للذاكرة  عطر عابق  بأريج  الوطن  ومواقف  الرجال, واذا غابت مآثرهم , فى ايامنا هذه  الحالكة  السواد , يتحتم  علينا  توثيق   مسيرتهم  رصيدا لاجيال قادمة , قطعا ستزوى هذه المرحلة البائسة  من  تاريخنا , لكن من المهم  تتبع  جذورها ومسبباتها , اللعنات لاتكفى  والشتائم   لن  تفيد  والخلاص الفردى لا يجدى , حتى لو اطفأ  اخر سودانى  مغادر, برج مطار الخرطوم !
صحيح تتضاعف المأساة ويشتد المأزق, عندما نرى الباحثين عن خلاصنا ,"يبحثون فى الواقع عن سيادتهم المفقودة لا سيادة شعبهم ", كما  قال الشريف حسين الهندى " هناك فرق بين ان تقاتل من اجل سيادتك الخاصة وبين سيادة المواطنين , هناك زعماء لايحسون بانهم مواطنين , فهم يعارضون و يناضلون من اجل استعادة  سيادتهم  الخاصة " ويهرعون فى تنافس محموم كلما لوح لهم" بعظم" سلطة او فتات صفقة , وهكذا انهارت كل التحالفات , رغم متانتها الظاهرية , كما كان حال الجبهة  الوطنية  فى  السبعينيات  والتجمع الوطنى الديمقراطى , فى تسعينيات القرن الماضى !  واصبحنا منذئذ ندور فى الحلقة المفرغة , من يصدق عندما  نقف على  جذور المأساة  وفصولها المتعددة  , ان يكون  مدبرها ومنفذها , الدكتور حسن الترابى , هو الذى يبشرنا بالخلاص منها  وتفسح له المنابر وتتسابق عليه التحالفات  ليقدم  لنا ماسلبه  منا  !" وان يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذونه منه ضعف الطالب والمطلوب "ومن يصدق  ما يجرى  فى بورصة  تحولات  الشخصية   السياسية السودانية من اقصى اليسار الى اليمين , كبندول الساعة , ولا نحتاج لذكر الاسماء , نحيلهم الى يوم القيامة  اليومى , كما يصفه الشاعر مريد البرغوثى , بانه يوم القيامة الشخصى لكل من لايزال حيا . يوم  القيامة المبكر الذى لا ينتظر موعد دخولنا الى الابدية , "المخدة "تكشف لنا صدق مواقفنا بلا زيف عندما نختلى بانفسنا  ويبدأ ليل الارق والندم والتحسر  ! وحتى لا  نظلم احدا  , نحتكم لمقولة سيدنا على , كرم الله وجهه , " ليس  من  طلب  الحق فأخطأه , كمن  طلب  الباطل  فأدركه " , قد لا يحق  لنا  الامساك وحدنا بمعايير الفرز , العزاء عند بعضهم كما  قال احدهم " انهم يعتبرون انفسهم وحدهم المسلمون وبقية السودانيين من احفاد أبى لهب " !  لكن العبرة  فى  هذا الزمن ," ليست فى فهم الدين بل فى استخدامه ",  " هل يحق لاحد ان يقول انه هو الاسلام ؟, وهل  من حق اى تجربة ان تعلن بقرار او حتى باستفتاء  انها  التجسيد  الوحيد للاسلام " ! التوظيف  الدينى  للخلافات السياسية , ادى عبر التاريخ الاسلامى الى الكوارث التى نعيشها  , "  منذ رفع المصاحف فى معركة صفين", كما يقول المفكر محمد  جابر الانصارى  ويشير الى اخفاق الفكر السياسى الاسلامى , حتى الآن فى معالجة الطبيعة الثنائية المزدوجة للدولة الاسلامية كدولة تستمد شريعتها من الله وتستمد سلطتها السياسية من البشر , والاخفاق كذلك  فى وضع الحدود الفاصلة نظريا وتطبيقيا , فكرا وممارسة وتنظيما بين حكم الشريعة فى مجالها القانونى وحكم السياسة البشرية فى اجتهادها السلطوى , وهذا ما جسدته  التجربة السودانية. يقول الدكتور حسن الترابى فى كتابه التبشيرى "تجدد الفكر الاسلامى "عام 1997 م " من حسن حظنا فى السودان اننا فى بلد ضعيف التاريخ والثقافة الاسلامية الموروثة وقد يبدو ذلك لاول وهلة , نقمة , ولعلها ببعض الوجوه نعمة اذ لاتقوم مقاومة شرسة لتقدم الاسلام المتمدد ."  ويضيف فى تصريح لاحق لصحيفة "القوات المسلحة" 31 ابريل 1993 م" ان الحركة الاسلامية فى السودان اتجهت نحو العالم  ايمانا بعالمية الرسالة الدينية التى تنزع نحو المطلق ولا يحتويها ظرف المكان , السودان المستضعف الهامشى سيسمق ويصير دولة عظمى لا تضاهيها اية قوة فى العالم " ويضيف ان تأثير السودان سيبدأ ليشمل الدول الافريقية والعالم اجمع وسيمتد الى دولة بلا حدود , كما امتدت الدولة الاسلامية حتى الاندلس وفارس وحدود الصين . ان السودان لا يصدر فقط الفائض من غذائه وانما يصدر ايضا الغذاء الحضارى " !  وتحدثنا احصائيات الامم المتحدة ان من بين كل  ثمانية لاجئين فى العالم لاجىء سودانى , وارتفاع نسبة النازحين السودانيين الى 90 فى المائة من نسبة النزوح على مستوى العالم . ويقول الاستاذ عثمان ميرغنى , رئيس تحرير صحيفة" التيار " والمنتمى للتيار الاسلامى ان عدد  قوات الامم المتحدة فى السودان بلغ 33558  جنديا وهو رقم  لم  نصله حتى عندما كنا تحت الاحتلال البريطانى, ويضيف "هذا يعنى ان السودان محروس امميا  ويعنى قصور الاهلية الوطنية عن ادارة رقعتنا الجغرافية " – صحيفة التيار 26 يونيو 2011م
واليوم , التاسع من يوليو 2011م  , " نرفع راية .. انفصالنا " نردد الرثاء البليغ الذى صاغه  الروائى غبريال غارسيا ماركيز فى رائعته " الجنرال فى متاهة  " :
" الآن نقف جميعا على بركان الوطن الذى ينفجر ولم يعد فى وسعنا ,الا ان نتوحد مع الجمر المتطاير من فوهته وننسى نارنا الصغيرة . اليوم لا يحق  لنا  ان ندقق فى هندامنا لاشىء يستحق الاناقة واللياقة , الوطن نفسة  , فى وضع غير لائق " , أضاعه جيل  سيظل ملاحقا بلعنة  التاريخ !
نواصل الاسبوع القادم حلقات :" برزخ الصحو والغياب للمفكر الكبير".
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.