أهم  مايمز الراحل  جون قرنق , ويقلق خصومه , انه  لا عمر  له  , رغم مولده  يوم 23  يونيو 1945 م ومغادرته الدنيا 30 يوليو 2005 م.., سيظل رمزا فى الذاكرة  السودانية , وملهما لطموحات اجيال  قادمة لاسترداد وحدة بلادهم, اذا هزمت وتمتينها  اذا  صمدت , وهاهم  رفاقه  من أهل الشمال الذين بشروا معه بحلمه  , يعضون على جراحهم  ,فى ذهول  للتفريط   فى  مشروع  قدموا له الكثير من فكرهم  وجهدهم, يقينا  منهم  بانه الحل الامثل  لمعضلات بلادهم  , منهم الدكتور  الواثق كبير والدكتور محمد يوسف احمد المصطفى وقد اكد
فى تصريحات منشورة , هول الصدمة قائلا :" كيف نخسر جنوبا وامكانات تقدمنا  تشمل  كل الوطن, الانفصال قفزة فى الظلام ولن يزيل التهميش ".سودانايل اكتوبر 2010م. . تميز الراحل جون قرنق  بقوة  الاقناع  مع قوة  الارغام , كان مغايرا لما اعتدنا عليه  من الزعامات  , ولا ضرورة للحديث عنهم  تفصيلا ..كان الراحل استثناء  كما كان قبله الشريف حسين الهندى ,  الرجلان جسدا  حلما  ومشروعا  لم يكتمل , تنكر له  الورثة  بعدهما ..كانا رمزا   فى مواجهة التضخم الايدولوجى  الممزوج بجبروت  قاموسنا السياسى  وبؤسنا المعرفى لواقعنا   ولست هنا بصدد المناقب ولكن عن مآل  الاحول بعد  رحيلهما  المأسوى المفجع ! كان الدكتور جون قرنق فى حلمه شبيها بالدكتور مارتن لوثر كنج (حلم متأصل فى حلم الاغلبية  ).. تيار الانفصال داخل الحركة الشعبية  عميق الجذور امتد منذ عام 1983 م وكانت اول مواجهات الدكتور قرنق وحروبه, ضد هذا التيار الذى قاده أكوت  اتيم , قاى قوت , قبرائيل قانى وعبد الله شول , بعد شهر واحد من تأسيس الحركة الشعبية , كانوا يتساءلون لماذا نتحمل عبء السودان كله ,يكفينا تحرير جنوبنا .وحسم الامر بهزيمتهم عسكريا ,  ثم  التيار الاكثر نفوذا  بقيادة د. رياك  مشار ود. لام أكول واحدثا انشقاقا مؤثرا وجد دعما خارجيا ومساندة من الخرطوم  ولاول مرة تطرح  قضية  تقرير المصير عام 1991 ( التقى  لام اكول فى الاسبوع الماضى  بالسيد سيلفا كير تمهيدا  لعودته  الى الحركة الشعبية فقد انتفت الآن اسباب خروجه- سودانايل اكتوبر2010 م) وعندما وقعت الحركة الشعبية  اتفاق اسمرا للقضايا المصيرية قال دكتور قرنق قولته الشهيرة (الآن انتهت مشكلة الجنوب وبدأت مشكلة الشمال) واعقبها فى تصريح لاحق( من يريد الانفصال  عن الجنوب عليه  ايضا حمل السلاح ). وبدأ  قلق وهواجس  قوى الانفصال فى الشمال والجنوب  , خاصة بعد تنبؤات  صريحة بعضها منسوب لمناصرى الحركة الشعبية   ( فلنتهيأ لحكم اول جنوبى مسيحى للسودان كله )  وتصدت لها ماكينة  الدعاية من الطرف الاخر ( اليقظة قبل ان يقتحم هولاكو السودان الجديد الخرطوم والتحذير من اندلس جديد بعد عودة الدكتور جون قرنق  الى الخرطوم  - منبر السلام العادل , الطيب مصطفى والدكتور قطبى المهدى ) اغلبيتان تميز بهما السودان  اغلبية اثنية جزورها افريقية  واغلبية دينية عقيدتها الاسلام وهى  معادلة  يتننازع حولها تياران رئيسيان , دعاة دولة المواطنة  ودعاة الدولة الاسلامية , لذلك  ارتاع التيار الاسلامى بصورة غير مسبوقة  عندما تمرد المهندس داود بولاد , من قيادات الحركة الاسلامية فى دارفور وقاد فصيلا مسلحا تحالف مع الحركة الشعبية عام 1991 م .وحشدت كل الامكانات لحصاره واجتثاثه , واشتدت  عندئذ حرب الدعاية   المضادة  لاطروحات الحركة الشعبية  والمناداة  بالجهاد  لاحباط  مخططاتها   و نسب  للدكتور جون قرنق, ولا يوجد توثيق لهذه المقولة, بانه  يتمنى شرب القهوة فى المتمة  والهدف من ترويجها  اثارة حمية  اهل الشمال ! والمفارقة التى تعكس وعى  وحكمة    العديد من  قياداتنا الشعبية  الذين اكتسبوا مواقعهم  اصالة  وموروثا تاريخيا ,مارواه الدكتور منصور خالد  , عندما التقى بعمدة الجعليين الشيخ حسن نمر فى القاهرة عام 2004 م مشاركا فى مؤتمر الحزب الاتحادى الديمقراطى  وبعد التعارف قال له :اريدك ان تحمل رسالة للكتور جون قرنق ان لم يكن ياسر عرمان قد نقلها  , ارجو ان تبلغه ان الذين يرموننا بالعنصرية لا يعرفوننا وقل له اننى سأكون على رأس مستقبليه فى الخرطوم لاصطحبه معى للمتمة ليشرب القهوة مع أهلها ! ) لا نملك  ونحن نستعرض فصول النكاية فى تاريخنا  المعاصر  الا ان نتساءل كيف نتجاوز ازمة السياسة وازمة الثقة والقيم ونحن نشهد انشقاقا عموديا  فى بنيان امتنا ماديا ومعنويا ؟ ليس  الوقت مغريا للشماتة وهى فاكهة  لذيذة ومفضلة فى شوارع المغلوبين على  أمرهم  ,المسحوقين  بغلو  شعارات التأثيم والتخوين  والوصم وجراحات الأسى  ! اصابتنا لعنة جيوبولتكية  لتطغى النعرات العرقية والاقليمية والطائفية  وتتحكم فى مصيرنا  ولن  تنفعنا استراتيجية القنفذ بالتحصن وراء الاشواك  ولعن كل المشاهد التى تتلاحق  امامنا  و العزاء بشعارات( نحن قبيل شن قلنا )!
نضطر لمبضع  الجراح  لتنظيف  الجرح  , املا لقراءة  واقعنا اليوم وتاداعيات مابعده .. نشرنا  فى  جريدة  الفجر عام 1996 دراسة للدكتور فاروق احمد ابراهيم قال فيها :  ان انقلاب 30 يونيو 1989 م , يجسد فى واقع الامر مستويين للازمة التى تميز قياداتنا الحزبية , المستوى الاول لها يتمثل فى ممارستهم المجافية تماما لاسس النظام الديمقراطى والتقاليد الديمقراطية المعروفة والراسخة وكذلك فشلهم الكامل فى حكم البلاد وادارة شئونها , مما عمق من حجم الازمة الموروثة من النظام المايوى , بدلا من كنس آثاره  والذى  قاد بالضرورة الى فتح الباب على مصراعيه لتدخل من خلاله دبابة الجبهة وهوسها ..(الفجر يونيو 1996م )  - انصار الجبهة الاسلامية فى انتخابات 1986 بعد سقوط  نظام الرئيس جعفر نميرى كان سبعمائة الف ناخب ..علماء النفس يحذرونا من التكلس فى ذكريات الازمنة الماضية ( لأن الخيال يتغذى بها وبآمالها وامانيها ), علينا الاعتراف للتاريخ , بقدرات الدكتور حسن الترابى , ودوره  الفاعل فى استثمار مسالبنا واخفاقاتنا, وان استحق  ثمار غرسه  فى  آخر  جولاته  وشرب من الكأس الذى اجبر خصومه على  اجتراعه,  !.. كانت البلاد تمور وتفور من اخطاء وتخبط  حكومة  الصادق المهدى ,( وهو مازال متمتعا بقدرات التحليل وتعديد اسباب الازمات والعجز عن حلها  عندما  يكون فى سدة  الحكم ,) سادت الاضرابات   والهزائم  المتلاحقة  فى  ساحة  العمليات  بالجنوب ,وارتفع صوت القيادة  العسكرية  بالشكوى ,  و كان التوقيت مناسبا مع  الدكتور الترابى  فاختار اسهل الطرق لاستغلال الواقع   بدغدغة  احلام واشواق  اكثر من سبعين فى المائة من الاميين من اهل السودان  باسم المشروع الحضارى , ( مشروع ارادة  دون حساب للامكانيات والقدرات الحقيقية  للامة ومكوناتها , استغلال  للارادة  الخام لشعبه   فى نسخة رديئة لديكتاتورية لايمكن للاسلام ان يضفى عليها محاسن وان نسبت تعسفا اليه وعندما تفشل مثل هذه الارادة فى تغيير واقعها ,سرعان ما تجيش طاقاتها الى مهمة اوسع واشمل وتصوب نحو العالم كله والتبشير بتغييره وخوض الحروب ضد تقدم الآخر لا ضد تخلفه  وهذا ماشهدنا ه من تعد على دول الجوار الاقليمى شمالا وشرقا . واستضافة  لتنظيمات القاعدة  والجهاد الاسلامى والمِؤتمر الشعبى الاسلامى. الفجر يونيو 1996 م ).
وكانت ضربة  مصنع  الشفاء  للادوية  بالخرطوم بحرى عام 1998 م فى يوم واحد مع  قصف العاصمة الافغانية كابول ردا على تفجير سفارتى الولايات المتحدة  فى كينيا  وتنزانيا . وكانت رسالة  واضحة , كما جاء فى مقال  الاسبوع   الماضى , وأول من فهم   مضمونها  مجموعة الاسلاميين الذين عاشوا وتعلموا فى امريكا واوروبا  , ويقول الاستاذ المحبوب عبد السلام فى كتابه – الحركة الاسلامية السودانية , دائرة الضؤ , خيوط الظلام -2010 م – المحصلة الاهم فى تطورات مابعد الحادثة –قصف المصنع –فهو انفتاح منبر للحوار لاول مرة مع ادارة الرئيس كلينتون التى ظلت تقابل السودان باذن صماء , ونشطت مجموعة من عناصر الانقاذ الاسلامية تتحاور وفق اتفاق يثمن على اهمية الحوار مع مجموعة من الدبلوماسيين الامريكيين بهدف التفاهم نحو تحسين العلاقات , مهما تكن الاجندة من ملف حقوق الانسان الى ملف السلام فى الجنوب وجبال النوبة , فرغم وجود الحركة الاسلامية فى امريكا منذ الستينيات ليزداد فى السبعينيات ويتكثف فى الثمانينات , جلهم ممن اقام سنوات وحصل على دراسة عليا لم تستثمر تلك المعرفة اللا محدودة  فى واشنطن , ولكن مع بداية الحوار الجاد بعد الدستور , بدأت النخبة تستعمل كل خبراتها لتحسين العلاقات الثنائية ... نستعين بهذا الاقتباس  المطول  ,لنصل الى اول ازمة كارثية واجهت الحركة الاسلامية  بعد استيلائها على  السلطة  , وكان فشلها  المريع  فى  ادارتها   وتداعياتها   التى ادت الى تمزقها  وضعفها  الآن  .. قصف مصنع الشفاء كان يوم 20 اغسطس 1998م  وقصف  الاسلاميون , ممثلين فى نخبتهم واكاديمييهم , وحدتهم  بعد  ثلاثة شهور فقط بعد رسالة قصف المصنع ,  شهد   يوم 8 ديسمبر 1998 اول تحركات  مفجرى  مذكرة  العشرة ..وللمفارقة  كان الصديق المحبوب عبد السلام من بينهم عند ضربة البداية ..!.ونواصل
المقال الاول من هذه الحلقات ..السودانيون وادارة أزماتهم ..أين الخلل ؟
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.