YAHYA ADAM [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

  المسكوت عنه في تاريخنا المعاصر يتفوق على ماهو معلن ..!.. كثيرا مايردد السياسيون أثر كل مرحلة مهما كان بطشها ودمويتها،"عفا الله عما سلف"،والهدف واحد من العبارة المصكوكة بعناية للإيهام بقدسيتها ونبلها وبأنها من شيم الشخصية السودانية،عبر تاريخها الغابر والحديث! وتكاد تكون المعارضة والحكومة مع تبادل الأدوار تتفقان على هذا الخط الأحمر، حتى أصبح من الكبائر والمحرمات تجاوزه! لذلك نتغنى بأمجاد هزائمنا الكبرى والخدع التى تجرعناها مكرهين منذ كرري وثورة 1924،ومؤتمر الخريجين وتكوين الإحزاب ومفاوضات الإستقلال والجلاء وحوادث مارس وإنقلاب نوفمبر وإنتكاسلت وإرتكاسات ثورة أكتوبر وإنتفاضة أبريل وماقبلها إنقلاب مايو 1969م والتداعيات المستمرة منذ يونيو 1989م وحتى ألان بما فيها مرحلة التجمع الوطني الديمقراطي.وقد أعانني الصديق الأستاذ محمد المكي إبراهيم على تسمية أجيال تلك المراحل تباعا بآباء جيل الهزيمة الأولى ثم أبناء جيل الهزيمة الثانية ثم أحفاد جيل الهزيمة الثالثة الممتدة ألان لأكثر من عشرين عاما!..وقد ساهم مجموعة من الشباب بوصفهم، أحفاد جيل الهزيمة الثالثة،بتوثيق تجربتهم على صفحات "الفجر" وتحت نفس العنوان.. وسوف نستعرضها في سياقها لاحقا ... وبالطبع سوف ينشط "الحراقصة" والذين أعانني على تسميتهم الصديق الدكتور على حمد ابراهيم ووثقنا لهم على صفحات "الفجر"،وهاهم ألان يتوالدون في مختبرات حديثة، اعدتهم وأهلتهم وبدأوا في نفث سمومهم،فهم جيل رضع جيدا في الدهاليز وأتقن فنون سباكة المعلومات "وقوقلتها"، إضافة أو حزفا ... ويذكروني للمقارنة بجيل صديق الأسرة، ضابط الشرطة المرحوم الوليد شبيكة، عندما استدعاه العم أبارو المشرف آنذاك على فرع المباحث المتخصص في الأمن السياسي ومطاردة الشيوعيين، وأبلغه بإختياره للعمل في إدارته لكفاءته أولا كضابط شرطة وثانيا لأنه من أسرة كريمة فالعمل في مثل هذه الأجهزة  يتطلب العراقة والأصالة والحسب والنسب وأطنب في ضروريات السرية والكتمان، وهنا لم يتردد الوليد وبعفويته المعهودة خاطب الضابط الكبير .." جنابك، والله العظيم، يادوب سرك إنكشف لو إشتغلت معاك"! ولم يتمالك العم أبارو رغم صرامته إلآ وإستغرق في الضحك وأعفاه من الوظيفة الجديدة!

وشتان بين جيل الوليد ومن بعده جيل "جبل توتيل" وأخيرا جيل أبناء "حليب النيدو" الذين برع الصديق مصطفى مبارك في نعتهم وهاهم يفردون صدورهم ويدقون عليها منتشين بمسكرات "قوقل"العظيم.!

وعذرا من هذه المقدمة المطولة،التي دفعت إليها دفعا.

وأبدأ بسطر جديد من خاتمة الحلقة الولى:

السودان:المنارة أم الجسر ؟

                         *****

    الغبار يطفئ النظر إلا عند الريح ، فكلما إزداد كثافة، إزداد بصرها حدة!، استعيرها من أودنيس، ولا أجد غيرها تعبيرا، يتطابق لفظا ومعنى ودلالة مع ميكافيلي،ومترينخ، وراسبوتين، مع الرجل الذي جمع كل هذه الصفات وظل فاعلا رئيسيا على مسرح السياسة السودانية قرابة الخمسين عاما..

     لم تجتمع هذه المهارات الإستراتيجية والتاكتيكية والفكرية في رجل واحد إلا هو ...! ولولا أقدار الجغرافيا والتاريخ التي لا فكاك منها والتي تتحكم في مصائر وطنه، لأقام إمبراطورية تتجاوز حدودها،المحيط والخليج، وقد حاول ذلك بالفعل وأظنه لم ييأس بعد..! وهو أول من أنشأ دولة سنية إسلامية معاصرة تباهي أول دولة إسلامية شيعية في أيران وتفوق عليها في تطوير منهج العنف الفكري والجسدي والإقصاء المميت، فالسودان العاشر مساحة في العالم والأكبر في افريقيا والبالغ 45 مرة  حجم البحرين و9 مرات حجم الكويت استطاع أن يستولى عل سلطته بتجنيد 23 ضابطا من أصل ستة آلاف ضابط كانوا في خدمة القوات المسلحة ليلة 30 يونيو 1989م وبعد ثلاث ساعات قضى الأمر... وذهب مبتسما مطمئنا إلى السجن والآخر إلى القصر! وها هو ألان يبرز مجددا، قشة للخلالص ولإستعادة إرثه المستحق! ولم تكن إنجازاته من فراغ ...أنشأ أولا،إمبراطورية مالية تمتد فروعها عبر ماليزيا وباكستان وإستغل مرحلة الشتات ليدرب تلاميذه في مختلف فروع المعرفة،إدارة الأزمات، الإقتصاد،الإعلام،والإستخبارات...بينما غيره من الزعامات تنكر لمن كانوا معهم في المنافي... وشاء الله أن أكون شاهدا مباشرا على تجربتي الإقتصاد والإعلام، حيث كنت مديرا للإعلام والعلاقات العامة عند إنشاء بنك فيصل الإسلامي، إستجابة لدعوة من شيخي الشريف الخاتم فضل المولى مؤسس البنك الرئيسي وثلاثة من أفرعه ولم نعرف ماكان يدبر للإستيلاء على البنك إلا بعد فوات الأوان! ثم ناشرا ورئيسا لتحرير جريدة "النهار"اليومية بعد الإنتفاضة ونائبا للأمين العام لإتحاد الصحفيين السودانيين، مما مكنني من تتبع إنشاء الصحف ومصادر التمويل والقوة المتحكمة في الإعلانات..

 

     وإلتقيته في حوارات عديدة منذ عام 1964 وكان أهمها بعد إنتفاضة 1986م...حدد لي موعدا في مكتبه بالخرطوم(2)،وإنتظرت قليلا في مكتب سكرتاريته والذي كان يضم في ذلك الوقت الأستاذين سيد الخطيب ومحمد الحسن ابراهيم وبعد الترحيب أشادابجريدة "النهار" التي كنت ناشرها ورئيس تحريرها لكنهما،ومن ورقة مكتوبة أبديا بعض الملاحظات التي أذهلتني !!

قدما إحصائية  دقيقة ومتكاملة تتضمن جداول عن عدد الأخبار والتعليقات  التي نشرناها لجميع الأحزاب مقارنة بالصحف الخرى، وكان نصيب الجبهة القومية الإسلامية الأقل عددا... ولرفع الحرج فقد كنت ضيفهما، اظهرا إحصائية أخرى تبين ان "النهار" تنفرد بصفحة يومية للشئون الإسلامية مما يمكنها من نشر أخبار وتعليقات تزيد على ماتنشره جريدة "الراية"وهي صحيفتهم بأكثر من 60% ..!! وقد أبلغني الدكتور أمين حسن عمر مدير تحرير الراية آنذاك والمرحوم محمد طه محمد أحمد ،بأنني أسبب لهم حرجا يوميا في اجتماعات مجلس التحرير!! وإحترمت هذه المهنية العالية في التعامل مع الإعلام !! وتابعت بإهتمام الإختراق الذكي للصحف والسيطرة على منابع الإعلانات وتجارة الورق ومدخلات الطباعة والقدرة على خنق الصحف المناوئة،فقد تمكنوا من استقطاب من كنا نسميهم ضباط العلاقات العامة في المؤسسات الحكومية وهي الشريان الرئيسي الذي يمد جميع ، الصحف بالإعلانات  خاصة مشروع الجزيرة وإمتداد المناقل وإدارة الكهرباء والمياه ومصانع السكر المختلفة ألخ...وكان وزير الإعلام في تلك الفترة بعد الإنتفاضة الصديق الأستاذ التوم محمد التوم ،فشكلنا وفدا من إتحاد الصحفيين برئاسة استاذنا عميد الصحافة بشير محمد سعيد وعضوية الأخ بونا ملوال وشخصي بصفتي نائب الأمين العام للإتحاد، وذهبنا مع الأخ التوم لنجتمع  بالسيد الصادق المهدي رئيس الوزراء، والذي استمع إلينا بإهتمام شديد ، كعادته، ودهش عندما اخبرناه عن سوق الإعلان الحكومي الذي كانت عائداته ذلك الوقت 1986م-1987م مايزيد على  140 مليون جنيه بسعر تلك الأيام وقدمت وثائق تتضمن فواتير شراء الورق لجريدة "النهار" التي كنت ناشرها ورئيس تحريرها تبين أن سعر "رول الورق" كان 1200 جنيه سوداني خلال الستة أشهر الأولى من صدورنا ليصبح  بعد ذلك 12 ألف جنيه سوداني أي خلال ستة أشهر فقط وذلك نتيجة لدهاء إحتكارات بنوك وشركات الجبهة القومية الإسلامية!!!

ولم يفعل السيد الصادق المهدي شيئا رغم وعوده بإلغاء الجمارك وفك الإحتكار عن تجارة الورق ومدخلات الطباعة!!

وعندما أعود لتجربة انشاء بنك فيصل الإسلامي وإنضمامي إليه للوقوف مع الشريف الخاتم في اول تجربة لتطبيقات الإقتصاد الإسلامي، ولم نكن نعلم مايدبر ،.. لكني فوجئت ذات صباح قبل دخولي ادارة البنك بالأستاذ يسن عمر الإمام يستوقفني ويسلم علي بحرارة فقد كنا على مودة شديدة وأكن له تقديرا كبيرا ازداد يوم وقفته الرائعة مع قرار اتحاد الصحافة بإضراب الصحف بعد توقيف السيد أحمد المهدي صاحب تهديد"جزالرؤوس" ووزير الداخلية آنذاك لمجلة "صوت المرأة"التي ترأس تحريرها  الأستاذة الفاضلة فاطمة أحمد ابراهيم رئيسة الإتحاد النسائي وعضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي، وعندما ذهبت بقرار الإتحاد إلى الأستاذ يسن رحب بحرارة وقال " أنا أول المضربين!!" وكان يرأس تحرير جريدة الميثاق الإسلامي الناطقة  بإسم الأخوان المسلمين، كما زاملته لاحقا في زيارة للإتحاد السوفيتي في عهد "ليونيد بريجنيف"عندما تلقى اتحاد الصحافة السوداني دعوة لزيارة موسكو وشكل استاذنا بشير محمد سعيد بحصافته الوفد من الأساتذة عوض برير ،رحمي سليمان، يسن عمر الإمام وشخصي وأوشك الأستاذ يسن التسبب في أزمة بمطار القاهرة عندما توقفت طائرة الإيروفلوت الروسية للتزود بالوقود، ولسلامة الركاب طلب منا النزول لكنه رفض وإعتصم داخل الطائرة بحجة انها أرض سوفيتية ولن يجازف بالخروج فقد تصادف ذلك مع اعدام الأستاذ سيد قطب في عهد الرئيس عبدالناصر!! وفوجئت أثناء وجودنا في موسكو بعدد زواره من الطلبة السودانيين المبعوثين الذي يفوق عدد زوارنا ثلاثتنا مجتمعين ..!

 

ذلك الصباح امام بنك فيصل وبعد التحايا قال لي الأستاذ يسن بصراحته الصاخبة:

هل هى دروشة الشريف؟

 أجبته: لا انها من كراماته

يايحيى قل لي ... كيف جئت من موقعك مديرا لمكتب وكالة أنباء تاس السوفيتية، لإدارة الإعلام والعلاقات العامة ببنك فيصل الإسلامي ... عملتها كيف؟ هل هي دروشة الشريف ؟! وضحكنا سويا، وتفرقنا ولم أقابله بعد ذلك اليوم .. ولكني عندما قرأت تصريحه الشهير بعد المفاصلة ...."صليت على السودان صلاة الجنازة"....قلت سبحان الله .. وتذكرت رفيقه الشيخ الجليل الأستاذ صادق عبدالله عبدالماجد والذي يعتبر أول زعيم سياسي سوداني يتنازل عن رئاسة حزبه وهو على قيد الحياة، عندما قال قبل بضع سنوات ... "أخشى على أهل السودان من الردة !"

(ونواصل)

الحلقة الأولى : سودانايل : منبر الرأي

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.