*" كان في داخله قشرة صلبة مصممة الا تنكسر ، وتحمى كبريائه بأى ثمن .." 1
ومشاهد تتجسد امامى عبر السنين :
قادما في سيارتى من محطة السكة حديد في طريقى الى كبرى المسلمية ، وعند مستشفى الخرطوم تخرج سيارة بوكس من باب المستشفى ، كنا قد توقفنا لنسمح لها بالمرور وكنت في اول صف الواقفين .. جثة مغطاة على نقالة ورجل يقف بالقرب منها في جلباب ابيض حاسر الرأس .. وعندما اتضحت لى معالمه صقعت ... وزير داخلية السودان في جلباب داخل بوكس مكشوف ومعه جثة ...! انفلتت منى صيحة : سيد احمد لا اله الا الله .. ماذا حدث ؟.. وفاجأنى بطريقته المعهودة وصوته العميق ...مافى عوجة ..مافى عوجة !.. ولم اتمالك نفسى وصحت : مافى عوجة ومعك جثة ..من الميت ..؟ وهمهم بكلمات لم اتبينها ، وانطلق البوكس بسرعه وتبعته وانا فى ذهول حتى توقف امام منزله بالخرطوم 2 وكانت هناك نسوة امام المنزل وازداد نحيبهن عندما اقترب البوكس من المنزل . ونزل سيد احمد من البوكس وهرع اليه اخويه عثمان وموسى، ورجل الشرطة الذى كان يقف امام المنزل كما هو الحال في جميع منازل الوزراء ، الا انه في بيت سيد احمد لم يكن هناك (كشكا ) !.. وحملوا الجثة الى داخل المنزل ، وبعد الفاتحة سألته مرة اخرى من الميت واجابنى : نسيبى زوج شقيقتى !
-2 –
كنا جلوسا في صالونه ، وكالعادة العشرات من الزوار بعضهم لا يتردد في اقتحام غرفة نومه ، واصحاب الحاجات بعضهم يخاطبونه عبر اوراق مكتوبه واخرون ينتزعونه ويخرجون معه الى الحديقة الصغيرة في عز الظهيرة ، ويتنقل من وقت لآخر الي المنزلين المجاورين لمنزله ، وقد اشتراهما من آل السلمابى ليكونا مقرا للطلاب القادمين من الاقاليم ومعظمهم يدرسون في جامعة القاهرة .. ويلاحقه سكرتيره الخاص ، وكان في مرحلة مبكرة السيد فتحى شيلا الذى قفز به في مرحلة قادمة وزيرا وكذلك سكرتيره للشؤون المالية ،السيد احمد على الذى اصبح لاحقا من اقطاب الاتحادي الديمقراطي .. كان يسعده ان يرى الرجال من حوله يصعدون الى القمة ، حتى لو كان بعضهم غير مؤهلين لها ، والأسوأ الذين تخلوا عنه بعد انقلاب يونيو ، وكأن حجتهم " الوفاء من شيمة الكلاب ! " كما قال جوريف ستالين ذات يوم بعد حكمه بالاعدام ، على احد احد اصدقائه وصرخ الرجل في وجهه ..اين الوفاء.. الست صديقك طوال حياتك ؟
ويفاجئنا ونحن جلوس في الصالون الممتلىء بالزوار ، وسيد احمد في ركن يناقش مجموعة من نواب الحزب ..الاستاذ احمد سنجر من ظرفاء ذلك العصر ، وعلى غير عادته ، كان منفعلا ويهتف بأعلى صوته المجروش :
سيد احمد ... يا سيد احمد .. يا حرامى ..!
ورددها ثلاث مرات ... والجمع في الصالون في ذهول .. وعدد من الشباب يتأهبون للرد .. وسيد احمد يحدق فيه مبتسما !
ويواصل الاستاذ احمد سينجر هتافه ... ويضيف :
سيد احمد ياحرامى .. يا سارق قلوب الناس !!
وتدوى الضحكات وترتسم الابتسامات ، وسيد احمد بصوته العميق ... مرحب ... مرحب .
-3-
كان يشعر جميع زواره باهميتهم ،ولو كانوا بالعشرات يشعر كل واحد منهم انه الاقرب اليه ، ويسبغ عليهم صفات ومزايا قد لا يكونون اهلا لها ..خاصة معى ، كان يقول لى : يايحى والدك خليفة من خلفاء السيد علي وكذلك عمك تميم الدار على ، وعند عقد قرانك من كريمته اوفد السيد على ابنه السيد محمد عثمان ليعقد القران علي يديه وكنت انا واحد من الشهود .. وبعد كل هذا التكريم ، تذهب يايحى الي كركوج في النيل الأزرق ، لتأخذ الطريق السماني من الشريف محمد الأمين والشيخ البشير محمد نور .. ! ثم يضيف ضاحكا .. الحمد لله كل الطرق تقود الى حقيقة واحدة ... ويدخل علينا الوزير ابراهيم رضوان ، وهومن خلصائه واوصله الي الوزارة ، وزيرا للصناعة ، وكان رضوان فخيما في حجمه ويتسع جلبابه لثلاثة اشخاص .. عندئذ غير سيداحمد مجرى الحديث ، واراد ايضا ان يخفف عتابه وقال : ياسعادة الوزير اخونا يحيى العوض من تلاميذ الشريف محمد الأمين ، وهو من اقربائي يصوم يوم ويفطر يوم ويقيم الليل مع السبحة الالفية ، وقبل ان يكمل قاطعه الوزير رضوان ، منتفضا و محدقا في وجهى وخاطبنى قائلا .. ياابو السيد قريبك ده أكيد مجنون .. ويرتج الصالون بالضحك..!

-4-
وقف معى في عدة قضايا ومآزق تعرضت لها ، الاولى في معركة بنك فيصل الاسلامى ، وكان طيب الذكر الشريف الخاتم فضل المولى ، مؤسس البنك (مايو 1978)، اختارنى مديرا للاعلام والعلاقات العامة ....2
وتمت الدعوة لإنعقاد أول جمعية عمومية لحملة الأسهم من المؤسسين بعد عام من تدشين البنك ... وبحكم موقعي مديرا للعلاقات العامة والإعلام، أشرفت على إرسال بطاقات الدعوة داخل وخارج السودان, وكان من بين حملة الأسهم سعوديون وكويتيون.. وأتممت الإجراءات مع إدارة قاعة الصداقة لتخصيص كبرى القاعات لإنعقاد الجلسات الممتدة لثلاثة أيام ، كما تولت إدارة البروتوكول بوزارة الخارجية ترتيبات إستقبال وإستضافة الأمير محمد الفيصل ...
وتتابع وصول الوفود من الخارج, وأغلبيتهم من السودانيين المغتربين، في دول الخليج, ورغم ضآلة حجم اسهمهم إلا أنهم كانوا الأكثر حرصا على الحضور , مما يشكل كتلة لا يستهان بها عند التصويت لإختيار مجلس الإدارة الجديد. جاءونا في جلابيب ناصعة البياض "وعمم" متناسقة تخطف الأبصار برونقها وألقها تسخر من هندام أهلنا في الداخل ضحايا رياح السموم وما تحدثه ومازالت من شحوب وعكارة طامسة للالوان والابيض خاصة ..
وكان معظمهم، القادمين من الخليج،, يبدأون حديثهم بالبسملة والصلاة على الرسول الكريم .. وبداهة أدركنا أنهم ينتمون إلى مدرسة واحدة وأنهم جاءوا في نسق تنظيمي لا تخطئه العين لتكون لهم الغلبة في إنتخابات مجلس الإدارة الجديد ! وكانت ليلة ماراثونية بالنسبة لنا في إدارة البنك .. راجعنا بدقة كل الكشوفات وقارناها بالحضور ومن أين جاءوا؟ وتأكد ان هناك مخططا لاكتساح انتخابات مجلس الادارة , وتقرر مواجهة الموقف بحشد مضاد !,ولاحت لنا بارقة أمل عندما دققنا في قوائم كبار المساهمين وإكتشفنا أن عددا لا بأس به من رجال الأعمال الختمية، لكنهم لم يكونوا بين الحضور, بعضهم إعتذر بحجة تواجدهم في الأقاليم أو خارج السودان ! وإستقر الرأي بأن أذهب إلى السيد محمد عثمان الميرغني، زعيم الختمية لإبلاغه بكل التفاصيل ولإتخاذ إجراءات عاجلة تستبق اليومين المتبقيين , قبل إنتخاب مجلس الإدارة، ورأيت الإستعانة بالأخ الكريم، الأستاذ سيد أحمد الحسين ,وكان في ذلك الوقت مستشارا قانونيا لشركة( أجب) وله مكتب بشارع الجمهورية وبالطبع كان نشاطه سريا في الحزب الإتحادي الدمقراطي .
وذهبنا سويا للسيد محمد عثمان الميرغني في منزله بالخرطوم "1" وشرحنا له مايدور وتوقعاتنا، إنطلاقا من الدور المأمول من البنوك الإسلامية والتي تستطيع من خلال اسلوبها الجديد في" المشاركة والمرابحة " مع عملائها السيطرة الكاملة على نشاطهم وتوجهاتهم السياسية ، أذا كانت واجهة لأحزاب سياسية أو تنظيمات أيدولوجية وتستطيع تكثيف نشاطها بتأسيس شركات تأمين وبنوك عقارية وصناعية, وإستقطاب الحرفيين وأصحاب المشاريع الصغيرة بما في ذلك تمليك عربات الاجرة والحافلات, وتشكل ايضا قوة إعلانية ضاغطة تمكنها من إختراق أجهزة الإعلام والسيطرة على مدخلات الطباعة، والخلاصة سيتم إعادة حرث الخارطة الإقتصادية و السياسية وإنبثاق واقع جديد يمتلك كل القدرات للسيطرة والتمكين !
كان السيد محمد عثمان ينصت بإهتمام ويدون ملاحظاته في ورقة أمامه .. وفي نهاية الإجتماع طلب مني إبلاغ الشريف الخاتم تحياته، وكلف الأستاذ سيد احمد الحسين للقاء الأمير محمد الفيصل، ليشرح له خطورة الموقف ,كما أبلغنا أنه سوف يتصل بكبار المساهمين من رجال الختمية للمشاركة في الجمعية العمومية والتنسيق في إختيار مجلس الإدارة الجديد .. وخرجنا وفي الطريق وبتواضعه الجم قال لي الأستاذ سيد أحمد:
هذه أول مهمة سياسية يكلفني بها السيد .. أدعو لي بالنجاح ...
وهزمنا في معركة بنك فيصل واجتاح الاخوان مجلس الادارة واستقال الشريف الخاتم وتبعته .. وقررنا ان لا نستسلم وان ننشىء بنكا اسلاميا بعيدا عن قبضة الاخوان وعبر الاستاذ سيداحمد وبعد لقاءات مع السيد محمد عثمان اقتنع بتأسيس البنك الاسلامى السوداني واختير السيد احمد الميرغنى رئيسا لمجلس الادارة والسيد محمد عثمان الخليفة مديرا عاما ، فهو من سلالة الخلفاء المقربين في بيت الميرغني ، وشعرنا بسعادة غامرة لهذا الانجاز ، وتزامن في وقت متقارب مع توجهى لاصدار مجلة القوم والمونتر للاعلام والدراسات ، وتقدمنا بالمشروع للتمويل الى البنك الاسلامى السوداني موقنين باستجابته ، وكانت المفارقة ، رفض البنك الاسلامى السودانى ووافق بنك التضامن الذى كان في ذلك الوقت الاقرب لخصومنا ..! ونستقبل هذه المفارقة بضحكات،( مسيلة للدموع )، مع الاستاذ سيد احمد الحسين !
وتتسع مفارقات الواقع السوداني لاحقا باستقالة السيد محمد عثمان الخليفة من البنك الاسلامى السوداني ليصبح مديرا جديدا لاحد بنوك الاخوان !!
-5-

بعد الانقلاب لم امكث في السودان ، غير عام واحد ، لكنى كنت على اتصال دائم معه ، وكنت قبل مغادرتى ، اتفقت معه لكتابة مذكراته .. وعندما نلتقى عبر الهاتف يبادرنى .. اين انت الآن (يا شراد ) ! .. عرفنا اخوانا الدناقلة جابوا العالم واستقروا في امريكا وبريطانيا ..انت الشايقي" الموديك شنو" لشمال شمال اوروبا بالقرب من الاسكيمو..؟ واقول له : حتى اعرف معنى العذاب ليس بالنار فقط وانما اشد ب (الزمهرير ) ! .. وتنطلق ضحكته المجلجلة .!
وتبقى ذكرى رجل اختار الموت واقفا ولم يساوم سلطة او طائفة ، ومن كلماته بعد اعتقاله مع الكوكبة الاولى بعد انقلاب يونيو والحكم عليه بالاعدام ثم تخفيف الحكم :
" أشهد الله لو عرضوا على ّ رئاسة الجمهورية في هذا النظام لاخترت الموت .!."

gmail@yahyaalawad

1 البرتو مورافيا
2 نشرت تفاصيل هذه المواجهة في عدة مقالات سابقة .