عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ذكراه، من صميم سياقنا، السودان :المنارة أم الجسر؟

بفكره كان جسرا للتواصل، لم يغيب في متاهات "الأحوال" وإغواءات المصطلحات..."وحدة الأفعال" "المهدي المنتظر"، "أستاذ المهدي" أو "المسيح المحمدي"!! لم ينافح عن مقام متميز لوطنه ... ومن حسن حظه، لم تعترف به فضائية "ساهور" وشقيقتها "اذاعة الكوثر" التي أعلن مديرها بدار قتصلية السودان بجدة يوم الخميس 3 سبتمبر 2006م:

"شاهدنا الرسول صلى الله عليه وسلم في الرؤية أكثر من مرة داخل الأستديو يتهيأ لتقديم البرامج" (سودانيز أونلاين 4/9/2006م)

كان محظوظا برحيله باكرا ....!!!

مكانته خارج وطنه سامقة، مع قمم التجديد من مجايليه، محمد عابد الجابري، محمد أركون،محمد جابر الأنصاري، خالص جلبي ونصر حامد أبوزيد...

التقينا أيام الصبا الباكر، ولم نفترق، في مدينة متفردة في عطائها وفي تميز أبنائها...صلاح بشرى،سليمان موسى،أبراهيم المحلاوي،العم عبدالقادر سالم، قاسم أمين، الطيب حسن، الشفيع أحمد الشيخ، موسى متى، هاشم السعيد، الحاج عبدالرحمن،المنبثق، الرشيد مهدي، حسن خليفة العطبراوي،بشير الطيب،سعد أمير طه،محمد ابراهيم الشوش،أحمد الأمين البشير وعوض الله دبورة...

سبقناهم بعام دراسي واحد في عطبرة الثانوية، على بابكر الكنين وشخصي.. ولم نفترق عنهم، مع تباعد المسارات والإتجاهات والمسافات.. وكان هو رائدهم :

محمد أبوالقاسم حاج حمد..

وكانوا جميعا رموزا وعطاءا دافقا، "العبادلة"، عبدالله على ابراهيم، عبدالله صالح، عبدالله المحسي وفتحي فضل .. ورغم رحيل ثلاثة منهم، الا أن الصديق "أبدا لايموت .. سوى أنه ليس يسمعك ولم يعد ينظر الى العالم من خلال عينيك ولن يتمكن من مشاركتك بآخر مالديك من نقود"، لمشاهدة فيلم جديد، أو شراء كتاب من مكتبة دبورة وبعدها مكتبة حامد المطري في المحلة الوسطى بالخرطوم..!!

زميلي وصديقي، على بابكر الكنين، كان يبدو مثلنا في تلك المرحلة ..من "رفاق درب الشيوعيين، وليس فهم"! ولكن "تقيته" التي استمرت لأكثر من أربعين عاما، أفصحت ألان عن دوره القيادي، السكرتير التنظيمي للحزب الشيوعي،ورئيس مجلس ادارة جريدة "الميدان" ...هدؤه،تواضعه،عزوفه عن الأضواء،مؤهلات يفتقر اليها الكثيرون من صيادي المناصب! الذاكرة، تغريني، بفتح تلك النافذة...بالطبع..ليست نافذة الرفيق جورباتشوف التي فتحها للتهوية "فأطاحت بالبيت كله "! ...تجدني منحازا للمقولة الشعبية الروسية المتداولة بعد انهيار الإتحاد السوفيتي، وقد زرته خمس مرات:

          مجرد من الرحمة ذلك  الذي لم يحزن لإنهيار الشيوعية الكبرى، ومجرد من العقل ذلك الذي يتمنى عودتها من جديد!

          ميخائيل جورباتشوف يبرر اسباب العاصفة التي اقتلعت البيت كله، بأنها جاءت نتيجة للإصلاحات المستمدة من التقدم التكنولوجي والتحسن الذي طرا على مختلف مجالات التعليم والثقافة،"مما خلق رفضا واسعا للنظام الشيوعي وسياسته المفروضة على الشعب"!!

          وتقول مارجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا، ان تكلفة حرب النجوم والجوانب المتعلقة بها قصمت ظهر الإتحاد السوفيتي لأنها كانت تحتاج الى تقنيات كمبيوتر متقدمة لم يكن الإتحاد السوفيتي يملكها وكانت تلك النقطة أيضا نهاية لسباق التسلح ولتحجيم الإتحاد السوفيتي.

          أما الدكتور بلاتونوف عالم الإقتصاد الروسي الشهير قال أن هدم الإتحاد السوفيتي كلف أعداءه رصد تسعين مليارا من الدولارات ضمن مخطط غربي أطلق عليه مشروع "اشاعة الديمقراطية" في الإتحاد السوفيتي مابين 1985-1995م وأكد لصحيفة روسكي فيستنيك الروسية ان كل هذه المبالغ تم انفاقها على عملاء في آخر برلمان سوفيتي وكذلك على وسائل الإعلام .. وقال أن هذه الخطط تمت بعلم كل من ميخائيل جورباتشوف والكسندر ياكوفلييف عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي والمشرف على الدعاية الحزبية وتطوير مفاهيم الحزب التي كان من بينها شعار "الجلاسنوست"، أي سياسة المكاشفة والمصارحة .. وقال: الغرب انتصر في الحرب العالمية الثالثة دون اطلاق رصاصة واحدة !!

وحتى لا أغضب صديقي عل بابكر الكنين، وهو قلما يغضب، أنقل له الطرفة التي تتردد في دول أوربا الشرقية والتي كانت ضمن الإمبراطورية السوفيتية:

سؤال : ماهو أسوأ شئ في الشيوعية؟

جواب : ماسيأتي بعدها...!

رواها الأستاذ جهاد الخازن!

وبالطبع ليس للتاريخ محرك سرعة خلفي..لكني، أتساءل: مع استمرار زعماء المدى التاريخي في قيادة أحزابهم في السودان، لأكثر من أربعة عقود: هل كان سيتغير الوافع الذى نعيشه ألان، لو استمر الأستاذ عوض عبدالرازق أمينا عاما للحزب الشيوعي السوداني، والأستاذ صادق عبدالله عبدالماجد، أمينا عاما للأخوان المسلمين؟

هل كان سيتوقف السجال الإنقلابي بين الحزبين، الذي أوصلنا الى المأزق الذي نعيشه ألان ؟

          هناك شهادة تاريخية أتمنى من جيل الشباب الوقوف عندها ومقارنتها بالمصكوكات التي ورثناها:

          أكبر حزب شيوعي في أفريقيا ..!

          وأول حزب إسلامي يؤسس دولة إسلامية سنية بعد دولة ايران الشيعية ...!

          وماذا ...كان الحصاد ...؟؟

          يقول الأستاذ عبده دهب في شهادته وهو من الرعيل الأول الذى أسس الحزب الشيوعي السوداني:

          انضممت الى تيار الأستاذ عوض عبدالرازق عام 1952م وهو التيار الذى  دعا الى دمج الحزب الشيوعي ، أو الكوادر اليسارية، الى الاحزاب الجماهيرية الكبرى، حتى تقوم هذه الكوادر مقام القلب في هذه الأحزاب وتقودها الى طريق اليسار أو تحملها الى تبني الشعارات اليسارية المتعلقة بالعدالة الإجتماعية ومناهضة الإستغلال وتحقيق

          التحرر الوطني، والإنفكاك من القهر الطبقي، وعندما دعونا الى هذا الطريق،اتهمنا بالتصفوية وهو اتهام لو تعلمون عظيم في البيئة الشيوعية في تلك المرحلة "صحيفة الإتحادي عوض عبدالرازق 20 ابريل 1998"، وليت جيل الأبناء ينصفه،على الأقل، بتقييم أطروحاته بتجرد وموضوعية!

          أما الأستاذ الجليل صادق عبدالله عبدالماجد وقد أكرمت بذكرياته عن سنوات السجن في عهد الرئيس نميري ونشرتها في "النهار أغسطس 1987م"، كان مهتما بالتربيةوتزكية النفوس وسط شباب الأخوان، وهو قدوة في السلوك القويم وعفة اللسان  والزهد  وكنت ألقاه كثيرا لجواره لمسجد الشيخ البشير محمد نور في شمبات، بل كان يماثله في سمعته  وخلقه ، ولم يتفوه بكلمة واحدة مما عهدناه من آخرين في نقد الصوفية والتطاول عليهم!.. وسوف تبقى صرخته عام 1993م، "أخشى على أهل السودان من الردة " شهادة ادانة دامغة لإجتهادات الدكتور حسن الترابي!!

          وصديقنا الدكتور عبدالله علي ابراهيم، لم يتوقف عطاءه ماقبل ومابعد تجربته الشيوعية وهو مع الأستاذ الكبير الخاتم عدلان، يمثلان تيارين في التجديد والاستنارة... وأملي أيضا ان يتدارس جيل الابناء التجربتين والخروج من قوقعة الادانات الجاهزة العقيمة ...!

          ويحاول عبدالله على ابراهيم بكل جهده الا يتوقف عطاءه وهو الان يناطح الصخر، مقتسبا لشعار جرامشي الشهير والذي تبناه ايضا الصديق حيدر ابراهيم:

          "كن واقعيا وأطلب المستحيل !

وأعلن ترشيحه لإنتخابات الرئاسة في السودان، فهو الشخص المؤهل للمنصب ،في رأي، ولذلك  لن يتم إنتخابه !!

هكذا حالنا ... كل امرئ يحتل غير مكانه!

          الصديق فتحي فضل، يجسد ضمير جيل شحبت احلامه وسمقت اخلاقه، وظل مرفوع الرأس شامخا  بعد انهيار منظومة اتحاد الشباب العالمي ، والذي كان أمينا عاما له  لعقدين من الزمان وهو أول وآخر أفريقي في هذا المنصب العالمي ... كان من براغ ملاذا وراعيا للشباب، وقدم خدمات جليلة لشباب السودان والعالم في مجالات التعليم والعمل والرعاية الطبية.. وأقترن برفيقة دربه، طببية من كوبا... التقيته قبل سنوات قليلة في لندن ... وقلت له مندهشا ... كأنك يافتحي في عز الشباب.. يبدو أن انشغالك الدائم لم يمنحك الوقت الكافي لتشيخ مثلنا!

          الصديقان، عبدالله صالح وعبدالله المحسي، كانا الأكثر شجاعة في المجموعة...جميعنا حزم"بقجته" من قبل أو من بعد، وغادر ... وظلا استثناءا داخل السودان يبشران بفجر جديد رغم الحسرات وانكسار الأحلام .. وحملا هموما بعد انقلاب 1989م تنوأ بها الجبال، فأشفق عليها الموت، وربت عليها، مستأذنا لأخذهما الى راحة اجبارية في مرحلة مبكرة من العمر!!

          وعنده اتوقف باستفاضة ... في الذكرى الخامسة لرحيله 20 ديسمبر 2004م محمد أبوالقاسم حاج حمد... كانت آخر عبارة قالها في لقائنا بأسمرا قبل شهرين من رحيله: "دعني اقتبس لكل هذه العبارة المشحونة بطاقة المعنى ومرارة التجربة،" نحن جيل مأزوم نشأنا في زمان الحتميات التي حملته على السعي لتطويع الواقع للرؤى الأيدولوجية المعتقدية وليس امتحان تلك الرؤى على أرض الواقع لإستكشاف صلاحيتها"!!

          وقد إلتقيته في جميع المحطات الرئيسية في حياتي،فهو يشكل"انموذجا للمثقف والمفكر الذي يفعل على بلوره أفكاره الى واقع" وتوطدت علاقتنا وأستقرت عبر بوابة الثورة الأرترية،والتي كانت لجيلنا في مرحلة العنفوان الثوري،وارتفاع مده في العالم الثالث، العزاء لنا على انكسار حلمنا عندما اجهضت ثورة أكتوبر 1964م، والتي أضافت تفردا في النضال ضد الديكتاتوريات العسكرية، ولكن سرعان ماتم حصارها وأفرغت من مضامينها وعادت مجددا القوى التقليدية الى السلطة ...نفس القوى الموجوده ألآن بقياداتها التاريخية التي ضيعت مجد أكتوبر وتدعي ألان أنها ستعيده! وأستفيض قليلا في نعيه الذى نشرته يوم23/12/2004م،بأن المشهد ألان كأنه يماثل صباحات أكتوبر العظيم ..أنقسامات، تشظي،ادعاءات، تفرق في تنظيمات هشة، أحزاب منقسمة على نفسها من شيوعيين وبعثيين وقوميين وقبائل وأفخاذ!.."وعلك" الشعارات حتى عسر الهضم!..

          ومع محمد أبوالقاسم استقر بنا المقام عام 1965 في حزب الشعب الديمقراطي بقيادة الشيخ على عبدالرحمن،الذي حمل لقب "الشيخ الأحمر"،كان في الصباح يرأس اجتماعات المؤتمر العربي الإسلامي، وفي العصر يقود مظاهرات التضامن الآسيوي الأفريقي بميدان أبوجنزير الذي كان بمثابة بيته الثاني، كان ختميا وناصريا واشتراكيا وأصوليا!!

          وكان محمد ابوالقاسم كعادته بارعا في التنظير، يطمئني بقوله، عدنا الى جذورنا الختمية، سنعمل على التغييير من الداخل، هؤلاء هم الأقرب خلقا وسلوكا من الأشتراكيين "الأقحاح" هكذا كان يعتني بفخامة وفحولة تعبيراته، بصوته المرعد وبلازمته الدائمة "الجدلية" في كل أحاديثه، ورغم أنه كان أقرب الى منطلق الوحدة العربية من المفهوم العفلقي لا الناصري، كان جادا في انتمائه الى حزب الشعب الديمقراطي .. وفي وقت وجيز اختير عضوا في المكتب السياسي للحزب .. وكان أصغر الأعضاء سنا، ورغم أن والده كان من أقطاب الختمية الا أن اختياره كان عن جدارة ويعبر عن ثاقب بصيرة الشيخ على عبدالرحمن الذي رأى احتضان المثقفين الشباب المنحدرين من أصول ختمية... لكن لم يتوافق هذا الإختيار مع رؤية الحرس القديم، والذي مازال نافذا وقادرا في دهاليز الختمية، بمختلف مراحل مسميات أحزابها، بدأوا حملة شعواء على محمد ابوالقاسم، أتهم بالولاء لحزب البعث وأنه يعمل على تغيير هوية حزب الشعب وفقا لأجندة مدروسة ومرسومة!

          وبدوري كنت متهما بالإنتماء الى الحزب الشيوعي، وكما قلت"كنت رفيق دربهم ولست منهم" وعزز ذلك مراسلتي لوكالة أنباء تاس السوفيتية قبل افتتاح مكتب الخرطوم .. وأختارني الشيخ على عبدالرحمن مستشارا لرئيس تحرير جريدة "الجماهير" الناطقة

          باسم حزب الشعب، لإضفاء صبغة المهنية على الصحيفة، خاصة وأن معظم العاملين فيها من الكتاب وليس من محترفي العمل الصحفي.. وكان رئيس تحرير "الجماهير" الأستاذ عبدالمنعم حسب الله كريما في تعامله معي، بينما كان نائبه الأستاذ محمد الخليفة طه الريفي، يرخي نظارته على أنفه عند دخولي مكتب الجريدة، ويقول بصوت خفيض لكنه مسموع  الخبراء الأجانب وصلوا!!

ونتبادل الإبتسامات وأحيانا الضحك بصوت عال! ولم يشفع لي إكتشافي لخطأ جسيم وشنيع في مانشيت "الجماهير" .. كنت أراجع صفحتها الأولى كل ليلة قبل الطبع .. وكان المانشيت الرئيسي من ذلك اليوم وعلى فنط 54 بلغة تلك الأيام:

          "حزب الشعب الديمقراطي يقاطع الإنتخابات"

وطار حرف واحد من المانشيت الذي كان يجمع يدويا من حروف منضودة من النحاس ... وأكتشفت غياب الحرف اللئيم الذي حول المناشيت الى كارثة وفضيحة كبرى! وماكان من أستاذنا الريفي الا أن قبل رأسي وهو يقول في هلع : تصور كيف سيكون موقفنا لو قرأ السيد على الميرغني غدا مثل هذا العنوان..كنا نودي وشنا وين؟!

ولم تستمر تجربتنا في جريدة "الجماهير" طويلا ... واصلت عملي في "تاس" و"الأيام" ثم"السودان الجديد" ولم يكن محمد أبوالقاسم مثلي بحاجة للوظيفة لكسب العيش، كان من أسرة ثرية بمقاييس ذلك الزمان، ويسكن في منزل الأسرة بالعمارات، أفخم أحياء الخرطوم آنذاك وأصبح ذلك المنزل من تراث الثورة الأرترية .. وقد زاره الرئيس أسياس أفورقي عام 2006م بعد عودة العلاقات بين البلدين ..وقدم تعازيه لأسرة الأستاذ أبوالقاسم بعد رحيله!

كانت هناك شحنة من الأسلحة أرسلتها سوريا عبر مطار الخرطوم للثوار الأرتريين بتاريخ 30/6/1965م، وأكتشفت المخابرات الأثيوبية أمرها وأبلغت السيد الصادق المهدي رئيس الوزراء بتفاصيل الشحنة وقرر على الفور مصادرتها... ونشط أصدقاء الثورة الأرترية وعلى رأسهم الرشيد الطاهر بكر وزير العدل والإعلام بالإنابة ومحمد جبارة العوض وزير شؤون الرئاسة وإتصلا باللواء محمد أحمد الخواض رئيس الأركان، الذي أمهلهم ليلة كاملة  لترحيل الأسلحة، وتغافل عن قرار رئيس الوزراء بمصادرتها!.. ونشط الثوار الأرتيريون في نقل الأسلحة بالقطار الى كسلا وبقيت كميات كبيرة من الذخائر والأسلحة الخفيفة وأصبح من المستحيل نقلها في نفس الليلة، وكذلك كان من المستحيل تركها للمصادرة!.. وهنا كان القرار الشجاع للأستاذ محمد أبوالقاسم بنقلها الى منزل أسرته! ومنذ ذلك اليوم، اتجهت بوصلة همنا نحوهم ثوار ارتريا، وتوثقت عرى صداقتنا بهم، وأصبحت أحلامهم، أحلامنا،والوقوف معهم تعويضا عن فقدنا الكبير ...ثورة أكتوبر 1964م ..!

 ومرت السنون وتجددت المحن وتعاظمت الرزايا، وحسبنا أن واقعا جديدا سيعيد زخم وأهداف الثورة المجهضة، عندما توحدت ارادات سودانية لإستعادة مبادئ ثورة أكتوبر، عبر ميثاق التجمع الوطني الديمقراطي... وكنا نقول لهم لا تتخذوا اسمرا مقرا،بل تجربة نضالية،هزمت أقوى جيش في أفريقيا على رأسه مائة جنرال!

وراهنا عل ذلك بإنطلاق تجربة جريدة "الفجر"، لدعم هذه المرحلة المفصلية الجديدة من تاريخنا المعاصر، وجسرا للتواصل السوداني الأرتري...ولكن "بخلاء الجاحظ"، كما أسماهم، الأستاذ الخاتم عدلان، كان كل واحد منهم ممسك بلحمة حزبه بخيط متين يمده داخل "القدر" الموحد، ومتحفزا في الوقت نفسه، لإنتشالها في الوقت الذي يناسبه!!

لم يتغيروا ولم ينسوا ثاراتهم ومكائدهم وبراعتهم في "الزوغان" والتولي على عجل يوم الزحف! وكان الدكتور جون قرنق، مدركا لهذا الواقع وتعامل معهم بحذر وانتباه لمصلحة قضيته فهو لم يكن مشغولا بميراث أسرة أو خليفة من الأنباء.. كان على علم بحقائق مسرح السياسة السودانية، منذ الإنتفاضة التي أطلق على قيادتها "مايو تو" .. وكان محقا .. أين يقف ألان، المشير عبدالرحمن سوار الدهب؟!

مضى الدكتور قرنق في اتجاه هدفه، مصطحبا معه ما قد يفيده من تناقضات أحزاب المدى التاريخي، حتى توصل الى اتفاقية مشاكوس، وعلى نفس الدرب يتوجه خليفته وتلاميذه، عبر مؤتمر جوبا ومظاهرات الإثنين ومابعدها!

وتمترست الإنقاذ في سياستها المجربة، كسب الوقت والتحلل من العهود، وانفردت بزعماء المدى التاريخي واحدا تلو الآخر عبر جيبوتي، وطرابلس والقاهرة وأبوجا، وتركتهم بعد ذلك للحسرة والخسران.. والغريب ان مولانا السيد محمد عثمان الميرغني، عاد مرة أخرى لتجريب المجرب، في الهزيع الأخير الذي أعدته الإنقاذ، لتدشين "يوم التمكين الأكبر" عبر الإنتخابات ... ومع شعاراتها الجديدة :

"لحس الكوع"

"وصقيرا حام" !!

السودان المنارة أم الجسر من 1-8

منبر الرأي -سودانايل