أو ذلك الحزب والتنظيم و الذي يستغل السلطة للترويج لحزبه أو للإستمرارية المطلقة في الحكم ولا يفرق بين الشئون الحزبية وشأن الدولة أو يدير شأن الدولة وكأنها شأن خاص أو قطاع خاص أو شركة خاصة لا تقبل التنازع أو المشاركة أو التداول .
الكبت والحرمان والإقصاء السياسي وتزييف الإرادة والتنكيل والقهر والجهل أصبح يلازم شعوب كثيرة في المنطقة العربية والأفريقية وبرغم ذلك إكتسبت هذه الشعوب بعض من الوعي والإرادة وعبر التقنيات الحديثة من فضائيات تلفزيونية و وسائل إعلامية أخري ومن خلال الشبكة العنكبوتية وثورة المعلومات فأصبح تداول الفكرة والرأي متاح ومتيسر ولغة التواصل مع الآخرين أصبحت مشتركة والمعلومة موجودة وبالتالي ساهمت هذه التقنيات في توفير إمكانيات من التداول والتبادل في المفاهيم والفكرة والإرادة وتولدت منها ثورات في أساليب التعليم والتقانة ومحاربة التجهيل والتعتيم والتضليل  وظلامية الأنظمة الحاكمة وأصبح يتولد لدي الشعوب وخاصة الشباب الأفكار السياسية والحياتية وتنامت روح الثورة والحرية في عقول ونفوس كثير من الشباب وتولدت الأفكار الثورية وتم تبادلها ومنها بدأت تنطلق الثورات والتي إنطلقت شرارتها من تونس الخضراء.
إنطلقت ثورة شباب تونس لتطيح بنظام حكمها والممتد لأكثر من عقدين من الزمان و الذي أوصلها لحالة من إزدراء الشعب وقهره وتفشي البطالة والعطالة وفساد البطانة وليرحل بن علي زين العابدين هرباً وبعد أن تجبر وأستكبر علي شعب تونس المغلوب علي أمره وطيلة سنين حكمه هو وسلفه الحبيب بورقيبة وليكتشف الشعب بعد ذلك أن هذا الرئيس بن علي لم يكن هو وأهله وأصهاره إلا بضعة لصوص هيمنوا علي قدرات وثروات البلاد و وظفوها وحولوها لمصلحتهم الخاصة وكانت السيدة الأولى للبلد نموذجاً لإمرأة تستولي وتنهب المال والذهب وتحوله لحسابها الخاص خارج إطار الدولة وبدون حسيب أو رقيب ويمتلك أقاربها سوق المال والعقار والبنوك و بينماغالبية الشعب التونسي يعاني من الفقر وعطالة شبابه وخلقت هذه الثورة التونسية أدبيات جديدة في عالم الثورات وأعادت الأمل لشعب كان قهر الحكام له والإذلال هو العنوان ولكنه الأن جسدت له هذه الثورة قيمة أن يكون الإنسان ليس عبداً لآخر هو من بني جلدة الإنسان وثبتت حقيقة أن كل حاكم يمكن أن يكون في عالم النسيان مدي ما أخفق وظلم وتجبر وطغي وتمثلت وظهرت لنا شعارات جديدة في أدب الثورات تم تصديرها من شعب تونس للآخرين مثل شعار الشعب يريد تغيير النظام وغيرها.
 وبعدها القت الثورة التونسية بظلالها وأنتقلت لأرض مصر الكنانة أرض التاريخ والأنبياء والحضارات القديمة والحديثة وأرض العلم والأزهر الشريف والحسين والنيل والثقافة والفنون والرياضة وكل ضروب الإبداع وحيث أن حظ مصر من الحكم والسلطة هو ليس بأقل من تونس فهي وبرغم حضاراتها وعظمة شعبها إلا أنها رضخت لحكم الفرد وهيمنة الحزب الحاكم وقمع الآخرين وحالة الطوارئ و الإقصاء السياسي والترهيب والسجن وكما في حالة جماعة الإخوان المسلمين والتي مثلت نموذجاً للصبر والمصابرة والنفس الطويل وقوة التحمل والشكيمة مع نظام كنظام مبارك يقتل ويسجن وبدون رحمة وله من طوق وأطياف أمنية لا يمكن أن ترسمها في الخيال أو تتصور مدي جبروتها.
ثار الشعب المصري وبمختلف كياناته ومكوناته الإجتماعية والسياسية وتوحدت إرادته وأهدافه وكان شعار إسقاط وتنحي الرئيس والإطاحة بنظامه هو هدفه الذي أجمع عليه وبرغم الإرهاب والقتل الذي مورس عليه وبرغم عناد الحاكم وتمسكه بالسلطة وإستماتته المستمرة وتوظيفه  لكل آلياته المتاحة المادية والأمنية والسلطوية ما ظهر منها وما بطن لقمع تلك الثورة إلا أن إرادة وعزم وتصميم الشعب المصري كان هو صاحب الكلمة العليا وسقطت أسطورة النظام القوي الذي لا ينزاح وأسطورة الرئيس المتين والحديدي والخارق والمالك الحصري للموازنة في المنطقة العربية والصديق المفضل لإسرائيل والأمريكان ولينزاح ذلك الكابوس من الواقع المصري ولتنجح ثورة ميدان التحرير أو ميدان الشهداء كما يريد الثوار أو يحبون من مسمى يطلقونه علي ذلك المكان التاريخي وليكتشف الشعب المصري بعد ذلك فداحة وفساد ذلك النظام وأعوانه والقرصنة المنظمة من قبل زبانية وطغمة ذلك الحزب الحاكم وأهل وعائلة الرئيس صاحبة ومالكة الأرصدة المليارية في بنوك أوربا وكذلك فساد نواب ورموز ذلك الحزب الحاكم وإحتكارها للأسواق وكل ما يخص أمر الشعب المصري وإمتلاكها للإمتيازات والحقوق الحصرية وفي مختلف المعاملات المالية والخدمية ونموذج المهندس أحمد عز ليس ببعيد ولتتكشف لنا حقيقة رئيس آخر فضحته الثورة وكشفت أمره كرجل لم يكون أميناً علي شعبه ومع أمته وبرغم نجاحه في كثير من الأمور والتي خدمت مصر ولكن إستغلال السلطة والفساد يذهب بكل شئ ويضيع كل الفضل والعمل الجميل والذي لا يشفع لك عندما ينكشف أمر سرقتك لشعبك حتى ولو بمقدار كيلة أو قنطار أو جنيه ودينار وبدون وجه حق وكذلك أن تمارس المحسوبية وتفضيل الأمور الحزبية علي غالبية الشعب المسحوق هو عين الإجرام في حق الشعب!!!
ويبدو أن التجربة التونسية والمصرية لم ولن تقف عند حد هذين الشعبيين وحدود البلدين بل أصبحت تلك العدوي وهذه النماذج تثير حفيظة غيرهم من الشعوب والتي تتمني نقل هذه التجارب وبنفس الأدبيات والشعارات ويشجعها علي ذلك نجاح هذه التجارب في التخلص من أنظمة عرفت بقوتها وقدرتها الفائقة علي قمع الثورات وأشتهرت بقوة قبضتها الأمنية وهيمنتها علي وسائل الإعلام وتعتيمها علي فظائعها وجرائمها وكذلك ما يشجعها علي ذلك هو إمكانية تخلي أمريكا وأوربا عن كل حلفائها من الأنظمة في المنطقة العربية متي ما كانت الإرادة الجماهيرية غالبة ومتحدة الأهداف ومتي ما كان صوت الثورة عالياً وإصرار الجماهير كبير ولذا نشاهد ملامح لثورات شبيهة بالنموذج التونسي المصري, بدأت في الإنطلاق في اليمن والجزائر و أيران وليبيا وبعض الدول ذات الأنظمة الأسرية الحاكمة أوالملكية المطلقة مما يؤكد ملامح تصدير هذه الثورات وعدوى إنتقالها ومن بلد لآخر مما يقود للتكهن بإحتمالية تغيير وتبدل كثير من الأنظمة الحاكمة ولتتعرف تلك الشعوب على صلاحية قادتها وحكامها ومدي جدارتهم بحكمهم وقيادتهم لهم وهل هم يستحقون ثورة لهم وتأييد نفاقي ومصلحي وكما يفعل مناصرين حاكم ليبيا صاحب الأكثر من أربعة عقود في الحكم وحاكم اليمن!! أم يستحقون ثورة عليهم كما حدث لحكام تونس ومصر وكما سيحدث لأنظمة وحكام لكثير من البلدان في المنطقة ومنهم من تبرزهم الأحداث والأيام وتفضح خفاياهم وخباياهم ومقدار جرائمهم وظلمهم لشعوبهم وعدم أمانتهم في إدارة شئون بلدانهم؟؟؟
 

 

tayseer marawe [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]