الحديث عن وحدة الشمال والجنوب في السودان أصبح حديث يشوبه الفتور و تنقصه الحماسة وصدق التوجه ولم يعد جاذباً لا في مضمونه ولا في ظاهره ولم يعد يصلح للإستهلاك السياسي والتداول المسئول والواقعي وما عاد ترتيب البيت الداخلي من الأولويات في قاموس حكومة الإستفتاء الجنوبي بل أصبح التوجه الواضح لحكام الجنوب هو كيف إمتحان قدراتهم لقيادة دولة جنوبية ستكون ملتهبة ومشتعلة ولن تبقي في حال دولة مستقرة وموحدة علي المستوي الجنوبي وبالتالي هم الأن نقلوا المتدربين من وزرائهم السابقين بحكومة الوحدة الوطنية الي الجنوب وأحضروا من سموهم بالصف الثاني للتشكيل الحكومي الجديد لمزيداً من تدريب الكوادر الوزارية وذلك لمدة ستة أشهر ولعلهم قد يكونوا من الوزراء القادمين للجنوب وساحة حكومة الوحدة الوطنية هي خير ساحة تصلح للتدريب والتعلم علي المستوي التنفيذي بفهمهم وعلي الأقل يضمنوا من خلال تواجدهم في السلطة المركزية الوصول لمحطة الإستفتاء والذي لن يتم إلا عبر بوابة حكومة الوحدة الوطنية ورئاسة الجمهورية .

ما زالت الحركة الشعبية تنشط في الخارج لتقنع وتهيئ العالم لقبول دولتهم الجديدة والتعامل معهم وينشط بشكل ملحوظ إبن البر التاني لمدينة ملكال فاقان أموم شقيق زميلة دراستي في المرحلة الإبتدائية وبعض من الثانوية العامة أيوك أموم بمدينة ملكال في فترة السبعينات وفاقان الذي أعرفه ذو توجه قديم لإنشاء وخلق دولة جنوبية مستقلة وفاقان لم يخفي ذلك وحتي منذ أن كان طالباً بالمرحلة الثانوية بمدرسة كوستي القوز الثانوية والحديث عن الوحدة عنده فقط تأدباً وإلتزاماً سابقاً أمام قائده الراحل قرنق ومجرد إستهلاك وأوهام سياسية يديرها في المحافل ومحطات صراعه مع شريكه المؤتمر الوطني ولكنه الأن هو كبيرالناعين للوحدة بين الشمال والجنوب وأول من شيعها الي مثواها الأخير.

 وفاقان الذي رابط بأمريكا للقاء السفير الإسرائيلي لتمرير أجندة يديرها هو بطريقته الخاصة وبتفويض من قيادته السياسية هو الأن وزير سلام جنوبي يعولون عليه لكبح جماح أعالي النيل المتمردة علي حكومة الجنوب ومن قبل أن تصبح دولة مستقلة.

 وأعالي النيل الكبري هذه وضع خاص يؤرق حكومة الجنوب ولأنها حبلي ببذرات إنشقاق لا هوادة فيها وتحظي بتذمر قبيلة الشلك الملحوظ وخاصة ضد حكم وسيطرة قبيلة الدينكا والهيمنة المفروضة من قبل قبيلة رئيس حكومة الجنوب وكذلك تتحفز قبيلة النوير ذات الطموح القيادي والنزعة القتالية المتلبسة بالضراوة والشراسة وهي ذات ثقل في منطقتين من أعالي النيل الكبري حيث يتركزون في منطقتي بانتيو الوحدة ومنطقة الناصر وأكوبو بالسوباط وعلماً بأنه هناك صراع نويراوي نويراوي وحتي في داخل الحركة الشعبية و مثال لذلك ما يدور من صراع بين الوالي تعبان دينق المسنود من قبل رئيس الحركة الشعبية والسيدة حرم نائب رئيس حكومة الجنوب وهو خير مثال للصراعات الداخلية وكذلك تشهد المناطق الأخري بعض تفلتات قبائل المورلي والأنواك وغيرها من قبائل وجماعات .

أما في الشمال فالحديث عن الوحدة هو حديث إلتزام سياسي وهدف سياسي مفرغ المضمون حيث أن كل المعطيات الموجودة علي أرض الواقع تشير الي إمكانية الإنفصال وبدلالات كبيرة ولم يعد هذا الأمر يهتم به شعب الشمال كثيراً إلا المثقفاتية والكتاب والسياسيين المعارضين للمؤتمر الوطني والإنقاذ حيث يستخدمون إنفصال الجنوب كرتاً يلوحون به في وجه المؤتمر الوطني وكانما خيار أهل الجنوب في الإنفصال جريمة إرتكبها المؤتمر الوطني متناسين أن الإتفاقية نصت صراحةً علي الخيارين وهي إتفاقية لا تستند علي العاطفة أو التمييع للأمور المصيرية.

 وأصلاً إن كان في الأمر خطأ لماذا صيغ بند الإستفتاء وتم الإتفاق عليه وأيدته الغالبية وهل يقبل أولئك أن يزور أو يؤثر المؤتمر الوطني علي الإستفتاء ويغلب خيار الوحدة وبالتالي يجنب نفسه وزر الإنفصال كما يصوره البعض وبالتالي يتهدد إستقرار الوطن ويظل السودان أرض إحتراب مستمر.

تغنينا كثيراً للوحدة وكتبنا عنها وتمنيناها ولكننا أردناها كخيار جماعي متفق عليه يوحد المشاعر والنوايا والإتفاق علي الوطن ويسقط كل العقد وما في النفوس والتراكمات السالبة الموروثة وتحقن الدماء وتحفظ الأرواح وتجعل الوطن مستقراً ويتنادي الجميع للمصلحة العامة....

 ولكن يبدو أن إرادة ورغبة أهل الجنوب غير ذلك والدليل هو حرص كثير من سياسي الجنوب علي مسألة حق تقرير المصير ولم تتاح لهم هذه الفرصة إلا عن طريق إتفاقية نيفاشا والتي يجب أن يسير فيها الجميع الي النهايات ويبدو أن خيار أهل الجنوب يتجه نحو الإنفصال ولن يكون السودان أول من سلك هذا الطريق وسوف أكون أول المهنئين لأهل الجنوب إن إختاروا ذلك وسوف أكون أول من يشد علي أيادي المؤتمر الوطني لإلتزامهم بهذا العهد والميثاق وتنفيذ الإتفاقية وإحترام خيار أهل الجنوب.

من غير المفيد الأن تصوير الوحدة وكأنها غاية وهدف نهائي وحتمي أو الإنفصال وكأنه جريمة تاريخية ولا أتفق مع من يقول ذلك ولكن من المفيد أن نحقن الدماء ونخلق الإستقرار ونجعل من السودان بلداً خالياً من الحروب وعلينا أن نهيئي أنفسنا علي إحتمال أن نكون دولتين متجاورتين متحابتين ومتعاونتين ولهما مصالح متبادلة ومشتركة وبعد ذلك وفي المستقبل إذا رأي الجميع الوحدة فلا بأس أن تجدد الإتفاقيات وتستفتي الشعوب ولكن أن نكبت خياراً وأن نحول دون تحقيق هذا الخيار فهو الجريمة نفسها وفيها إنقاص من إرادة الشعوب وهضم لحقوق الإنسان وإستهتاراً بالعهود والمواثيق.

إن قطار الوحدة سيسير بأمان وتواصل ويمضي إلي أخر المحطات إذا كان هو خيار سيغلبه أهل الجنوب والقطار نفسه سيتوقف في محطة الحدود مؤقتاً إذا كان خيار الإنفصال هي إرادة أهل الجنوب وفوق هذا وذاك علينا المضي بالقطار للنهايات بالرغم من صعوبة المسار و وعورة الطريق  !!!!!

tayseer marawe [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]