حفزنى الاستاذ محمد ابوجودة ، عبر سلسلة من تعليقاته الرصينة ، فى عدد من منتديات التواصل الاجتماعى وبالتحديد سودانيزاونايل وسودانايل والفيسبوك وسودانيات ،باستعادة البوح عن الملابسات والمآزق الأمنية التى رافقت  عرض مسرحية (بوابة حمد النيل ) والتى قدمها المسرح القومي في مسابقة يوم المسرح العالمى  عام 1976 باخراج الراحل الاستاذ الريح عبد القادر ، وتمثيل نجوم  سطعوا و كانوا في بداية تجربتهم المسرحية، منهم الاساتذة الدكتور عثمان جمال الدين وجمال حسن سعيد وعبد الرحمن الشبلي،وصاحبتها ألحان الفنان المبدع ناجى القدسى واداء الفنان المتفرد ابو العركى البخيت واهداء من شاعرنا الكبير اسماعيل حسن. وعرضت المسرحية  ليوم واحد  وفصل بسببها الاستاذ الريح من وظيفته في المسرح القومى بحجة ان المسرحية تهاجم الرئيس نميرى شخصيا وتناهض ثورة مايو  .ويوثق الاستاذ عصام ابو القاسم لتجربة الاستاذ الريح بعنوان (بوابة وخروج ) في صحيفة الاتحاد الإماراتية في رثاء الاستاذ الريح بتاريخ 14 يونيو 2012 قائلا  : العرض الأول لمسرحية حمد النيل أخضع الراحل لمساءلات وملاحقات عدة ولكنه تمكن من الفرار بفكره المسرحى الى دولة الإمارات حيث وجد المجال رحبا وواعدا ..ويوثق الاستاذ صلاح يوسف في ذكرى الاستاذ الريح عبد القادر، قيام كادر الاخراج والممثلين بتحطيم المسرح القومى نتيجة لمحاولة ادارة المسرح لتغيير خاتمة المسرحية بدس نشيد يمجد ثورة مايو دون علم المخرج .وكانت الخاتمة التى اتفق عليها المؤلف والمخرج نشيد عزة في هواك لخليل فرح (2) وللتاريخ كان مدير المسرح القومى آنذاك الاستاذ بدر الدين هاشم الذى عارض التعديات الأمنية لكنه لم يفلح في ايقافها .
ونشرت فصلا من المسرحية التى تضمنت سته فصول في مجلة الدوحة عام 1980 وتكرم الاستاذ الجليل عبد المنعم عجب الفيا باعادة نشره في مجلة (أدب ونقد ) القاهرية عام 1992
 ورب ضارة نافعة .. فقد  اسست تلك المسرحية  لتحول جذرى في مسار حياتى ، نتحدث عنه تفصيلا بعد نشر الفصل الاول الذى قدمه الاستاذ عبد المنعم  عجب الفيا:

 

بوابة حمد النيل *


عند الفجر كان قد اكمل الترتيبات الضرورية لاعلان النبأ الهام ، فهو يعرف منذ ثلاث سنوات ان موعده صباح اليوم . وكعادته كان مستيقظا منذ الهزيع الاول من الليل ، لانه يصلي الصبح بوضوء العشاء.
انعشته نسيمات الصباح التي ما زالت تتعطر بالندي الممزوج بحمرة الشفق .. أطربه زقاء الديوك في وداعها لفلق الصباح ، الذي بدأ ينساب عائدا يحث الخطي ليلحق بموكب الليل ويمسك بأطراف عباءته ، مفسحا الطريق لاشعة الشمس ، التي تتعمد كل صباح اطالة وقفتها عند الغيوم ، حتي لا تحرمه نشوة الفرح التي تعرفها جيدا عندما تلامس مشارف ألافق لتشهد ميلاد يوم جديد .
كان يقف منتصب القامة متهلل ألاسارير منشرح النفس ، واثقا بانه سينجز اليوم مهمته ويزيل عبئا كبيرا سيمكنه من التفرغ لمواصلة سياحته . جال ببصره في ارجاء المكان ، أطمان الي انه أعد كل شيء بعناية وان اللقاء سيتم وفقا للصورة التي رسمها جيدا في ذهنه ...
سيدهشون عند رؤية الكوخ الصغير الذي شيده بعد منتصف الليل من سعف النخل وأعواد القصب عند طرف اللسان الرملي الممتد من داخل النهر ، والذي من اليسير الوصول اليه ،فالمياه في ذلك المكان ضحلة لا تصل خاصرة صبي في العاشرة .. لكن المفاجاة التي ستروعهم ستكون في الوقت المناسب ، عندما يخرج السكين الحاد النصل من جيبه .. و تحسس براحة يده نصل السكين ، وأطمأن بان ضربة واحدة منه تكفي لتدفق شلالات من الدماء ..ووضع مسبحته ألالفية المصنوعة من ثمار الهجليج (اللالوب ) حول عنقه ..
كان يطل علي القرية من الربوة العالية التي تفصل المنازل عن الارض الزراعية الصغيرة عند شاطيء النهر ، وباعلي صوته صاح وتدفقت الكلمات مدوية في وقار وجلال ، اكسبها سكون الصباح قوة اندفاع خارقة تجاوبت معها العصافير والدواب بالصمت واللهفة ، وسمعها كل رجل وامراة وطفل ، جميعهم كانوا يعرفون صوته ، فانطلقوا في حماس يتسابقون لتلبية ندائه ..، وتجمعوا حوله ، لاحظوا الكوخ عند طرف لسان الرملي داخل النهر ، لكنهم لم يجرؤوا علي سؤاله ، ولم يمهلهم ، قال بصوته القوي النبرات :

- أيها الناس ..اليوم موعدنا ... لن يتكر هذا اللقاء ابدا .. اليوم ساقدم لكم ما يبدد خوف ظنونكم . ستجدون أغلي ما تنشدونه " أمن اليقين " !
أيها الناس : من يريد منكم السير في طريقنا فليتقدم .. وتاكدوا ان الطريق لاتجاه واحد .. من أراد منكم الطريق فليتقدم .. هيا تقدموا ..!
سري حديثه بينهم مريحا مشجعا .. انهم يصدقونه فقد عودهم دائما ان اقواله افعال , وتعالت الصيحات :
- نريد الطريق ..
- نريد الطريق ..
- اننا مستعدون ..
- نحن رهن اشارتك ..
أشار اليهم بالهدوء ،، ارهفوا السمع . قال لهم :
هنالك شرط واحد ..
من أراد منكم الطريق عليه الوفاء بالشرط ، ولن نسمح له بالتراجع .
في لهفة صاح الحاضرون :
- نقبل كل شروطك ..
- امرك مطاع ..
- لن نتراجع ..
- كلنا مستعدون .
وعندما اخرج السكين من جيبه ولمع نصله الحاد مع انعكاسات الصباح ، صمت الجمع وساد سكون شامل .. العيون تتطلع في دهشة .. قال لهم :
- من أراد الطريق فليتقدم .. شرطنا الوحيد هو الذبح ّ ذبح من يوافق للسير في طريقنا .. وهو لاتجاه واحد ! هيا تقدموا .. الذي يقبل الشرط عليه الدخول في هذا الكوخ ، واشار باصبعه .. تقدموا ! صمت ..صمت ... صمت .
وفجأة قفز شاب في الخامسة والعشرين من عمره وانفلت من وسط الجمع وباقصي سرعته اندفع داخل الكوخ .. ودخل الرجل في اعقابه والسكين يلمع في يده ..
- لقد جن الرجل ( هتف احدهم ) .
- لا حول ولا قوة الا بالله .. لقد كان اعقلنا ..
- هل تعرفون من هو هذا الشاب ؟
- نعم انه عربس لم يكمل اسبوعه !
- لن يذبحه
- لا اظنه يرتكب جريمة قتل في وضح النهار !

وأطل الرجل من الكوخ وحده وسكينه تقطر دما ، ولوح بها في وجوهم ، بينما نزيف من الدماء يسيل خارج الكوخ مختلطا بمياه النهر .. الذعر يسود المكان .. اغمي علي عدد من النسوة .. صراخ عويل .. هستيريا من البكاء والنحيب .
ويتقدم الرجل ليقف في مكانه ويصيح مجددا :
- ايها الناس من اراد منكم الطريق فليتقدم ، الطريق لاتجاه واحد .. ويتعالي صياح الناس :
- انه مجنون .
- امسكوه لن تذهب دما العريس هدرا.
- اهجموا عليه .
ويفاجئهم شيخ وقور تجاوز الستين من عمره يعرفونه جميعا ، يتجه نحو الكوخ ، بينما تحاول مجموعة من الواقفين منعه ..يقاومهم زاجرا :
- مكانكم لا يلمسني احد ..أنا ادري بمصلحتي ، اذا كان العريس الذي لم يتجاوز الثلاثين قد ذبح ، فانا في الستين. واندفع داخل الكوخ وخلفه الرجل شاهرا سكينه .
انحبست الانفاس واحتقنت الوجوه بمزيج غريب من الغضب والخوف والالم والضجر ..
ثم أطل الرجل والدماء تقطر من سكينه ويديه ، فانحني يغتسل بينما تجمعت بركة قانية اللون حول الكوخ ..لم يتكلم احد ، كانوا ينظرون اليه في ذهول وهو يتقدم نحوهم بخطواته الثابتة وسكينه الطويل النصل .. وكرر النداء :
- ايها الناس ..من أراد منكم الطريق فليتقدم .. الطريق لاتجاه واحد ...!
صمت ..صمت ..صمت صمت الجمع مطرق ينظر تحت أقدامه .. بدأت نظراتهم تتجه نحو واحد منهم يقف في الصف الامامي ، فهو من وجهاء القوم ، وزعيمهم  معروف بقوته وباسه ، احرجته العيون المتسائلة المستنجدة .. تنحنح ضغط علي أسنانه في غيظ شديد وتقدم في خطوات وئيدة وهو يردد في صوت خافت : " ساذبحه قبل ان ينال مني " ودخل الكوخ والرجل خلفه شاهرا سكينه .
مضت الدقائق متثاقلة .. لم يظهر الرجل علي باب الكوخ .. طال الانتظار .. لا صوت .. لا حركة من ناحية الكوخ ..قال احدهم :
- الآن نهاية الرجل مؤكدة .
- لن نأسف عليه .
- لا أصدق ما حدث .
- امتحان رهيب ..

وخرست الأصوات .. جحظت العيون ، كان الرجل يقف امام باب الكوخ ممسكا بسكينه العتيد يقطر دماء طازجة وبهدوء خاطبهم :
يا قوم طريقنا صعب ..
وأحمد الله فقد خرج من بين صفوفكم ثلاثة رجال يستطيعون حمل الامانة ، انهم مؤهلون للسير بكم في الطريق ، ساغادر دياركم اليوم بعد ان اعانني الله علي اكمال مهمتي . وخرج من داخل الكوخ العريس الشاب ، والشيخ الذي تجاوز الستين ووجيه القوم .. كل واحد ممسك بجلد (الذبيحة ) التي فداه بها الرجل واوصاهم بان يجعلوا منها مصلي لهم .. وعندئذ تتدافع الناس بالمناكب يهتفون .. نريد الطريق ، نريد الطريق .. نريد الطريق .. وكان الرجل قد اختفي من بينهم .

 

-----------------

* يحي العوض
________________
هوامش كتبها الاستاذ عبد المنعم عجب الفيا :
** حمد النيل هو الشيخ حمد النيل العركي المعروف . الشيخ هو الشيخ تاج الدين البهاري  العريس هو الشيخ محمد عبد الصادق جد الصادقاب ، العجوز الشيخ بانقا الضرير جد اليعقوباب , وجيه القوم الشيخ عجيب المانجلك حاكم منطقة قري 10910-1019

*** نشرت القصة بمجلة الدوحة ( القطرية ) عدد ديسمبر 1980 كما هو ظاهر بالقصاصة ، وقد أطلعت علي القصة فور نشرها وانا بالصف الثالث الثانوي فاعجبت بها الي حد انها ألهمتني قصة اشتركت بها في مسابقة في المدرسة وفازت بالمركز الثالث .واذكر ان رئيس لجنة التحكيم كان استاذنا محي الدين فارس ، انعم الله عليه بالصحة والعافية .

*** * نشرت القصة - بوابة حمد النيل - بمجلة ادب ونقد القاهرية بملف خاص عن الادب السوداني بالعدد 80 ابريل 1992 وكان لي شرف اختيار مواد هذا الملف .


(1)    مداخلة  الاستاذ محمد ابوجودة


تعليق حول..(بوابة حمد النيل).. بمنتدى ســودانيات .. 14/أكتوبر/2005م للاستاذ محمد ابو جودة :

عزيزنا  عبد المنعم عجب الفيا:
لكَ التحايا ومديد الثناء على إمتاعنا بهذه القصاصة الثمينة، وقد صدَقَ حدَسنا بأنّك ولاشك، قد أتيتَ مُـحتقباً روائع من الإبداع السوداني القديم. فالقصة موضوع النقاش، جميلة وموحية ومُلهمة بالعديد من الأفكار، علاوة على إملائها العديد من الأسئلة. كذلك، تصاعُد السرد وتخيُّر رفع وتيرة الإثارة بظهور "نصل السكِّين "، هوَ في رأيِّ، شُغُـل محترفين؛ فالكاتب، واثق إلى حدٍّ كبير في الإمساك بمفاصل العمل الإبداعي، وجرّ القارئ محبوساً نَـفـَـسـُه حتى النهاية. مع ذلك، فإننى أتساءل: هل هذا "استلهام " فقط ..؟! من المروية الصوفية بخصوص الشيخ حمد النيل العركي، أم أنّه عملٌ أقربُ للتأريــخ والتأرَخة.

تساؤلات الأخ خالد الحاج، "رحمه الله تعالى وأحسن إليه" كَـ ــ: (القصة جميلة، وسؤالي هل يكفي الإيمان كموجِّه وهادٍ؟ وهل الانقياد الأعمي هو الإجابة ؟؟!! .. ) تساؤلات منطقية جداً جداً، تعبِّر في تقديري، عن تساؤلات أغلب القرّاء حينما يكملوا قراءة النّص. بالتالي فهذه دلالة قوية على نجاح " القصـّة ". ذلك أنّ العمل الإبداعي القصصي الذي يُنـتُج مثل هذه الأسئلة الجادّة، هوَ عملٌ كبيرُ النجاح.

الصوفية والتصوّف، ومنذ سنواتٍ طِوال، نبعٌ مايزال الكثيرون يهيمون بالتعرّف على مرتكزاته إن كان ثمّة مرتكزات ..! ولعلّ المبتغى الأسمى لهؤلاء، لايقتصر فقط على النّهم المعرفي العام، بقدرمـا يتداعى لأجل الوصول إلى قواعد ومحدِّدات، تفيد في تفسير الواقع، المأزوم والمُشبـَّع بالسِّمات الصوفية المتصاعِدة، حتى يضحى تغييره ميسورا.

يستند كثيرٌ من مؤرِّخي الإسلام السوداني، بأنّه قد نمى واحتمى، ومن ثمَّ انتشر بالتصوّف. حيث كان لآليات التصوّف من خلاوى وتُـقَّابات وذِكرٍ وكراماتٍ وإلهاماتٍ وتهويماتٍ، قصب السبق في تعميم العقيدة الإسلامية " الشعبية " لدى السودانيين في مختلف الحِقَب؛ لاسيما، وهذا النوع من الإسلام، قد تشرّب بعادات وتقاليد سودانية، فيها المسيحي، الوثني، الوافد وفيها الوطني. فيا تُرى : ما مدى صِحَة هذه النَّسَب ؟ وما علاقة هذا الإستناد - إن صَحَّ ! - بفشل الإسلام الرسمي الحالي؟ في موضعة الشعار [الإسلام هو الحل ] من جِهة، وارتفاع عديد الأصوات السودانية بالرجوع لإسلام السودان الشعبي التصوّفي السَّمت، المحليِّ السِّمة والمواطنيِّ النّزعات من ناحيةٍ أخرى ..

 

مداخلة (2) صلاح يوسف

البوابة وتحطيم المسرح القومى

صلاح يوسف
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

رحم الله المبدعين في مجال الغناء والمسرح والسينما، الذين غادروا الفانية إلى دار النعيم في الشهور القريبة الماضية، وكان آخرهم الصديق الممثل والمخرج القدير الريح عبد القادر سائلين الله أن يسكنهم فسيح جناته ويلهم أهلهم وذويهم الصبر والسلوان00 لقد رحلوا بعد أن ترك كل واحد منهم بصمته الواضحة في مجاله الإبداعي لتنير طريق من يتلمسون الدروب، وكان الريح عبد القادر قد شق طريقه الفني منذ الستينات معتمداً على موهبته في التمثيل وملكاته الدرامية التي صقلها بالدراسة فتخرج من قسم الدراما بمعهد الموسيقى والمسرح ضمن الدفعة الأولى حيث لا زلت أذكر له مشروع تخرجه بمسرحية الحسين شهيداً، التي ألفها عبد الرحمن الشرقاوي، وأبلي فيها الريح بلاء حسناً من حيث الأداء التمثيلي والإخراج ثم أطل بأعمال عديدة تمثيلاً وأخراجاً بالإذاعة والتلفزيون والمسرح ومنها مسلسل المقاصيف وقطر الهم وأبناء الأفاعي والوطاويط والمرابي وأمينة ونمر من ورق0 ولعل أبرز مسرحياته، النار والزيتون وتاجوج ومسرحية بوابة حمد النيل التي أخرجها في العام 1977 وعرضت لمرة واحدة فقط وانتهت بملاحقات أمنية وإيقاف لمن شاركوا فيها رغم أنها كانت ضمن مهرجان المسرح الذي أقيم بعد أول مهرجان للثقافة بغرض تكريم المسرحيين 00وهنا أعادتني الذاكرة إلى مفكرتي التي نشرت عام 1995 حيث قلت فيها:

(أذكر أن التنافس كان شديداً بين المسرحيين للدرجة التي جعلت البعض يستعدي السلطة على الآخر ويجر إلى ساحة المسرح بعض اللجان للتحقق من أبعاد المسرحيات لمعرفة ما إذا كانت مواليه للنظام أم أنها تنخر في عظامه 0 ولما كان واضحاً للذين شاهدوا بروفات المسرحيات المتنافسة في قطاع المحترفين أن مسرحية (بوابة حمد النيل) من تأليف يحيى العوض وإخراج الريح عبد القادر ستكون الأولى بلا منازع، فقد تم بإيعاز من الذين سوف لن يرتاحوا للنتيجة لو جاءت وفق تقديرات المراقبين، تكوين لجنة اجتمعت بالمخرج وشاهدت المسرحية ولكنها لم تر عليها غباراً سوى تغيير بعض المشاهد مثل مشهد موكب جنازة الشهيد الذي أراد له المخرج أن يكون ملفوفاً بثوب أحمر ويأتي من بين المشاهدين0 فقد تم تعديله لكي يظهر من الخشبة على أن يكون الشهيد ملفوفاً بالثوب الأبيض0 كذلك تم الاتفاق على تخفيف التركيز على بعض العبارات المعينة لكي لا يتأمل المتفرج كثيراً في مدلولاتها0 وفيما أظن إن المخرج قد قبل ذلك حتى لا يضيع جهده وجهد الآخرين0 ولكن عندما جاء يوم العرض والذي استمر سلساً رغم عدم التزام بعض الممثلين بتخفيف التركيز على بعض العبارات، كانت هنالك مفاجأة لا يدري أحدٌ من الذي كان وراءها0 فمن المفترض أن ينتهي العرض بتشابك أيدي الممثلين وترديدهم لأغنية عزة في هواك لكونها من التراث الوطني الذي غرسه فينا الشاعر والفنان الخالد خليل فرح، ولكن بدلاً من ذلك انبعث صوت النشيد المايوي (لك يا مايو) متزامناً مع تشابك ورفع الأيدي، فكان كالصاعقة التي أثارت حفيظة الممثلين بما فيهم المخرج الذي كان بحكم أنه أيضاً ممثل، لم يتمكن من مراجعة شريط التسجيل قبل تشغيله0 وهنا تحول ختام المسرحية إلى ثورة غضب تحول فيها الممثلون إلى عناصر ثائرة دمرت كل إكسسوارات وديكور المسرحية مما أدى إلى إبعادها عن دائرة المنافسة ومعاقبة الممثلين والمخرج بالإبعاد عن دائرة الضوء ردحاً من الزمن)

رحم الله الريح عبد القادر، فقد كان فناناً يتدفق حيوية وسحراً إبداعياً حتى في حركة تعامله الحياتي العام ويدهشك أيما إدهاش عند تقمص أدوار الشخوص بمختلف أبعادها ويسحرك برؤاه الإخراجية لدرجة كبيرة

إنا لله وإنا إليه راجعون

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.