يحكى احد ظرفاء  السبعينيات,  انه  هب  من  نومه  مزعورا يتصبب  عرقا  من هول الكابوس الذى  داهمه , واوشك ان يذهب بعقله , لولا  انه  تمكن  من الافلات  فى اللحظات الأخيرة  وتنفس  الصعداء وحمد الله على النجاة . ويروى  لنا  تفاصيل ذلك الكابوس الرهيب باسلوبه  الشيق , ويجسده   امامنا  فى  مشاهد  طريفة ويقول : فجأة  وجدت  نفسى  فى   يوم  الحشر , غير مصدق لما يجرى امامى , حشود من البشر لايحصى  عددها  تقف على مد  البصر , لا احد  يلتفت  اليك  , لا كلام . ثم بدأت  النداءات  بأسماء الناس فردا فردا , ليتقدموا  لاستلام سجل اعمالهم  , بعضهم  يستلم سجله بيمينه وآخرون باليسار, ومع  متابعة المشهد  بقلق  وخوف  سمعت النداء باسمى ولكن بصورة  مختلفة عن كل نداءات  من سبقونى,  دوى الصوت :  باسمى ومعى  اسم الوالد  لنحاسب معا !. كنت  الوحيد  الذى قرن اسمه بوالده , ولا تتصور مدى جزعى  وألمى ان يطلع  والدى على  أفعالى  , تمنيت  الموت مرة اخرى ولكن هيهات , تقدمنا  الصفوف  لاستلام  السجلات وتعثرت قدماى اكثر من مرة  وتمنيت ان تخسف بى الارض, ولكن فى الحقيقة  كنا  نسير فى مكان لم يكن ارضا  أوسماء , وازداد  فزعى وصرخت بأعلى صوتى !  والحمد لله  وحده ,فى تلك اللحظة  , بذلت أقصى ما استطعت  من طاقة  و (هوب)  تمكنت من رفع رأسى وغمرتنى  فرحة عارمة , عندما وجدت  نفسى  فى  الدنيا  وعلى  سريرى  فى  بيتنا  !
ياالله , لم تكن عقولنا تتصور حجم  السجل   الذى  لا يترك صغيرة او كبيرة  الا واحصاها , لم ندخل عصر الانترنت ذلك  الوقت, كنا فى ذهول  باكتشاف الفاكس , واجهزة الاستنساخ" الفوتو كوبير" !. لم نتعرف  بعد على  اعجاز  شريحة ( القيقا بايت والميقا بايت )التى تنسخ ملايين الصفحات  فى ثوان معدودة , ولم يخطر على  بالنا  حتى  منتصف  العام الماضى  ان الجهد  البشرى  يستطيع  اختراق  الاسرار المحصنة , وينتزعها  قوة واقتدارا من خزائن  أعتى  دولة  فى  العالم , ويقدمها علنا فى مسلسل من الفضائح , لا ينتهى  , واصبح الكثيرون  على  اتساع  العالم  كله ينتظرون  فى فزع  ماتخبئه  لهم  الاقدار عبر تسريبات  وثائق  ويكيليكس !
-2-
المحاسبة  او مسلسل  الفضائح  من  تسريبات ويكيليكس  يتابعها  العالم  كله , وبالطبع ليس كل من وردت  اسماؤهم  فى التسريبات , عملاء  يتقاضون اجرا او مكافأة  , معظم  البرقيات  تتحدث عن محادثات رسمية مع  مسؤولين  فى دولهم , وقد  ينزلق المسؤول  فى تعبيرات  تكشف اسرارا  او تفسر  قرارات , وتوضيح  النوايا والاهداف من ورائها ,وقد يكون هدفه  ابلاغ  رسالة  ما  بالاتفاق مع  دولته او بمبادرة منه شخصيا  لمصلحة خاصة , وفى هذا الاتجاه  هناك  حكمة  سائدة عبر تاريخ  البشرية  " ان ثمة رجالا يستطيعون شراء رجال  وان  هناك رجالا مضطرون اومختارون   لبيع  انفسهم "! ويروى عن  نابليون  بونبارت , بعد حصول  مخابراته على معلومات هامة  من دولة  اوروبية  يستعد  لغزوها , وقرر رجاله  تكريم  الجاسوس العميل , وان ينال  مكافأته  المالية  الضخمة   من الامبرطور  شخصيا , وكان العميل  مبتهجا بانتظار هذه اللحظة التاريخية وعندما ادخل على الامبرطور, ركض الرجل مسرعا,  وانحنى امام الامبراطور ليقبل يده لكنه فوجىء بنابليون  يسحب  يده  ويقول له : "لا لا  لن تقبل يدى, من يخون  بلاده  يستحق  فقط  تقبيل  كيس المال الذى  يقدم  له "!, وبالطبع  لم تكن كلمات  نابليون موجهه للعميل التعيس, وانما   لحاشيته  وكبار  جنرالاته  الذين  كانوا  يتابعون  المشهد!
وستتوالى التسريبات وقد  تمتد  لسنوات  قادمة  بعد  ان  اذهل  عام 2011 م العالم كله والشرق الاوسط  خاصة , فى ربيعه  العربى  الذى مازال يشهد  احداثا  لا نبالغ اذا شبهناها بعلامات  يوم  القيامة  السياسى !
كيف نفسر ما حدث  فى  تونس , مصر , ليبيا ,  اليمن , وسوريا,؟  لم  اجد تحليلا اكثر  عمقا   وبلاغة  من كلمات  قائد اول" ثورة  مخملية "  فى اوروبا الشرقية  والتى  قادت الى الانهيار الكامل  للامبراطورية  السوفيتية , ثورة تشيكوسلوفاكيا   عام 1998م . يقول فاتسلاف  هافيل , الاديب والمسرحى والذى اصبح  اول رئيس جمهورية  بعد  سقوط  النظام  الشيوعى : كنت اواجه بالاسئلة من اصدقائى , كيف تستطيعون وانتم حفنة  ضئيلة  من الاشخاص  المجردين من  كل مصادر القوة  ان تغيروا هذا النظام , الذى يمتلك كل ادوات القوة  , الجيش ,الشرطة  والاعلام  , والذى يسير مظاهرات  بالغة الضخامة  ليعرض التأيد الشعبى  الذى يتمتع  به على العالم , وحيث  تنتشر صور الزعماء فى كل مكان , و يبدو كل  جهد  للمقاومة  يائسا ودونكيوشوتيا . وكانت اجابتى دائما هى انه من المستحيل ان ترى  الجانب الآخر والحقيقى  من  الصورة وان تحس  روح  المجتمع  وامكانياته ,  هذا  مستحيل  لان كل  شيىء  كان  مزيفا  ومزورا . وفى مثل هذه الظروف  لايمكن لاحد  ان يضع يده على الحركات والعمليات  الخفية  والسرية التى تعج بها اعماق الارض , لا احد يستطيع  ان  يحدد  حجم  كرة الجليد التى  ستطلق الاعصار الذى  يزلزل اركان  النظام .!(من مذكرات فاتسلاف هافيل )
ولمحات  من آخر   تقارير" اليأس الاستراتيجى "  والذى تعده  اجهزة  الامن فى الانظمة  الشمولية  قبل ساعات  من انهيارها  وهروب  او اختفاء  او اعتقال  قياداتها :
(اقتصاد البلاد  فى انهيار متسارع ..
الشارع  هائج..الأمن  يتفلت.
المعارضة  عاجزة  لكنها   تستقوى  بالخارج.
العالم  كله  يتآمر   ضدنا..
لن    نستلسم  ...
رأينا الأول والأخير,
الضرب  بيد  من  حديد!)
لا املك حق الملكية الفكرية  للتقرير اعلاه  ولا اعرف مصدره , لكنه  ليس من تسريبات ويكيليكس !
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.