"من اخطاء الانسان الازلية ان يقضى على نفسه احيانا بالتعلق بأمل مفقود يتوهم انه لن تكون له حياة ولن يعرف للسعادة  سبيلا  الا  اذا   حققه   فيعيش  فى  دائرة   الامانى   الصعبة  المغلقة" , وهذا  مدخل وخاتمة ايضا لمأساة , استاذنا الجنيد على عمر , ومأساتنا  جميعا  , عندما نعجز فى فهم هذه الحياة التى نعيشها  " فالحياة  تتطلب سلسلة  متصلة  من المجهود للتكيف مع الواقع الذى نعيشه , وكلما كان الفرد مستعدا لهذا التكيف كان لعالمه الخاص  الذى يعيش فيه معنى وقيمة ", " , وكنت  بحكم  سنى  وتجربتى فى الحياة " ذهنية مشحونة  بالامنيات وعشق البطولات , اكثر منها بحقائق الواقع" ,  ولم استوعب معاناة  الاستاذ  الجنيد , من فرط اعجابى به , عندما اخذ يردد ساخرا, كلما اشدنا بفكره ومواقفه : " الجنيد الصعلوك المحامى " !, كنت اضحك واغالى فى الضحك بحسبان  ما  يقوله  طرفة , وليس نذيرا  بنهاية الصحو وبداية  العتم  المبكر, داخل  المختبر الجوانى للانسان , خاصة اصحاب  الرؤوس البواسق  من امثاله  , ولعلى ادركت مؤخرا  حكمة ذلك القائل : " نحن جيل مأزوم , مصدر ازمته انه  نشأ فى زمان الحتميات التى حملته على السعى لتطويع الواقع للرؤى  الايديولوجية  المعتقدية  وليس امتحان  تلك الرؤى على ارض الواقع  لاستكشاف صلاحيتها "  , وينطبق هذا على  كل  فكر  اصولى " يتمسك  بفكرة  ما ويعجز عن تكييفها مع  الواقع  المتغير ,بل الظن بان من التكييف تحريف ويسدل على نفسه عباءة تقديسية توهمه بان نقض الموروث غير المحكم  نقضا للمقدس ",   وهناك ايضا " ذاكرة سراديبية سفلى  تطغى عندما  يبحث صاحب المبادىء  عن امتيازاته "فيفقد الاثنين  معا " ويساق عنوة الى برازخ الجنون ! . ولا اريد من   هذا  الاسترسال تشخيص  حالة  بعينها  , لكنها  ملاحظات  عن زمان عشناه ونماذج عرفناها ,منها من انسحب دروشة او فجر نفسه , او عجل  خاتمة  الهروب بالادمان , او انتزع روحه بيده.!
ولم تكن صلتى بالجنيد  منتظمه , وكثيرا ما غاب بدواعى السفر , بعضها للمشاركة فى اجتماعات داخل وخارج السودان . ويكشف الدكتور عبد الله على ابراهيم , اسبابا اخرى لهذه الاسفار  ويقول : " سألت يوما استاذنا عبد الخالق محجوب , عما فعل الحزب للرفيق الجنيد وقد رأيناه بأسى  وحزن يشق تلك الدروب الوعرة الخطرة فى رابعة  النهار . واحصى لى استاذنا المرات التى  بعث  بها الحزب  , الرفيق الجنيد الى مصحات باوروبا الاشتراكية بغير عائد . وحدثنى عن التقارير الصحية  التى نصحتهم بلا جدوى تطبيبه بالخارج وان علاجه فى ان يعزم ويسترد عنان نقسه فى بيئته وبين صحبة عاطفة ." ويقول الاستاذ عبد الخالق محجوب " النضال بلسم تبرأ به الجراح  ويزول  به السقم  وانه  صحة وعافية ", ويحدثنا التاريخ عن مواقف وبطولات لرجال كانوا يعرفون ان نهاية الطريق قد تكون رصاصة فى الصدر او حبل يلتف حول  العنق ويواجهون  مصيرهم  بثبات  يزلزل جلاديهم , " من ذا يعاتب مشنوقا اذا اضطربا ", كما يقول نزار قبانى .
وانتزع شهادة من سياقها للدكتور شريف الدشونى , وهو من ابرز الاقتصاديين فى الحزب , قبل انشقاقه , يقول  : الظروف الموضوعية لتشكيل وعى الناس والارتقاء بمستوى تفكيرهم يكمن فى فهم  دلالة المصالح الاجتماعية والشخصية التى تدفع الناس الى النشاط والمشاركة فى تقدم المجتمع. ويضيف: المصلحة الذاتية الخاصة هى الساحر ذو القدرة المطلقة الذى يقوم بتغيير شكل كل شيء فى اعين جميع الكائنات . ان النهر لا يتدفق ضد تياره كذلك الحال مع الناس  انهم لا يتصرفون , اذا ابعدنا النفاق مع النفس , ضد المصالح الخاصة بهم . ويشدنى هذا التحليل الى واقع  شاهدناه فى اوج  ازدهار الحزب وتصاعد نفوذه , قلة  من النافذين فى القيادة , كانوا ينعمون بالجاه الحزبى والمكانة  المرموقة  فى المجتمع  , خاصة اولئك الذين كانوا يمارسون مهنهم  علنا ,  المحاماة مثلا , والتى تدر عليهم اموالا طائلة وحياة اسرية مرفهة , بينما هناك اكثرية , اعلى تأهيلا وثقافة وتضحية  ,تعيش حياة متقشفة بعيدا عن الاضواء , وان كان هناك بريق شاحب, ولا يجرأون على تحمل بناء أسرة  , بعضهم جرب وفشل ,  من هنا   وفى حالات خاصة ينمو ويستفحل الصراع النفسى !  و بتحفظ لا يقينا  حاولت  فهم , ما كان يعنيه الاستاذ الجنيد على عمر , بمقولة " الجنيد الصعلوك المحامى " شاءت الاقدار ان الفصيل الأول , اصحاب الحظوة الحزبية والمجتمعية , قادوا بضراوة الانقسام الكبير فى الحزب , فى سنوات  مايو  , وتماهوا  مع السلطة  الجديدة   ونحروا حزبهم  وقدموا قيادته  الى مقاصل الاعدام !. واتحفظ فى  سرد الكثير من الكلمات اللاذعة التى  كان  يرددها  فقيدنا  الاستاذ الجنيد  وهو على مشارف برزخ  الغياب , لكن  عبارة " الصعلوك المحامى " لها دلالاتها النفسية  فى فهمى  , و قد تطور ترديدها جهرا  الى تصور يصنفه اطباء الامراض النفسية  بالانفصام  , فعند مشاهدتنا فيلم " صالة الشاى فى قمر اغسطس " للممثل الامريكى جيلين فورد " , لكزنى  فى الظلام قائلا بصوت هامس " هل لاحظت ان هؤلاء المتفرجين  الذين يجلسون حولنا , يهنفون " الصعلوك المحامى "  وكنت اضحك باعتبار مايقوله طرفة لم اتمكن من استيعابها و ابالغ فى  تغليف حرجى بالضحك  . وقبل نهاية الفيلم نهض واقفا وطلب منى ان نغادر دار السينما لان جميع الممثلين تركوا دورهم فى الفيلم واخذوا يرددون نفس العبارة !. وخرجت معه  مذهولا  , فلم تكن تجاربى فى الحياة ولا ثقافتى تؤهلنى  لفهم  ما حدث .!
كان الانقسام الثانى فى الحزب , نذيرا للكارثة  , التى قادت الى مجازر 19 يوليو 1971م وسبقته محاولات لتحويل  الحزب الى  تنظيم  جماهيرى, ويقول الاستاذ محمد احمد سليمان , مدير الرقابة  والامن السابق بالحزب , ومن ابرز قادة الانقسام , فى مذكراته (جريدة الصحافة ديسمبر 2009 م) ان  قيادة الحزب الشيوعى السوفيتى  اعترضت , عندما تمت  مشورتهم لتغيير اسم الحزب , واوضحوا انهم ردوا من قبل على الحزب الشيوعى الجزائرى  عندما وجه لهم نفس السؤال . وقالوا ان الحزب الشيوعى فى اى مكان من العالم  ملك لاجيال مضت واخرى تعيش وثالثة تأتى , فاذا استطعتم  جمع هذه الاجيال  وجاء قرارها  بحل الحزب  , فنحن عندها سنوافق ".. ومازال الحزب الشيوعى السودانى محافظا  على  اسمه , رغم التحديات والمحن التى واجهته .
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.