-1-
جاءنى صوته حزينا عبر الهاتف: رحل من نحسبه آخر الخيرين !
كان محدثى من الدوحه الصديق المستشار عبد الحميد ابوقصيصة , وبعد  دقائق    هاتفنى  من  ابوظبى   الخليفة   يوسف  عبد الدافع , مواسيا  فى  رحيل الشريف  الصديق   الشريف  يوسف   الهندى . الخليفة  الثالث  لسجادة  آل الهندى  منذ مبايعته  عام 1971م . واكرمنى الله  بوشائج المحبة مع الاسرة الكريمة , بفضل شيخنا الشريف محمد الامين الخاتم , رجل كركوج الشامخ  , الذى تلقى الارشاد من الشريف يوسف الهندى , وتأسست علاقات متينة بين البيتين ومحبيهم عبر الأجيال . ومن  حظنا  فى رحلة البحث عن أمن اليقين , الوصول اليهم  فى كركوج  وبرى الشريف وشمبات  الشيخ  البشير محمد نور , واكرمنا   بالعناية  والرعاية  فى تلمس العتبات الاولى للطريق  , "فثمة طرق لا تمسها الا القدمان وثمة طرق اخرى  ترفضك اذا لم تعانقها بروحك وجسدك ", كما يصفها محمود درويش فى رائعته  "الهدهد":
ان الطريق هو الوصول الى بدايات الطريق  المستحيل
هى رحلة  ابدية للبحث عن صفة  الذى  ليست له صفة
هو    الموصوف    خارج      وصفنا         وصفاته.
الارض تكبر حين نجهل ,ثم تصغر حين نعرف  جهلنا
لكننا أحفاد هذا الطين والشيطان من نار  يحاول  مثلنا
ان   يدرك    الاسرار    ليحرقنا    ويحرق    عقلنا..
-2-
جسد الشريف الصديق المثال والقدوة للصوفى المتعبد الذى زهد فى الدنيا  رغم انها كانت بين يديه , منهجه الافتقار الى الله,  لا يشوبه فى ذلك كدر من طمع فى الدنيا أو جاه . تباعد  عن السياسة والحكام  , رغم  ان البيت الذى  ينتمى  اليه  اشتهر بقوة  حضوره  سياسيا منذ  تولى والده الشريف يوسف الهندى  وهو فى العشرين من عمره راية الاشراف  فى المهدية , وبعد  معركة  كررى  ونهاية دولة المهدية   واصل الشريف معارضته  للاحتلال  , واعتقل عام 1905م  بتهمة  تكوين حركة  دينية للمقاومة ,ومثل امام محكمة  بمدنى   وحكمت عليه بالسجن   ونقل الى كوبر  بالخرطوم  وامضى سته شهور بالسجن , ثم  استبدل الحكم  بتحديد اقامته  فى منطقة  داخل مديرية الخرطوم  واختار  ضاحية برى اللاماب , واصبحت برى الشريف, منذ ذلك الوقت منارة  علم  وتقوى ورافدا  قويا للحركة الوطنية , وساهم الشريف  يوسف  فى جمع الصفوف  لبناء حركة  سياسية  جديدة , وساند مؤتمر الخريجين واهداهم  اول دار تحمل اسمهم بأمدرمان . ولا يتسع المجال ولا المناسبة  للحديث  عن دور الشريف يوسف وابنائه   فى  تاريخنا السياسى المعاصر , وتكفى  الاشارة الى الشريفين حسين وزين العابدين , وقد تزامن  نشاطهما  السياسى  والعسكرى مع  تولى  اخيهما الشريف الصديق  خلافة السجادة , و  كانت سنوات حافلة  بالمواجهات  المسلحة,  وصمد الشريف الصديق  امام ابتلاءات غير مسبوقة  تجاوزها  بيقينه وحكمته  وثباته .. وأول هذه الابتلاءات , كانت فى عهد الرئيس جعفر نميرى (1969م-1986م), عندما قاد الشريف حسين  المعارضة المسلحة  ضد نظام  مايو , وكانت حربا حقيقية  بالسلاح والاعلام , ودخلت قوات الجبهة الوطنية   , التى كان الشريف حسين  ابرز قاداتها , الخرطوم  فى يوليو 1976م وجرت معركة دامية خسرتها قوات الجبهة . وبدأ نظام جعفر نميرى حملة قمعية ومطاردة لكل القوى التى شاركت فى المعارضة المسلحة  . ورغم تصاعد التحرشات الامنية بآل الهندى  , الا ان الشريف الصديق , رجل الثبات واليقين  كان صادقا فى موقفه بعيدا عن العمل السياسى , مكرسا كل وقته للعبادة والارشاد , وحاول نظام نميرى احراجه وانتزاع  مواقف منه ضد أخيه الشريف حسين , وزاره  اللواء عمر محمد الطيب الذى كان يشغل , رئيس جهاز الامن , وقال له "ان الرئيس نميرى  يبلغك تحياته  ويقول ان جميع بيوت أهل الدين دعوه للصلاة فى مساجدهم  وهو يرغب بالصلاة  معكم فى برى ," فرد عليه الشريف الصديق  ردا جميلا قائلا " من قصد المسجد فانما يقصده  لنداء الله  وليس من أجل احد .. أما اذا كان يريد  زيارة بيت  الشريف  يوسف الهندى , فنحن نرحب كل الترحيب بضيوفنا ". وتفهم اللواء عمر, رسالة الشريف  الصديق ولم تتم الزيارة ( حوار مع الشريف طه ابراهيم محمد المهدى- كتاب : اصحاب الوقت 2003م :يحيى العوض)
ومشهد آخر تجلت فيه حكمة الشريف الصديق عند وفاة الشريف حسين فى فبراير 1982م فى اثينا عاصمة اليونان , وحمل جثمانه الى طرابلس وبعدها الى العراق  وكانت مجموعة من انصاره  يودون الطواف به فى مظاهرة سياسية  عبر عدة عواصم عربية . وكان رأى الشريف الصديق التعجيل بدفن الجثمان فى السودان
واحتشدت جموع كبيرة من المواطنين فى مطار الخرطوم , لكن السلطات الامنية  امرت بهبوط الطائرة فى مطار وادى سيدنا العسكرى . وكان يرافق الجثمان الاستاذ احمد خير (خال الشريف) والشريف الصديق ابراهيم الهندى  والشريف احمد الصديق الهندى( ابن الخليفة الصديق ), والشريف الامين عبد الرحيم والشريف الهندى الشريف عمر . وخاطب الدكتور احمد السيد حمد والدكتور عمر نور الدائم  الجموع الغفيرة  التى احتشدت لتشييع الجثمان وحاول الاستاذ على محمود حسنين قطب الاتحادى الديمقراطى الغاء خطاب سياسى حماسى  لتهييج  الجماهير ودفعها الى انتفاضة شعبية . وكانت ضاحية برى مطوقة  بوحدات  عسكرية , تراقب الموقف ومستعدة للتعامل بالقوة مع المتظاهرين . وخشى الشريف الصديق ان تزهق الارواح بسبب العداء المستحكم بين  نميرى والشريف حسين , خاصة  ان الذين هرعوا من قرى الجزيرة من المريدين ولا علاقة لهم بالسياسة . وتدخل الشريف صديق  وخاطب الحشود ان يقدروا حرمة الموقف  وان الوقت للحزن وليس للصدام , وبالفعل تفرقت الحشود بسلام  بعد الصلاة على الجثمان  وقد أم المصلين السيد محمد عثمان الميرغنى. (كتاب الشريف حسين :اسرار وخفايا للاستاذ صديق البادى )
كان الابتلاء  التالى اكثر مضاضة واثارة للاحزان , عندما تأزمت العلاقات بين السيد محمد عثمان الميرغنى , راعى الختمية ورئيس الحزب الاتحادى الديمقراطى والشريف زين العابدين الهندى , الامين العام  للحزب , وتطور الخلاف الى انشقاق وتفتيت الحزب العريق . وكان هم الشريف الصديق الا تؤثر الصراعات السياسية على العلاقات المتجزرة بين  البيتين  الكبيرين , ونجح  بحكمته وثاقب  بصيرته , فى الحفاظ على خصوصية  العلاقات  والارث العظيم الذى تركه جيل  الآباء , ولعلها  سانحة  لنتذكر ملامحا  من تلك الذكرى العطرة .
-3-
كان الشريف يوسف الهندى مهموما بخلافة السيد على الميرغنى الذى لم ينجب حتى وقت متأخر من عمره , وكان يحثه على الدعاء ليكرمه الله بالذرية وكان من جانبه يلح بالدعاء له . وعندما جاءته  البشرى بقدوم المولود الاول للسيد على  ,ابنه السيد محمد عثمان , كان الشريف  يوسف اكثر الناس فرحا وامر بذبح كل الماشية  الموجودة فى حظيرته , وعندما سمع السيد على بما  يحدث طلب من احد خلفائه ان يذهب الى الشريف حتى لا يذبح كل المواشى الموجودة فى ضاحية برى (كتاب اصحاب الوقت) . ويكاد هذا المشهد احتفاء الشريف الهندى بأول مولود للسيد على , يتكرر بصورة مغايرة وفى مناسبة حزينة يروى تفاصيلها الاستاذ محمد الخليفة طه الريفى : لم يكد يذاع بيان رحيل السيد على الميرغنى يوم الاربعاء 12فبراير 1968م حتى تحول السودان كله الى مأتم كبير وبدأت الاقاليم تقذف بوفودها على الخرطوم , وفى الوقت الذى كنا مشغولين بما نحن فيه , كان الشريف حسين الهندى واخوانه مشغولين بشىء آخر , ومع نقل الجثمان الطاهر الى جنينة السيد على بالخرطوم ,حتى اخذت السيارات واللوارى تتحرك من ضاحية برى وهى محملة  بأطنان من  الطعام  بجميع انواعه   لمواجهة احتياجات مئات الآلاف  من المعزيين,(كتاب فى مجالس الريفى,حوارات الاستاذ ابراهيم عبد القيوم )
هذه  قبسات من صور نعيدها  لجيل الابناء فى ذكرى الشريف الصديق الشريف يوسف الهندى , لم يقف يوما عند باب السلطان ولم يحشد المريدين  لمبايعة  او تأييد  , لذلك من العسير مشاهدة صورة  تلفزيونية  له  , او تسجيلا بصوته   , رحم الله رجل الثبات واليقين والابتلاءات ..!
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.