هزة  ارضية  , ثلاث  درجات  ,  بمقياس  ريختر  , تعرضت  لها  الخرطوم  يوم  الجمعة 9  يوليو  2010  م , لم  تحدث اضرارا  , ولم  تكن  لها  توابع   ارتدادية  ,  الا ان سكان  السودان , جميعا  , يضعون  ايديهم  على  قلوبهم  ترقبا  وتحسبا  لزلزال  سياسى  قد  يحدث  فى  الحادى  عشر  من يناير  القادم  , موعد  الاستفتاء  على  وحدة  السودان  !

 

ماهى  الوسائل  العلمية  والعملية  لاحتواء  اخطار  واضرار نتائج  الاستفتاء على  تقرير  المصير ,  وهل  هناك  حل  ,مازال  ممكنا  , لجعل  الوحدة  جاذبة  ؟

 

عقب  انتهاء  مراسيم  التوقيع  على اتفاقية  اسمرا  للقضايا  المصيرية  فى  يونيو  1995 م , وقف  الدكتور  جون  قرنق  ليقول  على  مسامعنا  , مجموعة الصحفيين ,الذين  توافدوا  الى  قاعة  فندق  نيالا , بالعاصمة الارترية , لتغطية الحدث  الكبير , الذى تداعت  له  غا لبية احزاب  السودان والنقابات وتنظيمات المجتمع  المدنى ( 160  حزبا وتنظيما وشخصيات وطنية ) :

 

- الآن   انتهت  مشكلة  الجنوب  وبقيت  مشكلة  الشمال  !

مامعنى تصريحه  ومراميه  فى  تلك  المرحلة  ؟

 

كان  نظام الخرطوم  فى  منتصف  التسعينيات  من القرن  الماضى ,  محاصرا ومطوقا  من  كل  الجبهات  الاقليمية  والدولية  , واتسعت  المعارك  , فى  مراحل  لاحقة , من  الجنوب  الى الجنوب  الشرقى  على  الحدود الاثيوبية  وداخل  مناطق  النيل  الازرق والى  الشرق داخل  ولاية  كسلا   .. وتضمنت  اتفاقية  اسمرا  للقضايا  المصيرية ,  تصورا واضح  الملامح , للدستور  الانتقالى  , الذى  يحدد  مستقبل  الحكم  فى  السودان , ويتجاوب مع   مانفيستو  الحركة  الشعبية  لتحرير  السودان ,لانجاز شعارها , السودان  الجديد , فى  أهم  منطلقاته  :

1-     تأكيد  مبدأ  حق  تقرير المصير  كحق  أصيل  واساسى  وديمقراطى  للشعوب.

2-     الاعتراف  بان  ممارسة  حق  تقرير  المصير يوفر  حلا  لانهاء  الحرب  الأهلية  الدائرة وتسهل  استعادة  وترسيخ  الديمقراطية  والسلام  والتنمية .

3-     ان  يمارس  هذا  الحق  فى  مناخ  من  الشرعية  والديمقراطية  وتحت  اشراف  اقليمى ودولى .

4-     ان  المناطق  المتأثرة  بالحرب  هى  جنوب  السودان  ومنطقة  ابيى وجبال  النوبة  وجبال  الانقسنا  .

5-     ان  مواطنى  جنوب  السودان  (بحدوده  المعتمدة  من الاول من يناير 1956 )  لهم  الحق فى  ممارسة  حق  تقرير  المصير  قبيل  نهاية  الفترة  الانتقالية .

6-     اذ  يقر  التجمع بان  حق  تقرير  المصير  حق  انسانى  وديمقراطى , وحق  للشعوب  فهو  كذلك  آلية  لوضع  نهاية  فورية  للحرب  الاهلية , وفرصة  تاريخية  متفردة  لبناء  سودان  جديد  ,يؤسس  على  العدالة  والديمقراطية  والارادة  , ويلتزم  التجمع  ليمارس  هذا   الحق  التاريخى  بنجاح.

 وتتطابق  او  تتقارب  الفقرات  اعلاه مع  اتفاقية  نفاشا  للسلام  الشامل  التى  وقعتها  الحركة  الشعبية  منفردة  مع  الحكومة  السودانية , الا ان  الاختلاف  الجوهرى , والذى  نجحت  الحكومة السودانية  فى  تجاوزه , وابعاد  التجمع  الوطنى  الديمقراطى  من  المفاوضات  , يأتى  فى  أهم  فقرات  الميثاق  وهى  الفقرة ( ب ) من  البند  الأول  والتى  توضح :

- الدين  والسياسة  فى  السودان  , وتتضمن  مايلى:

1- ان كل  المبادىء  والمعايير  المعنية  بحقوق  الانسان والمتضمنة  فى  المواثيق والعهود الاقليمية والدولية  لحقوق  الانسان  , جزء لا يتجزأ من دستور السودان ,  وأى قانون أو  مرسوم او قرار أو اجراء مخالف لذلك , يعتبر  باطلا  وغير  دستورى  .

2-  يكفل  القانون  المساواة  الكاملة  بين  المواطنين  , تأسيسا على حق  المواطنة . واحترام المعتقدات  والتقاليد وعدم  التمييز  بين المواطنين  بسبب  الدين  أو  العرق أو  الجنس  أو  الثقافة  , ويبطل  أى  قانون يصدر  مخالفا لذلك  ويعتبر غير  دستورى .

3- لا  يجوز  لأى  حزب  سياسى  ان  يؤسس  على  أساس  دينى .

ونصت اتفاقية ماشاكوس ونيفاشا  على ان  التشريعات التى   تسن  على  المستوى  الوطنى  والتى  تطبق  على  الولايات  خارج  جنوب   السودان  , يكون مصدرها  التشريعى  , الشريعة  واجماع   الشعب .

 

وتردد السيد محمد  عثمان الميرغنى  , رئيس  الاتحادى  الديمقراطى  وزعيم  الختمية , فى التوقيع  على  الميثاق  , كما  عارضت مصر  وليبيا  , النص   الذى  يدعو الى حق   تقرير  المصير .

ونشطت  قوى  التجمع   لكسب  الميرغنى  فى  صفوفها , وقررت  بالاجماع  اختياره  رئيسا  للتجمع, وبذل  الكتور جون قرنق , و  تربطه به  علاقات  وثيقة , الجهد الاكبر, لقبول  الترشح , مؤكدا  له  التزام  الحركة  الشعبية  بوحدة  السودان  , والمعروف  ان  حكومة  السودان  وجماعة  الناصر , التى  انشقت  عن  الحركة  الشعبية , بقيادة رياك مشار  ولام أكول, وقعتا فى  يناير 1992 اتفاقية فرانكفورت , والتى  نصت  على  تقرير  المصير , واصبح من  العسير  على  الحركة الشعبية  تجاوزه. واقتنع  الميرغنى  واوضح  فى  تصريح  صحفى: ( العمل  فى  التجمع  اولا  واخيرا  , خدمة  وطنية  فى  سبيل  السودان  الديمقراطى  الموحد  , وان  الحزب  الاتحادى  طرح  منذ  البداية  فكرة  القيادة  الجماعية  للتجمع  ولكن  الآخرين  طلبوا  منه ان يكون  رئيسا  للتجمع , وقد  انتهى  ما يسمى  بالسلام  من  الداخل بعد  اعلان  رئيس  النظام استعداده  لفصل  الجنوب .  نحن  مع  الاخوة  فى  الجنوب   على  اتفاق  تام  سواء  كان من  خلال مواثيق  اسمرا  حول  القضايا  المصيرية  او  على  مستوى  القيادة  مع  د. جون  قرنق  , بأن  لا  تفريط  فى  وحدة  السودان  وقد  أعلن  د. قرنق  انه  يتطلع  الى  وحدة  تمتد  من  نمولى  الى  الاسكندرية   .) واعاد  الميرغنى  للاذهان  الاتفاقية  التى  وقعها  مع  الدكتور جون  قرنق  فى  اديس  ابابا   عام  1989 . وكان  الميرغنى  فى   نقده  لموقف الحكومة  , يشير الى  لقاء  للرئيس البشير , فى  تلفزيون  قطر  عام 1995  ونقلته  وكالة  رويترز قال  فيه  ( ان  السودان  على  استعداد لفصل  الجنوب اذا  كان  ذلك  سيؤدى  الى  انهاء  الحرب  الاهلية  . ان  انفصال الجنوب افضل  من استمرار  الحرب  وان  احتمالات  الوحدة  قائمة كذلك . وعلى  كل  حال  فان  خيار  الانفصال  مع  السلام  افضل  من  خيار  الوحدة  مع  استمرار  الحرب ).

ويقلل الدكتور عمر  نور الدائم  , الامين  العام  لحزب  الامة , فى  مذكراته التى  سجلت  اجزاء  منها , من اهمية  اتفاقية  الميرغنى – قرنق  ويصفها  بأنها  كانت  جدول  اعمال  للتفاوض  ولم  تتبلور الا بعد  اتفاق  القصر  وتحديد  موعد  المؤتمر  الدستورى , وقال ان  الاستاذ  بونا  ملوال , القيادى  الجنوبى , اعترف  بأنهم    كانوا  وراء  الاتفاقية  , لضرب  مخططات  حزب  الامة , وقال ان  الحركة  الشعبية   تحتاج  الى  تعاون  أوثق  مع  حزب  الامة لوجود   قبائلها  عند  خطوط  الالتماس  فى  أبيى . واضاف  ان  الاتفاقية  لن  تنفذ اذا لم  تتم  مقايضة  ارتريا    كما   يضغط  رئيس اثيوبيا , منقستو  هايلى مايرام , لان  الحركة  الشعبية  كانت  رهينة  عنده , بل ان  سيطرة  الدكتور جون  قرنق  على  الحركة  الشعبية  لم تتم  الا بعد  قيام  نظام  منقستو  , بتصفية  المنافس  للدكتور  جون  قرنق  , فى  قيادة  الحركة ,  صمويل قوت ,  وهو  من  النوير , ولهذا  السبب  يدعى  النوير ,انهم  مؤسسو  الحركة  الشعبية .!

ويتحدث  الدكتور عمر نور  الدائم  بمرارة عن عدم تجاوب الولايات المتحدة مع  القوى  الشمالية فى  التجمع,  وقال لى  بحضور العقيد  عصام  ميرغنى ( ابو غسان ) , نائب  رئيس  قوات التحالف  فى  الثانى من  سبتمبر 1999 , بأسمرا , ان امريكا  وعدت عام  1999 بدفع  سبعة  ملايين  دولار  للمعارضة , ودفعت  بالفعل  خمسة  ملايين  للحركة  الشعبية , ولم يدفعوا  شيئا  للمعارضة  الشمالية . وقال انه  ابلغ اعضاء  فى  الكونقرس  الامريكى  , بهذا  الامر ,عند  زيارتهم  لمقر  التجمع  عام 1999. وفى  اجتماع  اخر بين  احزاب  التجمع  مع  سفراء  امريكا  فى  الخرطوم   واسمرا   ونيروبى  , عقد  بمقر  التجمع  فى  الثالث  من  نوفمبر عام  1996 , افتتح  الاجتماع  الدكتور  عمر موضحا امكانية  الاطاحة  بنظام  الخرطوم  اذا  وجد  التحالف  الدعم  الكافى  , وهنا   قاطعه  سفير  امريكا  فى  الخرطوم  بان  حكومته  تقف  على  مسافة  واحدة  بين المعارضة  وحكومة  الخرطوم  . وتدخل  الدكتور منصور  خالد  موضحا  ان  المعارضة  قادرة على  ازالة  نظام  الجبهة  بامكانياتها .واستفسر  السفير حول امكانية ازاحة  الدكتور الترابى  من  موقعه القيادى , فأ جاب  الدكتور  خالد , ان  هذا  غير  ممكن  لأنه  الرمز الأوحد   للنظام  وهو  صلتهم  الاممية! وفى  ختام  الاجتماع  سأل  السفير  الدكتور  عمر  نور  الدائم, اذا  كانت الجبهة  الاسلامية تحمل  نفس  طموحات الخليفة  عبد  الله  التعايشى  لايصال  الاسلام  الى  بريطانيا ؟  وقد تحدثنا   بتفاصيل اكثر  عن   هذه  المناظرة  فى حلقات  سابقة  بعنوان  ,  السودان :  المنارة  أم  الجسر ؟  ..   ونواصل  فن  الممكن  والمستحيل  لخيار  الوحدة  الجاذبة  , فى لقاء  قادم  .!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.