عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

لوحة جدارية سريالية ، يمتد طولها وعرضها وعمقها لأكثر من خمسين عاما،قماشتها وألوانها لا تخضع لأبعاد المكان والزمان أو المنطق....!

تأملها يستدعي الذاكرة ويحرضها "على فعل شئ أقل سوءا من السيئ المتاح"!

يحفها اطار شاحب، نجح في تلوينه، الأستاذ الطيب صالح في رثائه للمفكر الفلسطيني، أميل حبيبي:

"أنا في النهاية انتمي الى بلد مهما بلغت به التعاسة، فهو موجود وان كان مهددا بالضياع!!"

وتصاحب اللوحة صرخة الكاتب النيجيري الحائز على جائزة نوبل للآداب، وولي سوينكا:

"هل يوجد أقسى من أن نرفع شفرة الهوية وننهال بها على الشريان، لنحزه ونقطر الدم على رخام صلد،ناظرين الى انشعابه وتعرجه.!!

نتأمل مشاهد من اللوحة تتداعى وتتداخل ألوانها بعيدا عن تراتبية ورتابة مصفوفات الزمن، وتدعونا الى( انتباه حواسنا وأحيانا حدسنا!)

- الرئيس الكيني دانيال أرب موي، يضع يديه على رأسه ويصيح متحيرا:

أين المشكلة اذن؟!

- كان يخاطب عضو مجلس الرئاسة السوداني، د.باسفيكو لوليك بإعتباره ممثلا للحركة الشعبية لتحرير السودان وخاطب ممثل الحركة الدكتور منصور خالد، بإعتباره مندوبا للحكومة..فعندما نبهوه الى الأمر فرك عينيه وتنهد متحيرا:

أين المشكلة اذن؟

(جريدة الخرطوم 16 ابريل 1999م)

- الشاعر صلاح أحمد ابراهيم كان سفيرا في الجزائر، استقال وجاء الى باريس ....فوجئ بالواقع :

هل يوما ذقت هوان اللون؟

ورأيت الناس اليك يشيرون وينادون:

-      العبد الأسود؟

-      هل يوما رحت تراقب لعبة الصبية في لهفة وحنان:

-      فاذا أوشكت تصيح بقلب ممتلئ:

-      ما أبدع عفرتة الصبيان.

-      رأوك فهبوا خلفك بالزفة!

-      عبد أسود

-      عبد أسود

-      عبد أسود.

-      هل يوما ذقت الجوع في الغربة!؟

-      والنوم على الأرض الرطبة؟

-      الأرض العارية الصلبة؟

-      تسمع همس القوم، ترى غمز النسوان

-      وبحد بنان يتغور جرحك في القلب المطعون!

-      أين المشكلة اذن؟

الكاميرا تخطف في ثانية،تدوم الى الأبد، صورة طفل في جنوب السودان، في أسمال بالية، يزحف بجسد لم تبق فيه الا العظام في طريقة الى معسكر اللاجئين. يبحث عن أي شئ يأكله من خشاش الأرض... ونسر ضاري بمنقاره الحاد يترقبه ويترصده متأهبا للإنقضاض عليه... المصور الأمريكي كيفين كارتر ينجح في التقاط المشهد المرعب ويفوز بجائزة "بلوترز" للتصوير عام 1993م www.flicker.com" – أنظر الصورة التي تصبح لحظة التقاطها هاجسا يطارد المصور ليل نهار... كيف يلتقط مثل هذه الصورة؟.. ألم يكن من المرؤة والإنسانية خطف الطفل والعدو به لمكان آمن بدلا من استثمار المأساة والفوز بالجائزة المالية والتكريم... ويقرر المصور الإنتحار عام 1994م موضحا في خطاب لأسرته الأسباب ويعتذر لها.

 

رئيس السودان عام 2007م يستنكر ويستهجن الإدعاءات والدعايات التي تبثها دوائر الإستعمار والصهيونية بأن ضحايا دارفور تجاوزوا الثلاثمائة ألف ويؤكد "أنهم لا يزيدون على عشرة ألاف" !!

أين المشكلة إذن ؟!

الصورة الذهنية  Stereotype للسودان والسودانيين تترسخ في ذهن العالم، غربه وشرقه وخليجه، منذ مطلع الستينيات من القرن الماضي:

معسكرات اللآجئين والنازحين.

القرى المحروقة ونساء ضامرات الأثداء، يلقمنها لأشباح أطفال من هياكل عظمية يتكاثر حولها الذباب.

وطوابير الهبات تتدافع لنيل ما يجود به المحسنون!

هل يغير الهندام المتأنق والحناء البازخة والثياب المطرزة والموشاه بالقصب المتلألىء، رؤية الآخر للسودان والسودانيين؟!

نستدرج الذاكرة ... تنقيبا في مواريثنا ومواقفنا علنا نقدم اعتذارنا لأجيال الأبناء من الشباب وندلهم على جزر المآزق الذي وضعناهم فيه! ونقول لهم "أن أعداءنا كامنون فينا"!

لا نكسر قيدا" حتى يطوقنا قيد آخر!

الفريق ابراهيم عبود في زيارته الأولى لأمريكا عام 1960م وجاكلين كنيدي، السيدة الأولى تعلن تأثرها وإعجابها بشخصيته وبساطته...

عندما أصيب بمغص أثناء الزيارة رفض الأدوية وطلب من سكرتيره إحضار "الحلبة" التي تصاحبه دائما!

-      "فضل بشير – الصحفي المرافق – الفجر 1997م

-      وكانت جلسة المفاوضات :

-      الرئيس جون كنيدي وبجواره دين رسك وزير الخارجية وروبرت ماكنمارا وزير الدفاع وعلى الطاولة المقابلة الفريق ابراهيم عبود  والأستاذ أحمد خير وزير الخارجية والأميرالاي المقبول  الأمين الحاج وزير الداخلية ... ويحكي لنا الأستاذ محجوب عمر باشري المترجم المصاحب للوفد، التفاصيل :

-      دين رسك :

-      من مصلحتكم ومصلحتنا منحنا الإمتياز بإقامة قاعدة بحرية في منطقة سواكن بالقرب من حلايب لحمايتكم  وحماية حلفائنا عبر البحر الأحمر من طموحات ناصر ...!

-      المايكرفونات مفتوحة .. الأميرالاي المقبول بصوته الأجش العالي النبرات يلتفت الى الرئيس عبود قائلا :

-      والله ياريس لو وافقت، عبدالناصر "يطلع ...."! وتنفلت ضحكة صاخبة من محجوب عمر باشري في مقصورة المترجمين ... كان من المفروض أن يترجم العبارة لأنها كانت مسموعة، ويتلجلج زميله الأمريكي ويقوم بالترجمة نيابة عنه !

-      ونذهب للأميرالاي المقبول الأمين الحاج بعد الإطاحة بنظام عبود ومعي صديق محيسي والأخ السر عبدالماجد، كان الأميرالاي قد أفتتح مطعما وبارا بإسم "أفريكانا" في الحي الشرقي بالخرطوم، ونسأله عن رأيه في ثورة أكتوبر .. ويجيبنا ... بهدوء شديد رغم ضخامة جسده وقسماته الصارمة:

-      السودان ده مثل شجرة ظليلة كل واحد يجي ويجلس تحتها ويقضي حاجته وينصرف كأنه لم يفعل شيئا مؤذيا ولا يسأله أحد !!... ويلتفت الى صديقنا السر عبدالماجد:

-      ياكلب ... تقود المظاهرات في مدني وتقول: "قدرة فول ولا المقبول".!!

      "دي ما أخلاق ناس مدني"!

ونضحك جميعا وهو معنا !

-      الرئيس جعفر محمد نميري يبعث برسالة للملك خالد عاهل السعودية، يخطره بالقضاء على أم الكبائر في السودان وسكبها في النيل وتطهير البلاد من رجسها ويبلغه أن فقدان السودان لصناعة الخمور تكلفه حوالي ثلاثة ملايين دولار ويطلب مساعدة عاجلة !!!

-      "مجلة الدستور لندن 1983م"

-      رئيس مجلس قيادة الثورة، العميد عمر أحمد حسن البشير في أول زيارة له للمملكة العربية السعودية، يشرح للعاهل السعودي، خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز أسباب ودوافع الإنقلاب : جلالتك "أسرتان فقط" في السودان  تحسبان أن من حقهما حكم السودان !!

-      ويبتسم الملك ..!

-      "الإتحادي 5 يونيو 1997م)

-      السيد محمد عثمان الميرغني يقدم الدكتور فاروق أحمد آدم للدكتور جون قرنق :

-      يادكتور، فاروق ولدنا ، كان من قيادات الجبهة الإسلامية القومية، هداه الله وانضم الينا في الإتحاد الديمقراطي.!

-      دكتور قرنق في اجابته التي "تفاجئك" كبريق الصاعقة "

-      يامولانا أسأل الله أن يكمل هدايته وينضم الى الحركة الشعبية !!

-      "كتاب أصحاب الوقت _ الدوحة 2003م)

-      ويسألونه في لقاء بأسمرا عن دلالات الهجوم  على همشكوريب، موئل الشيخ على بيتاي وخلاوي القرآن وهي تعني بلغة الهدندوة الجبال الصعبة والسرج الجاف... ويجيب:

-      لا توجد دلالات مقصودة .. لقد سئل فرنسي لماذا تقبلون أيادي النساء؟

-      فأجاب لأنه لابد أن نبدأ من مكان ما !!

-      ويقول الشريف صديق الهندي أثناء نقاشنا حول مسلسل الإنقسامات في الحزب الإتحادي الديمقراطي :

-      كان السيد على الميرغني مثل القمر بعيدا عن مزالق السياسة وأوحالها، مضيئا للجميع، رغم الأخاديد والصخور، ويتغزل فيه كل الناس، رمزا للجمال!!

-      السيد محمد عثمان الميرغني قال في اجتماعه بالجالية السودانية في قطر في أبريل 2009م وهو في طريق العودة الى السودان، يطالب النظام بإعادة المنزل رقم واحد مربع واحد، شارع السيد على الميرغني بالخرطوم بحري!!

-      صديقي الذي نقل لى الخبر، مندهشا يتساءل:، ألا يوجد مستشارون وخبراء حوله ..؟؟ويضيف أتمنى الا يتصوروا "أن المشهد يتماثل مع موقف سيدنا عبدالمطلب من أبرهة الأشرم عندما طلب منه رد ابله التي صادرها وتعجب الأخير متسائلا ألا يعنيك أمر البيت الحرام، أجابه بأن للبيت الحرام رب يحميه!!

-      السيد الشريف حسين الهندي يقول عن غريمه ثم حليفه في الجبهة الوطنية، اذا شاهد عرسا تمنى أن يكون العريس وأن شاهد جنازة يحفها الكثيرون، تمنى لو كان الميت .!.. أنه لن يقبل ليوم واحد، الترمل من السلطة والأضواء!!!

-      وأقول للأستاذ’ فاطمة أحمد ابراهيم في لندن : يافاطمة نحن فخورون بك وبنضالك وصمودك .... أجهزة الإعلام تلاحقك، تطوفين معظم عواصم العالم لشرح قضية شعبك ... لماذا لا تهتمين قليلا بمظهرك ؟!

-      وبصوت مخنوق بالعبرات :

-      يايحي، يوم اعدام الشفيع، كنت متماسكة هتفت يحياته وحياة الشعب السوداني، وتحديت جلاديه...لكني لن أنسى ذلك اليوم الذي ذهبت فيه مع ابني أحمد لأخذ صورة له وكان في السادسة من عمره وطلب منه المصور أن يبتسم، واحتار الصبي وسألني:

-      يعني شنو ابتسم !؟

-      أنه لا يعرف معنى الكلمة ودلالاتها! وساد بيننا صمت مهيب حاولت تبديده بحكايات عفو الخاطر... قلت وأنا أفتعل جوا من المرح:

-      بركات دكتور الترابي شملتنا في لندن.. لقد إستفدنا من فقه الضرورة!!

-      بعد وصولنا فوجئنا بأن "همباتة" لندن لا يرحبون بالعجائز ويعتبرون مقتنياتهم من نقود وهواتف نقالة ليسوا بحاجة اليها لذلك ياخذونها عنوة واقتدارا .. ووجدنا ردعهم في فقه الضرورة، صبغنا الشعر وأصبحنا نسير في الشوارع مفرودي الصدر الى الأمام كأننا من عتاولة المصارعين وهي حيلة ابتدعها المزارعون الفرنسيون في الجزائر أثناء الإحتلال .. يروي  أن أحدهم كان يملك مزرعة كبيرة خارج العاصمة وخاف من غدر العاملين معه من الجزائريين،فجاء بكميات كبيرة من الشرائط اللاصقة من المطاط وكان كل صباح قبل خروجه من غرفة نومه يلف صدره وذراعيه ويخرج قويا مهيبا ذو عضلات .!.

-      وكان العاملون معه من خدم وعمال يتسابقون لإستراق النظر اليه من ثقب مفتاح الباب!!

-      وتقول لي فاطمة: هل لاحظت في المظاهرة التي نظمناها أمام السفارة تنديدا بجلد طالبات الأحفاد أن العديد من شبابنا يتزين بالأقراط والسلاسل الذهبية والفضية .. ده شنو؟؟

-      وأقول لها هذا جيل في بيئة مغايرة،يتوجب علينا أن لا نطبق عليهم معاييرنا الأخلاقية ومفاهيمهنا .. لا توجد أية دلالات سالبة في تزينهم بالأقراط والسلاسل والوشم والشعر "الراستا"!

-      وتجاملني بالصمت دون اقتناع!

-      يافاطمة ... مأساتنا، نحن جيل الآباء، أكبر وأفدح .. نحن مثل " رجل فضاء انقطع حبله الذي يربطه بسفينته"، وأصبح هائما مطوحا في عوالم مجهولة .. لقد اغتربنا مرتين " مرة عن الوطن الأول ومرة عن المنفى الذي استوطناه" ... لقد سئل الكاتب جيمس جويس متى ستعود لمدينتك دبلن عندما هاجر الى باريس، قال وهل تركتها ابدا !! اذا سألنا الأستاذ شوقي بدري في السويد أو هشام هباني في أمريكا متى تعودان إلى أمدرمان ونعيمه، لكانت اجابتيهما مماثلة...!!

-      كان سيدنا سليمان الحكيم،حكيما، يافاطمة، عندما سئل كيف ستعذب الهدهد!!

-      أجاب : سأضعه في سرب غير سربه! ومع ذلك مهما كانت ضراوة مخالب السرب الجديد ومخاطر التوهان في فضاء مجهول ... هناك من "يبتهلون الى الله أن يقيموا في غربة أنت أبكتك لوعتها!" كما يقول صاحب "رأيت عطبرة".....

-      آسف أقصد "رأيت رام الله" للكاتب الفلسطيني مريد البرغوثي!!

-      ("أجزاء أخرى من الجدارية فى لقاء قادم)

-     

-      السودان المنارة أم الجسر 1-7 سودانايل – منبر الرأي