عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

    تعمدت غمس قلمي في حبر الصمت كلما جمح للبوح بتلك الذكريات المضمخة بأيام التجمع الوطني الديمقراطي، في دفء أسمرا، وضباب لندن، وصقيع أوسلو... تلك الأيام، نهدهد عزيزتنا "الفجر"، نبشر بالخلاص ونحذر من مكائد ومصائد "الظلام المستنير" وقدراته الحربائية في التلون والإختراق...!

كنت وأخي، صديق محيسي نعمل ليل نهار وبإمكانات محدودة لتصدر "الفجر" أسبوعيا وباللغتين العربية والإنجليزية.. كان إلتزاما صارما بصدقية المعلومة والتشبث بالمعايير المهنية ونبذ فاحش القول وبذاءة الكلمة.. وإستعصمنا بهذه المبادئ ولم نحيد.. ولم نرد على مناوشات الأستاذ حسين خوجلي، غفر الله له، الذي أسرف في وصفنا بالملحدين والعملاء والكفرة، والشيوعيين، والوجوديين وأعداء الإسلام..!!. وفقدنا كتابا مرموقين، من أصحاب القلوب "الحارة"، لأننا حذفنا من مقالاتهم عبارات إعتبرناها غير لائقة!

 ووقف معنا رجال، كنا نعدهم إنطلاقا من أوهامنا وتوجساتنا وموروثاتنا الأيدولوجية، أنهم الأبعد عنا فكرا ومنهجا، نبرر التعامل معهم بحكم الضرورة، ومتطلبات المرحلة، وبعزم أكيد ونية مبيتة على فض الإرتباط معهم في أقرب فرصة ممكنة..!! وكم أسفنا لآحقا، مدركين خطأنا الجسيم، وقد تجاوزناه ، حمدا لله وقبل فوات الأوان وبعد التمحيص والتدقيق والتوثيق ... عرفنا ذلك الرجل عن قرب .. ويكفي لو كان حصاد التجربة معرفته فقط والأقتراب منه لا أكثر كافيا ووافيا. ومن أقوال الشهود وصدقية الوثائق .. كان الرجل بلا منازع المؤسس للتجمع، مهندسه، وقائده ، مضحيا بماله ووقته لجمع الصفوف وتزويد الإعلام عبر القارات بالمعلومات والبيانات، يصدر من مكتبة مطبوعة يومية مصورة تتضمن كل مايكتب عن التجمع والنظام في الخرطوم سلبا أو ايجابا ويرسلها عبر الفاكس إلى الصحف وفي حالة و جوده  في لندن أو القاهرة أو اسمرا، يقوم ابنه برحلات مكوكية يوميا إلى منازل ومكاتب الفعاليات السياسية والإعلامية، ليمدها بهذه المستجدات أولا باول.. وإنتبهت إلى حقيقة الرجل وتوطدت علاقاتنا .. وبعد حوارات  مستفيضة وإلحاحا لا يفتر  ورجاءا لا ينقطع أقنعته  بضرورة  كتابة مذكراته.. وكنت اعرف شفرة اريحية وسيكولوجية شيخ العرب...وبدأنا نسجل عشرة أشرطة سعة  90 دقيقة، لكنها كانت قطرة من تجارب رجل حارب دون هوادة ثلاث أنظمة شمولية متتابعة!... وشاء الله ألا تكتمل المذكرات... كان هناك قرارا حزبيا بالعودة إلى الخرطوم.. وقد لا يكون مقتنعا بالقرار، لكنه رجل ملتزم عقائديا لا يجادل، وكان يوما حزينا عند افتراقنا، وغادر اسمرا على وعد أن يتواصل اللقاء لإكمال المذكرات...

    وإلتقينا عام 2000م في لندن التي جاءها هذه المرة معصوب الراس بعد إصابته في حادث شغب قام به أحبائه الذين خبروه مروءة ، وشهامة،وكرما ورعاية لهم. ورغم الإصابة البليغة، كانت إبتسامته العذبة لا تفارقه، كأنه يعتذر لهم، كان واثقا بأنه لم يكن هدفهم الحقيقي..!

كانوا ينادونه .. "أبوي" ... ولزوجته الفاضلة الحاجة فاطمة ... "أمنا"

ولمحني بين زواره .. ناداني .. : "ياود العوض"، نسأل الله لا إنت ولا أنا ، نموت في الغربة ...!

والغريب أنه كان يردد كثيرا هذا الدعاء .. وقاله بإنفعال ذات مرة  أثناء حوار ساخن مع الأستاذ التجاني الطيب !..

وسألني رغم إزدحام الأحباب والزوار من حوله...: هل قرأت آخر قصيدة أهديت لكم، معشر الصحفيين :-

 

آه لو لم يحفظ الله كتابه

لتولته الرقابة ..

ومحت كل كلام

يغضب الوالي الرجيم

ولأمسى مجمل الذكر الحكيم

خمس كلمات هي:

قرآن كريم، صدق الله العظيم!

  • هل تعرف شاعرها ؟ ... وأجاب :
  • أظنه مظفر النواب أو أحمد مطر !

وأكمل علاجه .. وعاد شيخ المروءات .. شيخ العرب، الدكتور عمر نورالدائم إلى السودان، وإستجاب الله لدعائه، ومات في غرة رمضان الموافق 26 أكتوبر 2003م في حادث سير على طريق جبل أولياء، أثناء عودته من مسقط رأسه في نعيمة بالنيل الأبيض بعد تقديم واجب العزاء في وفاة أحد أصدقائه .. ودفن في الأرض التي أحبها ووهبها كل حياته مقاتلا بجسارة شابا وشيخا، الأنظمة الشمولية الثلاثة... كان يقول لي في إيمان عميق أن من أقدار بلادنا أن يكون هناك جنديا في الثكنات لا يعرفه إلا أصدقاء دفعته يحلم ويطمح في كل زمان أن يكون ملء السمع والبصر، موعودا برئاسة البلاد وكثيرا ماينجح، ويكفيه أن يعلن أنه زعيم إنتقالي مدى الحياة ...!!

       كان في حالات اليأس والقنوط يقول "البحار الواقعي لا يلعن الريح عند إشداد العاصفة وإنما يقوم بتعديل الشراع"وهذا هو قدرنا منذ شبابنا. ويحثنا ناصحا"طالما أن المرء يبذل كل مافي وسعه من أجل تحقيق ما يعتقد بأنه  صواب فإنه يعتبر ناجحا بصرف النظر عن النتائج"،فالسجال السياسي والفكري والجهادي كتب علينا حتى آخر أنفاسنا .. فالنخب الجديدة التي تسارع للإحاطة بكل  الأنظمة العسكرية في بلادنا همها الأول استغلال مواهبها لأن تكون البديل لنخب الوراثة والأصالة مهما كان الثمن حتى لو كان تحطيم الوطن،  وقد جربنا ذلك في نظام نميري الذي حطم الإدارة الأهلية ويضيف متحسرا ... "نصرك الحقيقي هو ان تهدم بإستمرار اقواس نصرك" ... حقيقة بعد ليال طويلة من الأحاديث المفعمة بالحكمة والتجربة انكرت على نفسي إنشغالي قبل معرفته، بالمؤانسة بالشعارات المليئة بالأصباغ والمساحيق فالرجل يحفر بمعول الخبرة في طيات الوجدان وما أكبر الفرق كما يقول أودنيس أن تقطف الكلمة من حدائق الذهن والتهويم أو أن تستخرجها من طينة القلب ... فشيخنا كما يقولون لا يدخل في متاهات معتمة، " فهو من الذين يكتشفون سيئاتهم وأخطائهم فور حدوثها ولا يكتشف حسناته إلا متأخرا لأنه دائم العطاء دون من ولا أذى !!

ويؤكد دائما بأن " القاطرة التي تهدر بخارها وطاقتها في الصفير لا تذهب بعيدا ....

   أغرتني هذه المقدمات لمواصلة نفض قلمي من الرذاذ الذي تبقى من حبر الصمت وإتصلت بالإبن العزيز مهدي، ساعده الأيمن ورفيقه في المنافي مع الشامخة الحاجة فاطمة وتفاكرنا حول المذكرات.. وبشرني بأنه أكمل مراحل هامه معه قبل الرحيل .. ويهنئني على عقد القرآن الذي تم دعما لأواصر علاقات اسرتينا بزواج ابنتي سارة التي كانت بمثابة ابنته قربا ورعاية وكثيرا ماتشكوني  له عندما أغلظ عليها القول، فشاء الله ان يتزوجها الإبن بشارة من الأسرة الكريمة ورزقا ابنا أسمياه ... ابراهيم ... لكني لا أناديه الا بشيخ العرب !

 

   وأدير جهاز التسجيل .. لأنقل حواراتنا  في أسمرا ولندن .. ويجيئني أولا صوت مظفر النواب الذي كان أنيسنا معا:

وماذا وراء الصدق تنتظر

سيأكل عمرك المنفي ...

وتلقى القهر والعسفا

وترقب ساعة الميلاد يوما

وفي الميلاد تحتضر..

وتنطلق مني آهة تكاد تطفر معها دمعة :

أردد مع أدونيس :

"أنه شعب محب حقا، كما نقول: لكنه لا يحب  الا ابناءه الذين ماتوا.. إنه شعب وفي للقبور !!

وأسترجع "حصافة رؤيته وحسن قراءته لحقائق الحياة ...

ومن عناوين فصول المذكرات :

السودان وخياراته الإستراتيجية : المنارة أم الجسر ؟

والرجل خبير في دهاليز السياسة السودانية، تاريخا ومعاصرة .. ويكشف لي عن الإجتماع التاريخي الذي عقد في اسمرا عام 1998م في مقر السفارة الأمريكية وحضره جميع قادة التجمع الوطني الديمقراطي وسفراء امريكا في السودان ومنطقة القرن الأفريقي وقال :

فوجئت  بسؤال وجهه لي  مباشرة السفير الأمريكي في السودان :

هل هناك إختلاف بين مايطرحه نظام الخرطوم والأطروحات المهدوية خاصة في عهد الخليفة عبدالله التعايشي لتحرير العالم من دول الكفر وحشده جيوشه والتي توجهت طلائعها لغزو أثيوبيا ومصر وبعثه برسالة تهديد إلى مكة بريطانيا مرشحا أحد قواده للزواج منها – ود الدكيم-؟

ألم يقل الدكتور حسن الترابي انه لا حدود للدولة الإسلامية وان الحدود هي حدود الله وانه يفاخر بإطلاق اسم لينين أفريقيا عليه للقيام بدور مشابه للينين في تغيير العالم .. وتدخل فعلا للإطاحة بالأنظمة في مصر وأثيوبيا وأرتريا وأسس المؤتمر الشعبي الإسلامي ومهد للقاء أسامة بن لادن مع أيمن الظواهري مما أدى إلى الإنطلاق الحقيقي لتنظيم القاعدة.. ويسترسل السفير المريكي ... هل هي مصادفة تكرار ظاهرة 1881م في عام 1989م وهل تتكرر في كل حقبة من الزمن ....ويضيف هذا مايقلقنا وكل القوى الإقليمية والدولية ...ويؤكد:

لا تسرفوا في تصورات الطمع في ثرواتكم  وموقعكم الإستراتيجي بل قد تكون هذه الإمكانيات حافزا لمخاوف من استراتيجية  مختبئة في مخيلة السودانيين تتجدد كل قرن من الزمان .!

ويقول لي الدكتور عمر نور الدائم .. تأمل هذا التحليل الذي غالبا ماتقدمه مراكز دراسات يسمونها Think Tanks وأقول له ... دعنا نلخص هذه المخاوف في تصور مختصر.. ونتساءل ..هل من طموحاتنا ان يكون السودان منارة أم جسرا ..؟ وأجيبه ان شيخنا الأستاذ الطيب صالح دائما يقول ماهي امكانياتنا لنكون منارة ... هل عندنا هذه المقومات أو المنطلقات الفكرية الراسخة ... هل عندنا الحرم المكي أو الأزهر والزيتونة أو الجامع الأموي!!!

أن خيارنا الإستراتيجي أن نكون جسرا للتواصل والتفاعل بين شمال وجنوب الصحراء... هذا الخيار يتوافق مع مصالحنا القومية ولانعتاقنا من رهن المحبسين العروبة والأفريقانية فلا يعترف بنا لا في هذه ولا في تلك...

وتمتد المذكرات والحديث إلى ظاهرة الدكتور حسن الترابي،في الساحة السودانية والأقليمية والدولية سلبا وأيجابا ومستقبلا .. ودوره سياسيا وفقهيا.. وكان ذلك صبيحة المفاصلة بينه وبين تلاميذه عام 1999م ... "ولعلنا نواصل"