يبدو أن حزب المؤتمر الوطني قد قرأ النتيجة مبكراً وضمن الفوز ولأن معطيات سير العملية الانتخابية والاقتراع قد أعطت مؤشراً قوياً لفوز واكتساح المؤتمر الوطني للانتخابات وفعلياً قد بدأت عملية الفرز للأصوات وصناديق الاقتراع واللافت أن معظم الجماهير والتي رشحت وصوتت للمؤتمر الوطني وغيره من الأحزاب والشخصيات المستقلة هي جماهير اللامنتمين والمستقلين والبسطاء والتي تشكل غالبية الشعب السوداني والذي لا يستطيع حزب في السودان أن يدّعي أنه بقواعده وجماهيره أكثر منهم والكل يعول علي الجماهير المستقلة والبسيطة والنساء في كل الانتخابات وهذه الجماهير والتي تفكر في الأمن والاستقرار أكثر من أي شئ آخر بالإضافة إلي أن تجاربها التراكمية مع الأحزاب القديمة غير جيدة والتي شهدت فترات حكمها في الديمقراطيات السابقة والانتخابات القديمة ملامح من عدم استقرار وغياب لانجازات وتنمية و وجود مهددات أمنية وعدم استقرار سياسي وممارسة ديمقراطية يستحسنها الشعب ولا يملها.

 ومن الملاحظ أن كل الانجازات المشهودة والبنيات الأساسية أتت في ظل أنظمة انقلابية وعسكرية وشمولية ومنها نظام الإنقاذ وقبله نظام مايو وحكومة الرئيس عبود ولكن سيظل هذا النظام هو من سحرها وبهرها بانجازاته وسبقه وبالرغم من تفرده في طول البقاء والاستمرارية في الحكم والسلطة وتكرار الوجوه والشخصيات في المناصب التنفيذية والوزارات و مقارنة بغيره من أنظمة عسكرية وانقلابية ولكن أيضاً يجب أن لا ننسي تبدله وتحوله المتدرج من الممارسة الشمولية إلي الديمقراطية والتي شكك فيها الغير وبرغم ما أبدوه من جدية والتزام وتنفيذ لاتفاقية السلام الشامل وغيرها من الاتفاقيات.

أن خوض المؤتمر الوطني لهذه الانتخابات وبرغم مواجهتها لكثير من العنت والمحاولات لإفشالها والحيلولة دون قيامها وما رافقها من انسحابات لأحزاب معروفة والتي أدركت أنها لا تستطيع الفوز والاكتساح كما كان في السابق ولتغير البنية العقلية والانتمائية والولاء لدي كثير من جماهير الناخبين وجماهير تلك الأحزاب والتي فيما يبدو أن أكثر هذه الأحزاب قد تفوق عليها و فلح المؤتمر الوطني في سحب البساط من تحتها وكذلك الجماهير , وما عادت هذه الأحزاب تقنعهم ويشدهم برنامجها السياسي وبالتالي وجدت بديلها في هذا الحزب الجديد المؤتمر الوطني وهي قد عرفت رجاله في الحكم والسلطة وعاصرتهم لأكثر من عقدين من الزمان وخاصة رئيس الحزب المواطن الحالي والقائد العسكري السابق عمر البشير. 

استحقاقات الديمقراطية تتلخص في الانتخابات أولاً والممارسة الرشيدة لهذه الديمقراطية ومفهوم النيابة البرلمانية والتمثيل الفعلي للجمهور الناخب في البرلمانات والمؤسسات التشريعية المختلفة والمسألة والمراقبة للحكومة ممثلة في الجهاز التنفيذي ومحاسبتها وإسقاطها عبر البرلمان إن استدعي الأمر وبالتالي يتطلب الأمر أن ينأ العضو بنفسه عن الاهتمام بمسائل الحظوظ المالية والاستحقاقات المالية والمخصصات كما تعودنا من البرلمانيون السودانيون في مختلف العهود فهم يوعدون جماهيرهم وناخبيهم ودوائرهم بالتعبير عنهم وخدمتهم ومناطقهم ولكن بمجرد فوزهم ينسون كل شئ ويركزون علي ذاتهم وتحسين أحوالهم وأوضاعهم الحياتية.

 ولذا يتوجس الكل من برلمان مفرغ الأهداف والتوجه وممارسة ديمقراطية لا يحسن نوابها أداء رسالتهم ولننظر لدول أخري في ممارستها الديمقراطية وخاصة الصغيرة منها في المساحة وعدد السكان في عالمنا العربي والإسلامي , ونموذج حي برلمان دولة الكويت ذو الخمسون عضواً والذي يستطيع استجواب أي وزير ومسئول وإسقاط الحكومة إن شاء النواب وبرغم من أنها دولة تحكمها عائلة وأمير ولكنهم عائلة تحترم القانون والدستور والديمقراطية والكل يعرف حدوده واختصاصاته ولا يتجاوزها.

تعددت الدعوات من أفراد وقادة المؤتمر الوطني ومنهم دكتور غازي صلاح الدين متولي ودكتور مصطفي عثمان إسماعيل ودكتور نافع علي نافع وقد سمعنا منهم دعوة لأحزاب المعارضة للدخول في الحكومة إن فاز المؤتمر الوطني وأخري تدعو لتشكيل حكومة قاعدة عريضة وثالثة تنادي باستمرارية المشاركة مع الحركة الشعبية وذلك بحكم أن المؤشرات تشير إلي أن المؤتمر الوطني سيكتسح الشمال وكذلك الحركة الشعبية في الجنوب.

كل هذه الدعوات تسبق الإعلان عن النتيجة وتدفع بالنوايا تجاه التعامل مع الكل في حكومة يتفق عليها الجميع ولكن تتباين ردود الأفعال تجاه هذه الدعوات من قبل الأحزاب المعارضة وغيرهم, فمنهم من يصفها بعدم الجدية والثقة في هذه الدعوات وأخري تراها من باب خطب الود في التعامل مع حكومة المؤتمر الوطني القادمة وآخرين يرونها محاولة إضفاء شرعية لحكومة يشكك البعض في انتخابها وقد لا يعترف البعض بنتائج هذه الانتخابات... ولكن في النهاية ستظل هي انتخابات ديمقراطية ومراقبة ومعترف بها وببعض الأخطاء فيها وقد أتي هذا الاعتراف بالأخطاء حتى من قبل حزب المؤتمر الوطني الحاكم السابق ومفوضية الانتخابات نفسها.

 ولذا ولمصلحة الوطن يجب أن تحبس هذه الدعوات والي حين ظهور النتائج بشكلها الرسمي والنهائي وفي حينها ستتغير كثير من الأمور وقد تتغير هذه الدعوات وعلي المتحدثين من قيادي المؤتمر الوطني التريث قليلاً في الدعوات والتصريحات وإبداء زهو الانتصار ولأن قادم الأيام سيغير واقع السودان ولكن لن يكون الحال كما كان ولأن الديمقراطية لا تتجزأ ولا تقبل الانتكاسة وليمضي الجميع نحو الاستفتاء بشجاعة ودون تأجيل أو تأخير ولنحترم خيار ملة الجنوب وشعبه ولنستعد لسودان جديد, سودان ما بعد الاستفتاء, وانتخابات قادمة أكثر مشاركة وقبول وشفافية ولنعول علي جماهير السودان والتي ما عاد ولائها الطائفي يقيدها ومعظمها يفتخر بأنه مستقل وغير منتمي ولكنه ينتخب ويختار ولا يركن للسلبية ويستطيع إن غم الأمر انتزاع حقوقه عبر الثورات والانتفاضات ولا توقفه قوة من كان.

tayseer marawe [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]