YAHYA ADAM [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
العطر  رفيق  الحياة  والموت , كانت عبارة مفضلة للاستاذ الجنيد على عمر فى مرحلة كمال الصحو , وعندما نتوجه لمشاهدة  فيلم  سينمائى , سبقه احتفاء اعلامى , مثل فيلم " زوربا " الذى شاهدناه معا , عن رواية الاديب اليونانى نيكوس كازينتاكس وبطولة انتونى كوين وايرين باباس , كان يقول لى انه يستحق  قبل مشاهدته , حلاقة  الذقن وتشذيب الشارب  وبخات من العطر !. ورويت  له ذات  ليلة  ونحن  فى  طريقنا   الى  سينما" كولزيوم " حكاية  صديقه و صديقنا  الاستاذ عوض برير , رئيس تحرير صحيفة "الاسبوع ", مع شاب يعمل معه  فى المنزل , كان من مدمنى افلام الكاوبوى التى اشتهرت بها سينما كولزيوم , وتصادف فى تلك الامسية ان الاستاذ عوض برير, يتوقع زيارة بعض الاصدقاء وطلب من الشاب  ان يذهب الى السينما فى حفل  الدور الثانى وليس الاول ليساعده فى خدمة الضيوف ,لكن الشاب رفض بشدة  وقال له : لا يااستاذ فى الدور الثانى يكون البطل "تعبان" ! ويقصد ان بطل الفيلم سيصاب بالارهاق من كثرة  المعارك  التى  يخوضها  فى  حفل  الدور الاول !  ولعلها  مصادفة   مؤلمة  ان هذا الخلط  بين الواقع والخيال هو النذير الصاقع  لاقتراب استاذنا الجليل  من مشارف برزخ الغياب , وكانت   بدايته  اثناء   مشاهدتنا  معا   لفيلم  " صالة  الشاى  فى  قمر اغسطس " للممثل الامريكى جلين فورد . واحبس دموعى وقلمى  عن تفصيل تلك الاحداث, حتى نهاية هذه السلسلة من المقالات, بقدر ما استطيع ,  وما تسمح  به ذكرى غالية  لصديق عزيز , ورمز شامخ , "توحد مع النسيان اختيارا  وانتسب الى الصمت  طوعا " , وهو من صفوة  الصفوة التى لم تنحنى ابدا الا عند احتضان  الوطن  وقضاياه ! . ترى هل تبقى من امثال اولئك الرجال فى اجيالنا المعاصرة ؟
تحدثنا عن ترجمة الاستاذ الجنيد على عمر , لكتاب المفكر الايطالى الكبير انطونيو قرامشى , الماركسية والفكر , وقد تعرفنا على مضمون فلسفته فى دور" المثقفين العضويين ", وهم الذين لا يتميزون بمهنهم , التى قد تكون اية وظيفة فى الطبقة التى ينتمون اليها " موظفون , عمال , مزارعون , الخ " , بقدر ما يتميزون فى توجيه الطبقة التى ينتمون اليها عضويا . وقلنا ان نجاح حزب الاستاذ الجنيد على عمر بقيادة المفكر الكبير الاستاذ عبد الخالق محجوب , فى تطبيق  هذه النظرية  واقعا , تجسد فى صعود قيادات مرموقة من بين العمال والمزارعين , امثال قاسم امين , الشفيع احمد الشيخ , ابراهيم زكريا , الحاج عبد الرحمن , هاشم السعيد , شاكر مرسال , المنبثق ,  سعودى دراج ,الامين محمد الامين , يوسف احمد المصطفى , وغيرهم كثر, وقد تبوأ بعضهم مراكز قيادية فى منظمات اقليمية ودولية . وقد تسببت هذه الظاهرة  فى قوة وانشار الحزب , واصبح الاكثر نفوذا محليا واقليميا ودوليا مقارنة بين رصفائه من احزاب العقيدة المماثلة فى المنطقة , كما ادت فى الوقت نفسه , الى اول انقسام فى صفوفه عام 1951م, والى تكاتف جميع القوى المنافسة والمعادية , محليا واقليميا ودوليا ,على نحره عام 1971م.
ولعل آخر كلمات الاستاذ عبد الخالق محجوب وهو فى طريقه الى مقصلة الاعدام , تعبر عن ارثه وانجازه الذى يفخر به ,عندما سأله الرئيس نميرى , مستفزا , ماذا تركت بعد كل هذا التخريب ؟, اجابه : لقد تركت لشعبى, بقدر ما استطعت , قليلا من الوعى! . وعبر الاستاذ الجنيد على عمر , وهو فى مرحلة الغياب , وكذلك الشاعر الرمز الاستاذ محجوب شريف , عن هذا الارث , كل بطريقته ..
يروى الدكتور عبد الله على ابراهيم عن المرحوم خالد الكد " ابن خال الاستاذ عبد الخالق محجوب " ان الاستاذ الجنيد على عمر , طلب منه يوما ما بعد اغتيال الاستاذ عبد الخالق محجوب , ان يمر به فى سيارته بمنزل آل محجوب , فى حي الشهداء بامدرمان , وعنما وصلا عند الدار نزل الاستاذ الجنيد من السيارة , واخذ قطعة من الفحم وكتب على باب الدار : "الأخ عبد الخالق , حضرنا للمرة الألف ولم نجدكم " !, وعاد الى السيارة وركب بهدوء , وكأن الاستاذ عبد الخلق لم يمت وكأنه خرج للمشاركة فى عقد قران أو عزاء أو لاجتماع فى دار الحزب !
ويعبر الشاعر محجوب شريف , عن  نفس الموقف , بكلمات ملتاعة, صادقة و صافية  من     القلب :
صدقنى أنا  لاقيتو  امبارح..
لا بحلم كنت ولا سارح ...
كان باسم وشامخ كالعادة ...
نفس الخطوات البمشيها ...
نفس الكلمات  الوقادة ...
كان فاتح قلبه على الشارع ...
صحيح أنا  قبلك  صدقت ...
جريت وبكيت لما  سمعت ...
يوم نفذوا حكم الاعدام ...
لكنه  بكل  تفاصيلو....
جسمو, لونو , ضحكو , صوتو , مشيهو , وطولو ...
لاقانى , وبحلف  متأكد ...
لا شبيه لا واحد  من  جيلو ..!
ادى اهتمام الاستاذ عبد الخلق محجوب ورفاقه بتصعيد وتاهيل قيادات من العمال والمزارعين  , وفقا لنظرية المثقف العضوى Organic Intellectual   للقيادة فى الحزب  الى اعتراض الحرس القديم  , بقيادة الاستاذ عوض عبد الرازق, الامين العام للتنظيم والذى  تأسس  باسم  الحركة السودانية للتحرر الوطنى , الى جانب قضايا اخرى , نستعرضها لاحقا  . وتتلخص وجهة نظر الاستاذ عوض عبد الرازق وانصاره, كما جاء فى  دراسة  وافية للباحث المقتدر الاستاذ تاج السر عثمان والذى اورد تفاصيل اول انقسام فكرى للحزب,مستعينا بالتقرير الذى قدمه الاستاذ عوض عبد الرازق فى مؤتمر الحزب الثانى فى اكتوبر 1951م , ونشر الاستاذ بابكر فيصل تفاصيل وافية منه  فى صحيفة الرأى العام 18 مايو 2007م " . ويركز التقرير على  دراسة الماركسية اولا من مصادرها الاصلية " يعنى تجاوز اجتهادات المجددين أمثال قرامشى " ثم ترجمتها , بعد استقطاب افضل العناصر ذات النفوذ والتأثير فى المجتمع وصاحبة القدرات الذهنية بدلا من تصعيد قادة العمال " امثال الشفيع احمد الشيخ , قاسم امين , ابراهيم زكريا ..الخ" الى قيادة الحركة وهم فى مستوى ماركسى منخفض !, وان مكان القادة العماليين هو بين العمال فى عطبرة , وليس فى القيادة التى تتطلب قادة بارزين فى المجتمع ,نالوا من الدراسة النظرية المكثفة . كما يرى ان طبقة العمال مازالت طبقة وليدة تنحصر فى الخدمات " سكة حديد , بريد , موانىء , نقل نهرى " وهؤلاء جميعا دورهم مساعد وثانوى , فالعمال طبقة مازالت فى طور التكوين , ولم يكتمل تطورها ولن يكتمل الا فى ظل الثورة الوطنية الديمقراطية التى من مسؤلياتها الرئيسية تحقيق بناء صناعى واسع  يجعل من العمال طبقة  قائدة , قادرة على بناء حزبها الطليعى القوى الذى يسير بها نحو الاشتراكية . اما المزارعون فانهم يطابقون فى وعيهم مستوى الانتاج الزراعى  المتخلف !
ومن المفارقات , ان هذه التحفظات التى تمسك بها جناح الاستاذ عوض عبد الرازق , كانت مصدر القوة  لتصاعد ونمو الحزب , ووظف الاستاذ عبد الخالق محجوب ورفاقه امكانيات عمال الخدمات , كما وصفهم الاستاذ عوض عبد الرازق, من عمال السكة حديد والبريد والنقل النهرى الى شبكة اتصال تضاهى قدرات شبكة الانترنت فى عصرنا هذا . كانت منشورات الحزب وادبياته تنتقل وتوزع فى جميع ارجاء السودان , بسرعة واتقان , رغم  المطاردات والرقابة الأمنية , مما عزز من نفوذ الحزب وانتشاره , مع محدودية عضويته فى تلك المرحلة !... ونواصل..
الحلقة الاولى والثانية : "الشرق , الرأى العام , سودانايل , الراكوبة وسودانيزاونلاين ".
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.