تحية اجلال وعرفان لعميد التشكيليين السودانيين وشيخهم في عيد ميلاده ال 86 امد الله في عمره و نفعنا بفنه وعلمه ، الفنان العالمى ابراهيم الصلحي . . اكرمت بلقاءت عديدة في صحبته ، سنوات الدوحة ، في سوح الخليفة احمد محجوب في حلقات الذكر بقيادة الشيخ فتح الرحمن صاحب (النوبة ) المعلقة ومعها (الألفية ) ينؤ بهما عنقه النحيل النافر العروق ، يجسد امامنا لوحة من ملحمة مولد المجذوب..( وهنا حلقة شيخ يرجحن .. يضرب النوبة ضربا فتئن وترن ) وقد ابدع الصلحي في رسم لوحات ديوانه (الشرافة والهجرة ) ..مرئيا لهم ذلك العالم الذى لا يمكن الامساك به مباشرة (1)، الانوار الباطنة تنير دروبهم , فكلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة ،لتسري في مساماتك عبر كلمات ليست كالكلمات (2) عند النفري والبرزنجي والختم والقطب الطيب ود البشير . ويعتريك ، حال مشابه و توميء برأسك منبهرا وانت تقف في خشوع امام لوحة للصلحي لتقول لك :

(الدين والفن كلاهما يضيء من مشكاة واحدة .. ففي الدين والفن ،السماء هي المنبع !)(3) لقد حاز الصلحي الحسنيين الفن اكتسابا والارث الصوفي بطقوسه ممارسة ،عن جدوده من والدته ،الشيخ حمد ود أم مريوم والشيخ خوجلي ابو الجاز .
وفي مرسمه ذات ليلة والصلحي (منجذب ) مع رتوش أخيرة .. بغتة إنسل جزء من اللوحة ، دبت فيه الحياة ،وتأهب ليتمشى في الغرفة !.. وهذه شهادته في حوار شيق مع الناقد الالماني الكبير أولى باير عندما سأله : هل تتذكر الصور أم تراها ؟ أجابه : أحيانا وفي لحظة ما ينفتح الأفق فأراها ، فالصور ترقبني كما أرقبها .. عندما كنت بكلية الفنون بالخرطوم كنت أعمل في لوحة مشتركة مع صديقي الفنان حسين شريف .. وكنت أقوم بإكمال عملي ليلا حتى قرابة الفجر .. وفي ليلة كنت أنظر الى اللوحة فرأيت أحد الأشكال الصغيرة في ركن اللوحة وقد دبت فيه الحياة وعلى وشك أن يخطو خارج اللوحة !، للحظة ظننت انني اتوهم ذلك ، ولكنى عندما نظرت ثانيا كانت الحياة قد دبت فعلا في ذلك الجزء من اللوحة !، فأطفأت النور وخرجت ..! وكما قلت أنا أعمل كالوسيط لابتدع صورى ولا أخلقها ،اذ أنها تخلق نفسها .. وهكذا حال الفنانيين الكبار، رسم الفنان بيكاسو بورتريه لسيدة من نبلاء اسبانيا وعندما قدمها لها قالت مندهشة انها لا تشبهني... فأجابها بهدوء :ستكونين مثلها ياسيدتي في يوم من الأيام ! ويشير الفنان الكبير حسن موسى الي الاستغراق الصوفي للصلحي ويقول :
طلب "أولي باير" من الصلحي تفسيرا للحضور المتكرر للأقنعة الإفريقية في بعض لوحاته، ذلك أن" باير" كان عارفا بأن تقليد التشكيل في السودان لم يخبر القناع كموضوعة تشكيلية و أن القناع إنما يرجع بالأحرى إلى تقليد أهل غرب إفريقيا. و ببساطة بالغة التعقيد أحال الصلحي حضور الأقنعة الإفريقية في أعماله لمقام الـ " بارا سايكولوجي" أو " علوم الذوق " عند المتصوفة. قال الصلحي :
" وقتها كان يداخلني الإعتقاد بأن روحا ما كان يتلبسني كوسيط له. بعدها بسنوات ، أثناء زيارة لي بمتحف الفن البدائي بنيويورك، وقعت على رسم أثري مستنسخ بطريقة الحك على الورقة الموضوعة فوق الشكل البارز.و ما أن تمعنت فيه حتى تعرفت فيه على عملي، و تيقنت من أني قد رسمت ذلك الشيئ بنفسي.لقد تعرفت عليه كما يتعرّف المرء على توقيعه الشخصي وسط مئات التوقيعات الأخرى. رغم ذلك كانت البطاقة الصغيرة المثبتة تحته تقول بأن مصدر الرسم هو حضارة الـ " باراكا" في " بيرو" بامريكا الجنوبية.
و هكذا ، حين رأيت ذلك الرسم تعرفت فيه على نفسي ، و عزمت السفر من نيويورك لقرية " شافير"، مصدر الرسم، في بيرو.و كان ما رأيته هناك هو بالضبط ما عملته أنا [في الخرطوم]، رغم أن تاريخه يرجع لثلاثة آلاف عام. كيف جاز مثل هذا الأمر؟ لا أدري!. ولا أدري ما إذا كان الروح الذي تلبسني قد تلبّس أولئك القوم في بيرو قبل ثلاثة آلف عام. !
و هكذا أقول في الإجابة على سؤالك حول حضور الأقنعة في لوحاتي، لا أدري ما إذا كان روح ما من غرب إفريقيا قد أصابني ليعبر عن نفسه من خلالي. ذلك لأني لم أر هذه الأقنعة أبدا من قبل !."
-2-

السجن والمنفى ، مااصعب الخيار ، يقول ادونيس في حوار مع سجناء ، .. ضحكوا كثيرا ، من السؤال واجابوا : السجن أجمل من بساتين المنافي !..ويوجه أولى باير سؤالا خاطفا للفنان المرهف : الى اي مدى تغيرت ولاءاتك والى اي مدى عدلت وحورت احساسك بهويتك في المنافي ؟
ويجيب الصلحي : لقد تأثرت الى الحد الذى تصبح فيه الديار وكأنها حلم بعيد ناء وعزيز يتملكك اليه الحنين ، انه التوق الي مايتعزر استرداده ، كأنه قادم من أغوار ماض سحيق .وهناك ايضا نزعة غريزية للتكيف وقدرة على غرس جذور جديدة .. هناك بحث مستمر عن العوامل الإنسانية التى تربطنا بالوسط الجديد .. رغم هذا كثيرا ما تشعر بالتمزق الداخلي خاصة عندما تواجه بقيم ليست فقط في تناقض مع ماعهدته وانما ايضا مع ماتؤمن به .. عندها تحسب بأنك غريب ومحاط بالتساؤلات مثل كيف تأتى لي أن أهجر فردوسي وآتي الى هذا الجحيم .!
وعن تجربة السجن قضى الصلحي في سجن كوبر ستة اشهر دون ان توجه له تهمة ، فقط انه من أقرباء العقيد حسن حسين الذى قام بمحاولة انقلاب عسكري فاشل في سبتمبر 1975 !
في الفترة التي قضاها الصلحي بسجن كوبر أثناء حكم مايو، ووقتها كان وكيلاً لوزارة الثقافة يقول في حوار مع جريدة الصحافة(4) : «من المواقف التي لا أنساها على الإطلاق في السجن عندما كان مدير عام السجون يمر كل شهر كالعادة، وكان الطعام رديئاً، والمساجين عندما يسألهم المدير عن طلباتهم يسارعون إلى طلب «البصل» لأن الفول والعدس يسكنه السوس، وكان البصل عزيزاً جداً، وكنا نقطعه الى شرائح صغيرة ونضعه على أنوفنا حتى نستسيغ طعم الأكل» !. ويضيف الصلحي: «كان في كل مرة واحد منا يطالب بالبصل، وعندما أتى دورى أعطونا هذه المرة اربع بصلات بدلاً من ثلاث، ولحسن الحظ كانت واحدة صغيرة بها «جذور » فقطعت تلك «الجذور " وقمت بزراعتها تحت «الزير» وأصبحت أراقبها وأعتنى بها وكنت «أحاحي» منها المساجين، وعندما تفتقت وأخرجت «فرعا » صغيرا احتفى به الجميع باعتباره حياة جديدة فى السجن، وشكلاً أخضر يرمز للحياة داخل الأسوار، وكنا نراقب نموه»، وقال الصلحي: «كان المساجين يتحلقون حوله ويسردون حكاياتهم، وأصبح مكاناً يجتمع فيه المساجين، وقاموا بتسميته جنينة الصلحي"!
ويضيف : «كانت البصلة بالنسبة لي إكسير الحياة مقابل الظلم والقهر الذي كان سائداً آنذاك".!
-3-
ويحتفي الفنان الكبير بايقونة يرمز بها للسودان .. شجرة الحراز...
يقول الصلحي "كنت أشير إلى السودان فيما سبق بلون تراب الأرض, وبالون الأصفر والأحمر, ومنذ سنين مضت ركزت على فكرة شجرة الحرازة, التى يحكى أنها قد حاربت المطر, رمزا مني لإنسان تتمثل فيه قوة الشكيمة, والإصرار على الحياة رغم فظاعة الظروف وقسوة الطبيعة والجفاف والتصحر..
شجرة الحرازة هذه الضاربة عروقها بالأرض، والتي تتحمل مختلف التحولات المناخية وتزرع تحتها النباتات الصغيرة في موسم الجفاف ويتفيأ الناس في ظلالها الوارفها اتخذها الصلحي موضوعا لأعماله إذ يقول" أنا اهتم كثيرا بشجرة الحرازة ولذا اتخذتها في أعمالي الراهنة رمزا للإنسان السوداني البدوي الرعوي الأغبش, عفيف النفس المزارع المتوكل علي الله الحاصد, الصابر,القنوع (5)
-4-
ويشارك الفنان والكاتب الرصين العبارة حسن موسى في تمجيد مدرسة الصلحي والاحتفاء به عالميا ، ويقول كان في واقع الحركة الثقافية آنذاك ،بمثابة أوّل الطَّلْع الذي خصّب شجرة الفن التشكيلي في السودان فأثمرت أجيالا من المبدعين الساعين في دروب الإختراع التشكيلي و في خاطرهم مساهمة الصلحي، مرة كسقف أو كحائط يحد حركتهم،و مرة كثغرة ينفذون منها لغيرها، أو كدرج يصعدون [ أو يهبطون ] منه،و مرة كشمعة أو كنجمة يهتدون بها، و مرة كقنطرة يعبرون عليها ، أو كمشجب يعلقون عليه أوهامهم، كملجأ يأوون إليه او كهاوية أو كدوامة بلا قرار تبتلع كل من يضع قدمه في حبائلها بغير تحسب نقدي, لقد دشن مدرسة الخرطوم التى مازجت بين المروث العروبي الاسلامي والميراث الافريقي.
ويحكي طرائف ومفارقات موجعة في مسيرة الاستاذ ومنها ان ضابط جوازات شاب في مطار الخرطوم نظر الى جواز سفره متفحصا قبل أن يسأله ساخرا "حبشي وكمان عندك جواز سوداني " فقال الصلحي "نعمل شنو ياولدي .. هم ادونى ليهو " !(6)
ويكشف عن مفارقة عجيبة في ايام نميري الذي كان في زيارة لدولة عربية وكان رئيسها من المعجبين بالصلحي ودار الحديث بينهما ، فاستغرب رئيس الدولة ألا يكون الصلحي في طاقم وزراء السودان ، ووافقه نميري، وعند عودته اصدر مرسوما جمهوريا بتعيين صالحين وزيرا للثقافة والاعلام ! وعند اداء القسم فوجىء نميري بصالحين وليس الصلحي ..ومع ذلك اصبح صالحين وزيرا .. ومحال ان يرد او يعدل قرار الرئيس وهو نهج ضارب في القدم تمتد جذوره لملك من الفرس كان يهوى الشعر , وزار مدينة قم فاستقبله حاكمها بحفاوة بالغة وارتجل الملك شعرا ليعبر عن سروره وقال " أيها الحاكم بقم .. وتعذر عليه شطر البيت وحتى لا يطول سكوته أكمل قائلا " ايها الحكم بقم ,, قد عزلناك فقم " ! وفورا نفذ قرار الملك !..وتؤكد حالة ابوعاج وكذلك واقعة قميص ميسي ، كيف يحكم السودان !..
--------------------------
1- أ الكاتب الفرنسي ريجيس دوبري، ب النفري 2 --نزار قباني 3- الكاتب السوداني حمزة طمبل ، جريدة النهضة 1932 4 - حوار الاستاذ محمد جادين 5 - حوار الاستاذ محمد نجيب محمد 6- حسن موسى ومحد ابوجودة (مدونة سودان للجميع )

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.