السودان : المنارة أم الجسـر ؟!

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

فتشوا المنزل بدقة .. حتى اللوحات  المعلقة على الجدران رفعوها ليروا اذا كانت هناك خزائن خلفها ... وإنتهرني رئيس لجنة التحقيق، مرتديا بزته العسكرية، بعد إصدار أوامره لمرافقيه  لأخذ الزعيم إلى كوبر ... وقال لي متجهما :

-        دلينا على مكان الخزينة ؟

-        فقلت له :

-        إنها موزعة على إمتداد السودان كله في قلوب الجماهير عرفانا ومحبة ... أما اذا كان قصدك المال فقد سبق وعرفتم رصيده ... اسماعيل الأزهري لا يملك من المال غير 120 جنيها وهي حتى ألآن محفوظة في حسابه بالبنك، رمزا للعفة والنزاهة وعبرة لمن يعتبر !

-        كانت تتحدث إلى جريدة النهار السودانية _ الأحد 17 أبريل 1988م- السيدة الفضلى مريم سلامة، رفيقة دربه والأم الثكلى التي فقدت أيضا وحيدها محمد الأزهري، أمد الله في عمرها...

-        وكانت برفقتي الأستاذة آمال سراج وقد عملت معي من قبل لإكمال مذكرات الزعيم الأزهري التي نشرناها في جريدة الإتحاد الظبيانية..

-        وتحدثنا السيدة مريم سلامة عن ذلك اليوم العصيب:

-        في يوم الثلاثاء 26 أغسطس 1969م بعد نقل الزعيم إلى المستشفى الجنوبي بالخرطوم وقد تدهورت حالته الصحية ... جاء ابننا الوحيد محمد وكان عمره آنذاك 12 عاما لزيارة والده الا أن الحراس أوقفوه ومنعوه من الدخول... وماكان من الصبي ألان علا صوته .. وعندما أشتد صراخه، ادار الأستاذ رأسه ونظر حيث يقف وحيده، ورفع له يده مطمئنا ومحييا وطالبا منه المثول لأوامر الحراس... وإنتابني إحساس غريب، مشاعر متباينة ،لم أصدق أن والده معتقل وعلى فراش المرض ووحيده على بعد خطوات منه لكنه لا يستطيع إحتضانه لأن هناك حارسا ببندقية عند الباب!!

-        وشاءت الأقدار أن يكون ذلك المشهد هو اللقاء الأخير بين الأستاذ ووحيده!!

-        وحوالي الساعة الثانية عشر ظهرا طلبت من الأستاذ أن يتناول شيئا من الطعام، فأخذ ملعقتين من الأرز باللبن وقد كان هذا آخر زاد له في الدنيا، بعدها دخل في غيبوبة وبعد لحظات فارق الحياة!!!... وخرج الحارس بسلاحه من الغرفه وخرجت أنا كذلك، كانت أول خطواتي من مشوار جديد، مشوار أسيره، وحيدة بعد فراق أبدي لرفيق درب غالي وعزيز ... وسارت بي العربة .. وعند مدخل دارنا لم إستطع الحركة ... فقد اصابني شلل نصفي وخضعت للعلاج الطبيعي عدة شهور حتى أكرمني الله بالشفاء..!!

-        من نحن ...؟

-        ومن أين جاء هؤلاء...؟

-        حلقات من المسلسل الممتد لأكثر من 40 عاما ... 1969م – 2009م !!

-        والسؤال الذي يلح على الإجابة :

-        متى نعثر "على صندوقنا الأسود بين حطام تاريخنا"، لنقف على الحقيقة!

-        هكذا كان مصير الرجل الذي " رفع راية إستقلالنا" والقائل عندما ساومه إنقلابيو 17 نوفمبر1958م : "شلت يميني اذا ساهمت في خرق الدستور" وذهب إلى غياهب السجون مع رفاقة وبينهم الأستاذ محمد أحمد المحجوب، رجل لاءات الخرطوم الثلاثة، الذي ظل يتنقل من منفى لآخر عبر الرباط ولندن، حتى إرتاح الجسد ودفن في الأرض التي أحب ذراها...

-        من نحن؟

-        المشانق تزلزل ويعتليها الصفوة .... عبدالخالق، الشفيع وجوزيف قرنق وشيخ في السبعين تجرأ بنشر فكره علنا، الأستاذ محمود محمد طه، وقبلهم أمام الأنصار الهادي المهدي الذي أطلقت عليه النار وتركوه ينزف حتى الموت ...!

-        من نحن ...؟

-        تُستفز وإنت تبحث عن الإجابة بمن  يبشرك بإن الله أكرمنا بخير خلف لخير سلف وإن وزير خارجيتنا عام 2002م في قامة المحجوب وزروق  وأحمد خير مجتمعين ... غفر الله لك صديقي الأستاذ محجوب عروة ... لو أجرى معك المذيع محمد سليمان لقاءا مباشرا لقال لك بعفويته... ياراجل!!

-        من نحن؟

-        ومن أين جاء هؤلاء؟!

-        ولعلها فرصة نادرة،طرح السؤال في حضرة الرجل الذي أبدع صياغته وخلد كلماته لتظل إتهاما محفورا إلى الأبد في ذاكرة تاريخنا ...!!

-        زارنا في الأول من يوليو 1997م الأستاذ الطيب صالح وبرفقته الدكتور محمد ابراهيم الشوش للتهنئة بصدور "الفجر" .. وحاولنا أن نعفيهما من مشقة الوصول إلى مكاتبنا في عمارة عتيقة"ببادنجتون" ، شيدت في عصر ماقبل المصاعد، ولتمسك الإنجليز بالتقاليد فقد تركوها كما هي من تحف تاريخهم .. وعندما إرتقى الشيخان الدرج  المتعرج كانا يبتسمان ويتبادلان القفشات، أيهما في شيخوخة الشباب أو في شباب الشيخوخة ؟؟ وعندما وصلا باب المكتب، كان جميع المحررين في إستقبالهما وتكررت إعتذاراتنا عن المشقة التي تكبداها وكعادته في إثارة أجواء من المرح قال الأستاذ الطيب ... عندما إحتفل الرئيس الأمريكي رونالد ريجان بعيد ميلاده السبعين،طلب من السيده الأولى نانسي أن تكتب في بطاقات الدعوة:

-        " يحتفل الرئيس رونالد ريجان بالذكري السابعة والثلاثين لعيد ميلاده الثالث والثلاثين" .

-        وقبل إلتقاط الأنفاس فوجئ الأستاذ الطيب بذميلنا محمد المهدي  عبدالوهاب،سكرتير التحرير، يستأذنه  الكتابة في الفجر عن اللحظات الأخيرة  من حياة الدكتور خالد الكد .. فقد كان أستاذنا الجليل داخل غرفة العناية المركزة  إلى جانب زوجة الراحل العزيز .. وأطرق الأستاذ من وجع مباغتة الذكرى" وساد صمت حزين .. وكانت أمامي على المكتب رسالة فاكس من مراسلنا بالخرطوم الأستاذ جعفر الريابي، ينقل فيها مانشرته جريدة "ألوان" عن عودة الشريف زين العابدين الهندي وقالت أن غيره عادوا أيضا إلى السودان ولكن في صناديق أمثال الدكتور عزالدين على عامر والدكتور خالد الكد!! وبسرعة أخفيت الورقة وقلت مبددا الصمت .. ياشيخنا قرأت في جريدة "الخرطوم" مقالا لكتابة أسمع عنها لأول مرة ، أظنها الوحيدة التي عرفت من أين جاء هولاء؟؟ وإستدار الجميع نحوي وواصلت .. إسمها شموع صالح من جدة .. تقول لك جاءوا من رحم الغفلة والتهاون الذي نسميه تسامحا !!

-        وطلب مني الأستاذ نص المقال وأراد الدكتور محمد ابراهيم الشوش ألا يتحول اللقاء إلى مناحات وقال لي إذا كنت تحتفظ  بأعداد من مجلة "القوم"، أرجو إهدائها للأستاذ وكما تعلم فهو مهتم بتراث التصوف ... وكانت أيضا فرصة مناسبة للإعتذار لدكتور الشوش وقلت له أن تلميذك الدكتور خالد المبارك عتب علينا لأننا نشرنا إعلانا في جريدة "الشرق الأوسط" عن كُتاب جريدة الفجر ولم نراع ترتيب الأسماء بالقامات والأستاذية وأوردنا اسم الدكتور خالد قبلك .. فضحك مؤكدا إنه لم يلاحظ ذلك .. لكن قل للدكتور خالد .. " إنه ظلم ذوي القربى" !! وكان الأستاذ  الطيب أكثر إهتماما بالصفحات التي نصدرها باللغة الإنجليزية ضمن الفجر وأشاد بمستوى تحريرها وكان يشرف عليها الأستاذ الكبير الخاتم عدلان والدكتور الحارث إدريس، وإقترح أن تصدر في ملحق منفصل وليس جزءا داخل الصحيفة، مؤكدا أهمية أن يقرأ الآخر عن بلادنا بلغته .. وأشاد أيضا بصفحة "سجناء الضمير" التي تتضمن سجلا كاملا لقوائم المعتقلين" وكان إسمه في مقدمتهم.. الأستاذ سيد أحمد الحسين نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية، والقادم من قرية الركابية  التي لا تبعد كثيرا عن كرمكول مسقط رأس أستاذنا الطيب ... وهاتفته هذا الأسبوع في منفاه الإختياري بالقاهرة لتنشيط الذاكرة عن إختطاف بنك فيصل الإسلامي .. وجاءني صوته مشحونا كالعادة بعفوية ترابلة الشايقية .. مرحبا .. مرحبا .. الرجل يتلقى العلاج هناك .. فهل كان بإمكانه تلقيه في "ساهرون" أو مستشفيات  الأردن ؟؟ وتذكرت الجزائرية احلام مستغنامي وهي تحكي في "ذاكرة الجسد" عن ذلك المناضل في جبهة التحرير وهو يعيش مرارة المنفى.."اليوم بعد كل هذا العمر، بعد أكثر من صدمة وأكثر من جرح، ادري أن هناك يتم الأوطان أيضا، هناك مذلة الأوطان ظلمها وقسوتها .. هناك جبروتها وأنانيتها .. هناك أوطان لا أمومة لها .. أصبح هذا الوطن لبعضنا، فهل قدر الأوطان أن تعدها أجيال بأكملها لينعم بها رجل واحد" ؟!

-        وإستذكرت معه تلك الليلة التي قابلنا فيها السيد محمد عثمان الميرغني وكلفه بمقابلة الأمير محمد الفيصل وتوقعاتنا بما قد يتمخض عنه الإجتماع الأول للجمعية العمومية لحملة أسهم بنك فيصل الإسلامي، وبالفعلل تمت المقابلة .. وغادر الأمير الخرطوم في اليوم التالي وجاءت  نتائج الإنتخابات كما كنا نخاف ونخشى .. وفازوا بالأغلبية بينما كان مجلس الإدارة السابق لا يضم في عضويته سوى الأستاذ محمد يوسف محمد بصفته المستشار القانوني للبنك والأستاذ موسى حسين ضرار والذي كان مقيما ببورتسودان..

-        وبعد تشكيل المجلس الجديد،لملم الشريف الخاتم فضل المولى أوراقه وقدم إستقالته، وفعلت مثله وغادرت إلى أبوظبي  للعمل بجريدة الإتحاد ... وشرع السيد محمد عثمان الميرغني في تأسيس البنك الإسلامي السوداني وأصبح السيد محمد عثمان الخليفة مديرا له .. ويالمفاجآت الأقدار، بعد يونيو 1989م أصبح وزيرا للرعاية الإجتماعية في النظام الجديد!!

-        كنت أسأل الأستاذ سيد أحمد الحسين عبر الهاتف عن رجال كانوا حوله وخرجوا من عباءته .. الأستاذ أحمد على أبوبكر والأستاذ فتح الرحمن شيلا الذي كان مديرا لمكتبه بوزارة الداخلية وكنا نسكن في منزلين متجاورين في الحي الهجين بين مقابر فاروق وحديقة القرشي وقد بدأت مواهب إبننا عمار فتح الرحمن  تتشكل آنذاك لإحتراف الصحافة في مرحلة مبكرة في السابعة من عمره كتابة على جدران منزلنا بتذكاراته لأصدقائه وسبابه المزعج لخصومة !!

-        لقد جاء الأستاذ سيد أحمد الحسين من الخلوة إلى الدولة .. يضحك بصفاء، حتى في سرد ذكرياته أيام إعتقاله  ببيوت الأشباح .. ويسبغ على ضيوفه فوق كرمه صفات لا يملكونها ولا يستحقونها وكنت بينهم، فقد قدمني للسيد ابراهيم رضوان وزير الصناعة وحاكم الإقليم الأوسط:

-        قريبي يحيى العوض رئيس تحرير القوم والنهار من الجيل المحظوظ الذي تعلم الصحافة على يد أبو الصحف الأستاذ أحمد يوسف هاشم وهو يقوم الليل ويصوم الأسبوع كله ماعدا الجمعة و .... وقاطعة السيد رضوان وإستدار نحوي بجسده الضخم وحدجني بنظرة فاحصة،قائلا لسيد أحمد !

-        قريبك ده يامجنون يا كاتل رقبة !!

-        وإستغرقنا في الضحك ..

-        ويمتد حديث الذكريات مع الأستاذ سيد أحمد الحسين، ودعاني لزيارته في القاهرة لمراجعة مذكراته وأعدادها للطباعة ... ويسألني : لماذا لم تعد حتى ألان إلى السودان، على الأقل لزيارة قبور شقيقاتك الثلاثة، لم تكن الظروف مناسبة، تلك السنوات، لتقبل العزاء فيهن ..!! ومع استعادة الذكريات الحزينة، تلعثمت في الإجابة ولم أجد ما أقول إلا اقتباسا لأحد اللآجئين :

-        "سأعود ... حين يصبح الجنرال في الثكنة والأمام في المسجد والمواطن في الدولة !!" وضحكنا عبر الهاتف ...

لكنا حيث ضحكنا ..

رنت في ذيل الضحكات

نبرات بكاء

وإتكأت في عيني دميعات

أغفت زمنا في استحياء

الجرح هنا ..

لكني أخفيه وأداريه ...

رحم الله الشاعر صلاح عبدالصبور..

وشقيقاتي الثلاثة !!

الحلقات 1-5

سودانايل منبر الرأي ؟