عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نستدرج الذاكرة، بعيدا عن تخوم السياسة، الى توأمها ..."فردوس الحمقى"...."صاحبة الجلالة" الصحافة!

          "فالسياسة هي فن الممكن"...

          و"الصحافة فن المستحيل"...!!

الصحفي،"مثل الفراشة التي تنقاد الى ألسنة النار، لن ترجع عن اللهب حتى لو احترقت أمامها ألف فراشة أخرى،طالما كانت الشعلة التي تتأجج في جوفها، وتدفعها الى الأتون، أقوى من اللهب وأشد سلطانا من فيض الجحيم"!

          "الصحفي يعمل فى النهار "كأنه باق أبدا"

          "ويسهر الليالي كأنه زائل غدا"!

نسبة القتلى والموتى من الصحفيين في ميادين العمل أو بالأمراض الناتجة من التوتر والقلق هي الأعلى، مقارنة بالمهن الأخرى، كما تفيد احصائيات منظمة الصحة العالمية..! أكثر الأبناء حرمانا من تواجد الآباء معهم بصورة منتظمة، أبناء الصحفيين!.. وزوجاتهم مقهورات بضرة تتفوق على ثلاث ضرات مجتمعات من بنات حواء!!

وأتذكر صباح الجمعة 30 يونيو عام1989م،عندما أيقظتني زوجتى:

"قم... نائم الى ألان؟؟ البلد فيها انقلاب !"

وفركت عيني مندهشا، ففاجئتني عيناها موطن جمالها ببريق لم أعهده من قبل، كنت أداعبها دائما بأبيات الأستاذ التيجاني يوسف بشير:

تبارك الذي خلق

 من نطفة ومن علق

سبحانه مصورا

من حمأة الطين حدق

شق الجفون السود

واستل من الليل الفلق

 

وكانت تجيبني ضاحكة..."التيجاني على العين والرأس ماعندك شئ لإبراهيم عوض!"

ذلك الصباح كانت عيناها تضجان مكرا وشماتة، والشماتة "فاكهة لذيذة  في شوارع الفقراء"، والزوجات المقهورات بالضرات!! كانت تعلم ان ضرتها لن تستطيع نشر أهم خبر في حياتها،اعلان حظر صدورها ابتداء من الغد مع الأحزاب السياسية وفقا "للبيان الأول"!

ولم يكن انقلاب يونيو الأول في حياتي المهنية، الا انني في هذه المرة كنت صاحب جريدة يومية،"النهار" ومجلة شهرية"القوم"، ومسؤول عن رواتب عدد كبير من الصحفيين والموظفين والعمال(1)... ومن ثم تضاعف همي وغمي ...ومع ذلك تغلب جنون هذه المهنة العجيبة وقفز الى ذهني اغراء تحقيق سبق صحفي نادر كما حققناه وزميلي الأستاذ عبدالله عبيد حسن مدير تحرير جريدة التلغراف ظهر يوم انقلاب 25 مايو 1969م!!

في ذلك اليوم انجزنا سبقا صحفيا أقرب الى المعجزة، حضرنا وشاركنا في أول اجتماع مشترك لمجلس قيادة الثورة ومجلس الوزراء،دون اكتشاف هويتنا،الا بعد الإحتماع!!

لعبت الصدفة دورها ، مقرونة بجرأة الصديق الأستاذ عبدالله عبيد حسن، مدير تحرير جريدة التلغراف،والمقيم ألان مع أسرته في كندا..

بعد اذاعة البيان الأول لإنقلاب مايو، دعا العقيد جعفر محمد نميري الى اجتماع مشترك بين مجلس قيادة الثورة والوزراء الذين أعلنت اسماءهم لأول مرة عبر الراديو،وتحدد اللقاء في مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة..

والتقيت الأستاذ عبدالله عبيد حسن في مقهى السليمانى بالخرطوم اثنين والذي اغلقه الرئيس نميري في مرحلة لاحقة باعتباره مقرا لمثقفي الثورة المضادة.. وكان الأستاذ على حسنى، عميد معهد الخرطوم الفني من زواره ومن ابرز المتهمين بترويج النكات الساخرة ضد النظام!...وكان صاحب المقهى السيد محمد حسن السليماني السوداني الأصل من الشخصيات التاريخية التي لعبت دورا مؤثرا في السياسة المصرية..

ويقول الأستاذ أحمد حمروش في كتابه عن أسرار ثورة 23 يوليو: "أن أنباء حركة الجيش تسربت الى السراي من مصدرين مختلفين، الا أن توقيت ابلاغهما النبا الى الملك جاءت في وقت واحد تقريبا،حوالي التاسعة والنصف مساء ليلة الثورة، سار البلاغان في خطين متوازيين والتقيا في النهاية عند شخص واحد هو محمد حسن السليماني،"شماشرجي الملك" وأمينه الخاص، وحلقة الأتصال الوحيدة به!! ولم يكن فاروق في تلك الليلة يعاني من أية هموم أو مشكلات بل على العكس، كان منشرح الصدر بادي المرح..وكانت الليلة موعدا لأقامة حفل ساهر بالبهو الكبير الثاني من "قصر المنتزه"، ابتهاجا بتقليد زوج شقيقته اسماعيل شرين منصب وزير الحربية ... وفاجأ محمد حسن السليماني الملك وأسرته، بدخوله الحفل،من دون توقع أو انتظار مما يدل على حدوث أمر خطير، فسكتت الموسيقي عن العزف، وكف الراقصون عن الرقص واستمع فاروق في انزعاج الى النبأ المثير من خادمه الخاص .. ولكنه لم يلبث ان تمالك اعصابه، وهز كتفيه وأطلق ضحكته المدوية قائلا مش معقول الكلام ده، الجيش في جيبي!"

واعتقل السيد محمد حسن السليماني بعد نجاح ثورة يوليو الا ان اللواء محمد نجيب وهو أول رئيس للجمهورية المصرية، أطلق سراح السليماني الذي عاد الى وطنه السودان ومن بين استثماراته كام مقهى الخرطوم "اثنين" الأنيق.. وقد رفض كل الإغراءات المادية  للكشف عن الأسرار الدفينة لقصر عابدين والتشهير بالملك فاروق .. ومن بين المشاريع التي قدمت له كتابة مذكراته ونشرها في عدة صحف عالمية، من بينها "نيوزويك" كما أخبرني بذلك الأستاذ محجوب عمر باشري، والذي أوكلت اليه الترجمة الى اللغة الإنجليزية لكن السيد السليماني رفض كل العروض!

وتوجهت مع الأستاذ عبدالله عبيد حسن الى القيادة العامة، للقوات المسلحة، حيث بدا توافد الوزراء، ومررنا بسهولة عبر بوابة القيادة العامة، وبكل ثبات وجرأة "وقوة عين" دخلنا قاعة الإجتماعات مع الوزراء الجدد... وكان في استقبالنا اعضاء مجلس القيادة وفي مقدمتهم العقيد جعفر نميري، وصافحناه وجلسنا على الطاولة المواجهة والمخصصة للوزراء، وكان معظمهم يعرفونا، وحسبونا من الكادر الصحفي الذي يعمل مع مجلس قيادة الثورة..كما اعتبرنا اعضاء مجلس قيادة الثورة من الورزاء الا واحدا منهم،الرائد فاروق حمد الله سكرتير المجلس الذي تطلع الينا في دهشة واستغراب..!

كان يزورنا في السودان الجديد اثناء عمله في مصلحة التعاون  بعد فصله من الجيش وكان من  المعجبين بتحقيقات صديقي وزميلي الأستاذ ميرغني حسن علي.. لذلك فوجئ بوجودي في الإجتماع وكان في حيرة من  أمره..هل من المعقول ان نتجرأ وندخل القيادة العامة للقوات المسلحة دون دعوة؟ أم أن نميري بدأ ألاعيبه مبكرا، باختيار اثنين من الصحفيين مستشارين لمجلس الثورة دون أن يخبرهم..؟

وكان الإرهاق يبدو على أعضاء مجلس القيادة، وقد أمضوا ليلة طويلة يتابعون تطورات الأحداث وردود الأفعال من مختلف الأفرع العسكرية في لعاصمة والأقاليم ..  وقد نجح الإنقلاب دون اراقة دماء وبسلاسة ، مما جعل الأستاذ محمد ميرغني مدير وكالة انباء "رويتر" والذي كان مساهرا كعادته كل ليلة في "الجراند هوتيل"، وشاهد تحرك الفوج الأول من الدبابات تجاه القصر الجمهوري، فأبرق الى الوكالة بالخبر قائلا ان دبابات الإنقلاب توقفت عند اشارات المرور عندما اضاءت بالأحمر ، فاحترمت قانون المرور وخرقت الدستور!

وكنت وزميلي عبدالله نتبادل النظرات في حزم ووقار ورسمنا على وجهينا تكشيرة مصطنعةلأخفاء النشوة المهولة التي تملكتنا ونحن في وضع اسطوري لا يحلم به صحفي!

وبدأنا في تدوين الحوار التاريخي بين قادة الإنقلاب والوزراء .. كنا نزدرد في تلذذ ولهفة هذه الوجبة التي نزلت علينا، كأنها مائدة من السماء!

وفي واقع الأمر كنا مثل الطفيليين في بيوت الأفراح، يصعب معرفة انتمائهم لأهل العريس أو العروس!

وكانت الحصيلة صيدا ثمينا..استمعنا للعقيد جعفر نميري، مشوش الشعر، يحكي بالتفصيل أهداف  الثورة ومراحل التحضير والتنفيذ من خور عمر، وشرح الموقف الأمني ومصير زعماء الأحزاب وعلاقات الثورة بدول الجوار والمجتمع الدولي .. وكان الوزراء  في غاية القلق عن موقف أفرع القوات المسلحة في الأقاليم  محذرين من تجربة الأميرالاي  عبدالرحيم شنان والأميرالاي محي الدين أحمد عبدالله وسهولة تطويق العاصمة من وحدات من الأقاليم!! وتوالت استفساراتهم في هذا الإتجاه وبالطبع التزمت وصديقي عبدالله عبيد  الصمت التام، وأحكام قناع الجدية والمسؤولية على وجهينا!

وبعد نهاية الإجتماع توجه الرائد فاروق حمد الله نحونا، وابلغنا بهدوء اننا حققنا أول اختراق حقيقي لأمن الثورة!! وأضاف مبتسما ، لولا معرفتي بكما ومن نواياكما لكنتما ألان أمام محكمة عسكرية ايجازية!.. وأكد لنا أن نشر كلمة واحدة عن هذا الإجتماع أو حتى الثرثرة حوله، ستكون عقوبته رادعة ... وأخذ أوراقنا وودعنا ...!

والمعروف أن نظام مايو ابقى على الصحف وملكيتها المستقلة طوال عام كامل قبل تأميمها عام 1970م

ولم يكتف الأستاذ عبدالله عبيد حسن بهذا السبق الصحفي، قادني رأسا الى وزارة الإعلام وكان في استقبالنا الأستاذ حسن الزين وكيل الوزارة والمسؤول عن تصريف شؤونها بعد اعتقال الوزير عبدالماجد ابوحسبو .. وفوجئت بالأستاذ عبدالله يتحدث عن ضرورة اعادة اصدار جريدة الجمهورية التابعة للوزارة باسم "الاحرار"، ورحب الوكيل فهو يعرف انتماء الأستاذ عبدالله للقوميين العرب، طلائع الإنقلاب كما كان يعرفني جيدا ،، مما يعني اننا نمثل التيار الجديد الحاكم .. لكني لم أذهب بعيدا في مشروع الأخ عبدالله عبيد الذي اصدر بالفعل جريدة "الأحرار" وترأس تحريرها، ولم اعمل ليوم واحد في صحف مايو!

قفزت تلك المشاهد التي عشتها صباح انقلاب 25 مايو 1969م الى ذهني صباح 30 يونيو 1989م فتوجهت فورا الى مكتب "النهار والقوم" بالخرطوم "اثنين"،طمعا في انفراد صحفي جديد!! وتوافد الزملاء والزوار من الدبلوماسيين، وكان بينهم، السكرتير الأول للسفارة اليابانية، ودبلوماسي من السفارة الإيرانية والملحق الصحفي لسفارة نيجيريا والقائم بالأعمال لسفارة كوريا الشمالية والأستاذ أحمد رجب القنصل العام لسفارة جمهورية مصر العربية والذي بادرني متسائلا .. ماتقييمك لما حدث؟!

...........................................................................

 (1)تشرفت بالعمل مع زملاء أجلاء في "النهار والقوم"، وأنشر في مايلي قائمة بالأسماء مع حفظ الألقاب والتراتبية والأعتزار للأعزاء الذين تسربت اسماؤهم من ثقوب الذاكرة المكدودة:

جريدة النهار:

الأساتذة :

شفيق شوقي،مديرا للإدارة وخلفه عبدالله البشير محمد نور.

التحرير : حمزة هاشم جابر،ثم بابكر ابوالدهب، "ادارة التحرير" جمال عبدالله الزبير "سكرتير التحرير" صلاح عبدالرحيم الأمين "القسم الإقتصادي" مصطفى عالم "القسم الرياضي" عبدالوهاب عبدالله كواب "القسم الثقافي" خالد ريحان الكريكاتير، العميد اسحق محمد سعيد "المحرر العسكري".

المحررون : جهاد الفكي،زين العابدين أحمد محمد، معتصم محمود، اسامة احمد موسى،مصطفى شعيب، احمد السنوسي،احمد ابراهيم، محمد اسماعيل عمرابي، هشام عبدالقادر، عمر المبارك الحسن،عبدالحميد عبدالقادر, محمد ابراهيم الزبير،آمال سراج ، سعاد عبدالله حامد، عواطف محجوب،هويدا محمد عوض الله،هويدا الشوية، حنان سكندي، لبنى يوسف على ، منى عبدالفتاح،وفاء حمزة تميم، ايمان عثمان، نهلة الصديق، صديق عوض، عادل يوسف عوض الكريم، عماد ساتي، صلاح تميم، أمين محمد زين، محمد عثمان على الهادي، محجوب مساعد.

وتشرفت في مجلة "القوم" بالمجموعة الرائدة في علوم التصوف وكانت انطلاقة "القوم" ادارة وتحريرا كما يلي:

مجلس الإدارة : المهندس النعيم محمد الأمين ، الأستاذ عوض كامل، الأستاذ عبدالعال عبد الباري.

المستشارون : البروفسير الشيخ حسن الفاتح قريب الله، الأستاذ عبدالجبار المبارك، الأستاذ بخيت الفضل والأستاذ بخيت محمد زكي.

المحررون: الأساتذة أحمد المختار أحمد، الزين الخاتم الحجاز، قريب الله، عبدالرحيم أحمد وقيع الله، أنس محمد عثمان.

 

المذكرات من 1-9 سودانايل

منبر الرأي