عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

الاحتفاء بكتاب جديد ومتميز,ومن تأليف الدكتور عبد المطلب صديق, يغرينى باستراحة قصيرة من متابعة "حكايات من فردوس الحمقى", وفقا للتسلسل فى الحلقة السابقة ..ومع ذلك فالكتاب :" الاخراج الصحفى: الحلول الفنية لصحافة المستقبل" , لا يخرج من سياق هذه الذكريات , فهو  يقنن ويؤصل الانتماء الى هذه المهنة ويقدم " فيضا من المعرفة والمعلوماتية المتجددة والمتنامية" ويشكل شريانا مهنيا لكل محترف فى صناعة الكلام  والكتابة , وبالتالى بطاقة تأهيل لدخول " فردوس الحمقى" !

هناك كتب نقرأها بالاصابع وكتب تمنحك طاقة متجددة تسرى فى نسيجك وتظل دوما حاضرة فى عقلك , ومنها هذا الكتاب الذى يستحق الشكر والتقدير والامتنان من جميع قبائل الاعلام !

من المعايير التى يتفق عليها أهل المهنة بأن الصحافى ,"صحافى بقدر ماتتوفر لديه المؤهلات المهنية وامكانيات التفكير وحريته وسلامته" لذلك جاء اهداء الكتاب مخاطبا بذكاء موشى بلأسى , جميع المحترقين بأضواء أو نيران هذه المهنة الرسالية,: "الى كل صحفى كسر قلمه ظلما أو فصل من عمله تعسفا أو أجبر على مسايرة اهل المال والسلطان قهرا" !

وتختلف ظروف وطبيعة العمل الصحفى عن المهن الأخرى , دروبه مظلله بالمعاناة , توقا وشوقا , للهدف الأسمى, " الحقيقة " , المختطفة أحيانا والمغيبة فى أغلب الأحيان ,ولا يتوقف , كل صحفى شريف , فى البحث عنها حتى لو قاده ذلك الى السجن أو القبر ! ويعبر شاعر العامية المبدع صلاح جاهين عن هذه المعانى بقوله  :

عجبتنى كلمة من كـــلام الــورق

النور شرق من بين حروفــها وبرق

جيت أشيلها   ف  قلبى .. قالت  حرام

ده أنا كل قلب دخـلت فيه    احـترق ..

ويتفق خبراء الاعلام , بأ ن  : " نشأة وتكوين ونضوج الصحفى تتأخر بعكس الطبيب أو المهندس أو الأستاذ , لمباشرة العمل بعد وقت وجيز من التخرج , أما الصحفى فأن تخرجه  الحقيقى لا سقف له , فاذا أحس انه  وصل القمة فيعنى هذا نهاية العطاء الخلاق "!    كما تنقسم قبيلة الصحفيين الى فئتين , " غير متعارضتين بل قد تتكاملان " , فئة مرتبطة بالتأهيل الأكاديمى والتقنيات المتجددة الضرورية للعمل فى الصحف والاذاعة والتلفزيون والفئة الاخرى العاشقة لهذه المهنة والمنجزبة  اليها مع الاستعداد لتطوير الهواية الى احتراف , وتتماثل هذه الفئة  واحيانا تتوحد مع الشعراء والكتاب والفنانين " ... المدرسة الامريكية للاعلام تعترف بالفصيل الاول فقط , أما المدرسة الانجليزية , تعترف بهما معا . والصحفى فى الحالتين يواجه تحديا يوميا لمواكبة السيل الهائل من المعارف والمعلومات , وغير مسموح له التمادى فى التثاؤب , وعليه " فرك عينيه باكرا كل صباح ,"  لمتابعة واستيعاب  هذه المعارف والتقنيات ,  ويا للمفارقة .... هنا يكمن تطوره او مصرعه  !

وهذا هو لب كتاب الدكتور عبد المطلب صديق... فالتقنيات الحديثة وثورة الاتصالات والمعلومات جسدت التحديات المتعاظمة لصناعة الصحافة الورقية , وهى الأضعف فى قبيلة الاعلام , امام التنامى المستمر والمتسارع للوسائط الاعلامية المتعددة , وتزايد عدد الفضائيات المتخصصة والمحطات الاذاعية وشيوع خدمة الانترنت , وتراجع نسبة المقروئية وضعف الاعلان وارتفاع تكلفة الانتاج .. هذه التحديات مجتمعة هى الخطر الذى يواجه صناعة الصحافة الورقية مما حدا ببعض الباحثين الى التنبؤ باختفائها خلال عقدين من الزمان على الاكثر ! ويستخلص الدكتور عبد المطلب فى دراسته , مصادر الاخطار التى تواجهها صاحبة الجلالة , ويجملها فى الانماط التقليدية للادارة والانتاج التحريرى , لان الاساليب القديمة فى الانتاج الصحفى , اصبحت أقل تأ ثيرا على القراء واكثر كلفة , وبا لتالى هى السبب فى اضعاف قدرة الصحافة على منافسة الوسائط الاعلامية الاخرى ...

وعندما نبحر فى فصول الكتاب الثمانية , تنتاشنا مشاعر متباينة , متفائلة ومتشائمة ومتشائلة , لكننا وسط هذه الأنواء المتلاطمة نجد مرتكزا نمسك به , بأيدينا وأسنانا , يوجهنا اليه الدكتور عبد المطلب , وهو " حياد التكنولوجيا "  : وانها بكل انجازاتها  ومعجزاتها لن تستطيع ان تكتب خبرا أو تجرى حوارا أو تبتكر عنوانا.. وسيبقى الصحفى وحده القادر على فعل ذلك , وسيبحث عن الوسيلة المناسبة لكل جمهور يستهدفه , سواء عن طريق الصحيفة المطبوعة أو المجلة أو الوسائط العلمية المتجددة...

وتميز الدكتور عبد المطلب عن غيره من اكاديمى الاعلام انه " عصارة تجربة نظرية وتطبيقية " فهو يمارس المهنة عملا يوميا فى قيادة التحرير وقادر على مضاهات النظرية بالتطبيق .. وقد تدرج فى سلم الاحتراف الصحفى من محرر اقتصادى الى  مدير تحرير الى المستشار الصحفى لوزير الاعلام والثقافة السودانى ثم التدريس بحامعة قطر وجامعة " ويست بيرث " الاسترالية , بعد نيله الدكتوراة فى الصحافة بتقدير امتياز على اطروحته " المدارس الفنية الحديثة فى الاخراج ودورها فى تطوير التحرير الصحفى." ..

ولأول مرة وفى سابقة فريدة , تمكنت صحيفة يومية كبرى , تجميد منصب مدير التحرير , وهى ظاهرة نادرة , لأن الدكتور عبد المطلب من موقعه , السكرتير العام لجريدة " الشرق " القطرية قدم نموذجا وحلولا تتطلع اليها معظم الصحف لتقليل الحساسيات والاحتكاكات الخشنة بين ادارتى التحرير والانتاج والتى تزكيها  الضغوط المتصاعدة لوتائر العمل , فهو الخبير بدهاليز الطقس النفسى للجهازين الرئيسيين فى الصحف .. ومن ثم حاز على " الحسنيين " وأدار  بسلاسة أطقم جريدة " الشرق " التى فازت طوال خمسة اعوام متتالية بالمركز الأول بين الصحف القطرية وفقا لقياسات الرأى العام الذى تقوم به مؤسسةIPSOS  الفرنسية العالمية.

ويقيني، أن النجاح الذي حققه الدكتور عبدالمطلب صديق في "فردوس الحمقى" مقترن بتضحيات من الزوجة، شريكة الحياة، في مواجهة شراهة وأنانية ضرتها المدللة، "صاحبة الجلالة" .. التحية والتقدير للأستاذة المتألقة ، إبنتنا، أنعام عبدالرحيم، خبيرة الترجمة، والأم الرؤوم للدكتور عبدالمطلب وأبنائها الثلاثة ... ونيابة عن الصحفيين الذين أهداهم الكتاب، أعلن تنازلنا جميعا، ليكون الإهداء لها وحدها !