عندما نفقد عزيزا ,من الاصدقاء   , وما أكثرهم, تحت ا لثرى,  وقلة  على برزخ  الرحيل, يعزينا الاستاذ صديق محيسى  , بابتسامة حزينة , بأن نتأمل لوحة  المسافرين  , المعلنة عن "الاقلاع  والهبوط  " فى  المطارات , التى تتسارع  فى  ايقاع  الكترونى  رتيب  , لتنبئنا بالطائرات  التى اقلعت  والتى  هبطت  ,أو  تلك المتأخرة عن مواعيدها , وهى  ترجمة  لمعانى  الآية  الكريمة  " فمنهم  من قضى  نحبه  ومنهم من ينتظر  .." !

 

وكان الصديق الاستاذ   سيد أحمد  خليفة  ,  فى  حالة اقلاع  دائم  ,  وعندما يوشك على   الهبوط  اضطرارا  ,  كان  مثل  النمر ,  ينخفض  قليلا  أو  كثيرا  ,  ثم  يثب  ,  تجاه  هدفه  ,  وهى  مرونة  ,  لم  تتوفر  للكثيرين  من ( مجا يليه) , كان  بعضهم , يعض على جرح  كبريائه ,متلبسا بمثل عليا , توصله  أحيانا  الى  الافتراس  الذاتى , ولا  يبالى , فقد  حدد  خياراته  ,  " يا أسود   , يا أبيض  " !  وهو  سعيد بذلك  , لا  يهمه  التشرد  فى  المنافى  أو  الأعتقا ل أو السجن  فى  الوطن ." !  وآخرون  اعتصموا بمواقف " تنز بالحزن والأسى   " أدمنوا مضغ الهزيمة ," ! وثلة  "متصلبة , بدلا  من  الصلابة  ومنفعلة  بدلا, من  الفعل" !

وحقق الاستاذ  سيد أحمد , معادلة  التصالح  مع  نفسه , باجتيازه العديد من  المطبا ت  والحواجز المميته , وقد حاصرته  النيران الصديقة  وكذلك  المعادية  , من  الانظمة  السياسية  المتعاقبة  منذ  سودان  عبود  الى  الانقاذ ,  لذلك  لم  اندهش  ,  عندما  سمى  آخر  احفاده  من  مواليد جريدة  "  الوطن  "  بأسم  "  الأسطورة "  , وهى  صحيفة  اجتماعية , مثيرة  للجدل ,  صدرت  عام 2009 م..!

 

وتتنوع الذكربات  مع  "  أبو  السيد  "  ,  الأسطورة , وقد  التقينا  فى  ميادين  ارحب , تجاوزت , حدود  السودان ,الى  الصومال  وارتريا  وجيبوتى , وقد  أنقذنى فى  الأخيرة"  جيبوتى", وأطلق  سراحى بعد  اعتقالى  واصرار  السلطات على  تقديمى  للمحاكمة  ..!

 

وحفاظا  على  سياق  هذه  الذكريات  وتسلسل  أحداثها  , سأعود  لاحقا  الى  واقعة  اعتقالى ,    و كان شاهدا عليها  ايضا , الصديق , على  حمد  ابراهيم  ,سفير  السودان  فى جيبوتى , تلك الايام   , بعد  سرد  أحداث  متصلة  , ساقتنى  لذلك  البلد , تزامنت   مع  رحلة  مغادرتى  السودان  يوم  20  يوليو  عام  1990متوجها  الى  الكويت .

كنت  واحدا  من  بين  ثلاثة  صحفيين , الاستاذ  محمد  الحسن  احمد ,  رئيس  تحرير "  الأضواء  "  والاستاذ  محي الدين  تيتاوى  ,  رئيس  تحرير " الاسبوع  "  وشخصى  رئيس  تحرير " النهار " ,استدعينا  بعد  ثلاثة  أسابيع من انقلاب 30 يونيو 1989 م , لمقابلة  اللجنة  السياسية  لمجلس  قيادة  الثورة  , برئاسة  العميد  عثمان  أحمد  حسن ,  وعضوية  المقدم  محمد  الأمين  خليفة  , والمقدم  حسن  ضحوى , وجميعهم  على  قيد  الحياة  , وسأ لنى  العميد  عثمان , عن  رأيى  فى  النظام  الجديد  , وكنت  واضحا  فى  أقوالى  , بان  ما  حدث  جاء  على نسق  نظام عسكرى  سا بق, مايو   , وبغض  النظر  عن  تحالفاته وتقلباته , فقد  اوشك  ان يصبح  ,  دولة  مؤسسات  ,  ومع  ذلك  اطيح  به  !.  واوضحت  بأنه  يصعب   حكم  السودان  بدون  تحا لف  حقيقى  لقواه  الرئيسية  الفاعلة  ,  القوات  المسلحة  , الاحزاب  السياسية  والنقابات  الفئوية  ,  على  غرار  التجربة  التركية ,  والتى  كانت , فى الصدارة ,  تلك  الايام . وسألونى  عن  حا ل  الصحافة  السودانية , فأجبت  بان  التساهل  فى  شروط  الترخيص  نتج  عنه  اكثر  من  سبعين  صحيفة , مما  اوجد أزمة , حتى  فى  اسماء  الصحف , و قد اضطر  احد  الناشرين  لتسمية  صحيفته  ب "  الجود لية  "  وهو  اسم  جدته !,..وسئلت  بصفتى  من  اسرة  جريدة " السودان  الجديد ", وصلتى   المستمرة  بأسرة " ابو  الصحف ", الاستاذ  أحمد  يوسف هاشم  , اذا  كانت  الأسرة , ستوافق عل  تسمية   احدى  اصدارات  النظام , بأسم " السودان  الجيد " , فأبلغتهم, من  الافضل  الاتصا ل بالرائد ابو  القاسم  هاشم ,زوج  كريمة , الاستاذ احمد يوسف هاشم , والمتحدث بأسم العائلة ,  ويبدو ان الاتصال تم  بالفعل, ولم  توافق  الأسرة , فصدرت  الصحيفة  ,   باسم    "السودان  الحديث  " ! 

 

واستنتجت  لاحقا,  اسباب  استدعائى  فى ذلك   الوقت  المبكر ,من الانقلاب , قد يعود الى العلاقة  الودية    بينى , والاستاذ  على  عثمان  محمد  طه ,  نائب  الامين  العام  للجبهة  الاسلامية  القومية  آنذاك  , وقد  زارنى  بعد  صدور  جريدة  " النهار "  وبصحبته  الاستاذ  ابراهيم  السنوسى  , بمكاتبنا  بالخرطوم  " اثنين " , واشادا  بالصحيفة, شكلا  ومضمونا , وقال  لى الاستاذ  على  عثمان , مجاملا  ومشجعا , ان " القوم "  المجلة  الشهرية  ,  أنجبت  صحيفة  يومية  متميزة,  ورغم  صدورك  متأخرا  , ينطبق  عليك  قول  أبى  العلاء   المعرى:

  انى   وان  كنت  الأخير  زمانه            لآت  بما  لا تستطعه  الأوائل " ! ..

 

وبعد  ستة شهور من  انقلاب 30 يونيو ,  اتصل  بى  الصديق  الاستاذ  محجوب  عروة , رئيس  تحرير" السودانى"  , وناقش  معى  اعادة  اصدار مجلة  " القوم  " , بعد      استثناء  الصحف  الدينية  والاجتماعية  من  قرار  الايقاف ,  وابلغنى  مشكورا  استعداده  لطباعتها  وتوزيعها  ,  الا  اننى  قررت  الهجرة  الى  الكويت  ,  وقد  تلقيت  عرضا  من  الاستاذ  أحمد  الجار  الله  ,  رئيس تحرير  " السياسة "  للعمل  معه  ...  وغادرت  الخرطوم  يوم  20  يوليو  1990 م , والتحقت بالقسم  الدولى بالصحيفة  , وسكنت  مع  صديقى  المستشار  عز الدين حمد  , بمنطقة  الرقعى  , القريبة  من   قصر  دسمان ,  وثكنات  الحرس الاميرى ,وبدأت  البحث  عن  مسكن   فى الحي... ويا لمفاجآت  الأقدار  , بعد ثلاثة عشر يوما من وصولى الكويت , احتلت  القوات العراقية  , البلد الكريم , يوم  الثانى من اغسطس 1990,  وكانت المعركة الرئيسية حول  القصر الاميرى فى الجهراء   ولا يبعد كثيرا من مكان سكنى !,  وهنا لابد من  الاعتراف  بتناقضات  المهنة  وتأثيراتها  النفسية   والعملية  , سلبا  أو ايجابا على شخصية  الصحفى ,  والتمايز  بين   الد فء الانسانى  وصقيع  الاحتراف !  وقد ذكرنا فى مقال سابق مأساة  المصور  الصحفى  الامريكى , كيفين كارتر  , الذى  التقط الصورة  الشهيرة لطفل فى جنوب  السودان    انهكه     الجوع   وظل   يزحف  فى  الطريق   الى   معسكر     للايواء

, وظهر خلفه  نسر  يتأهب للانقضاض عليه , وظل المصور متربصا , يتابع  المشهد بمهنية باردة   والتقط   الصورة  المرعبة  لحظة  انقضاض  النسر  على  الطفل  , ونا لت الصورة  جائزة بلوترز , لكن ذلك  المشهد  ظل  يطارد  المصور  ودفعه  الى الانتحار بعد  عام  من  الحادث   ..!           

و فى  ليلة  الغزو,   تلقينا  سيلا من برقيات  وكالات الانباء عن تحركات  القوات  العراقية  , لكننا  , ومعظم  المحللين , والخبراء  , استبعدنا  ,  الغزو , وأ ن يجرؤ النظام العراقى على تنفيذ  تهديداته , واعتبرناها  مناورات  للابتزاز ! وعندما  وقعت  الواقعة  حدث  معها  الانفصام  المخيف   بين  انسانية  الانسان  وطبيعة  مهنته,  لا بد  من الاعتراف بالاحساس الغامر ,بانك  حصلت على  صيد  ثمين من حيث لا تحتسب , يحتم عليك  الواجب  المهنى  أن تستثمره لاقصى الحدود  الممكنة , عندئذ  تتجمد  كل , احاسيسك  وعواطفك , لتلهث  وتتابع  وتطارد  كل صغيرة  وكبيرة  , وبدم بارد , رغم  المخاطر  !.. شاهدنا  فظائع , تقشعر لها الأبدان ,  اعتداءات   بشعة  وعمليات  سطو  ونهب  ..وسجلت  بالتفصيل , وقائع  تلك الايام  السوداء  من مشاهداتى ومن  متابعة  البلاغات  الرسمية  بعد الاستيلاء  على تلفزيون واذاعة  الكويت !

 

وبعد  اسبوعين  من الاحتلال , قررنا مغادرة  الكويت  ورتبت لذلك  مع صديقى , المستشار القانونى , الاستاذ مصطفى محجوب , ولحسن الحظ  كان يمتلك سيارة  جديدة  , اقلتنا  عبر البصرة وبغداد , حيث امضينا بضعة  ايام , ثم واصلنا  الى العاصمة الاردنية  , عمان, ومنها الى ميناء العقبة , وكانت  خاتمة المطا ف  القاهرة ,  وبالطبع  ,  تفاصيل تلك  الاحداث , لا يتسع لها هذا المقام  .. وفور وصولى  القاهرة  , التقيت  بالاصدقاء  الاعزاء فى جريدة " الوفد" و"الاهرام"  وكنت قد عملت مع كوكبة  منهم ,فى جريدة "الاتحاد " الظبيانية, مطلع الثمانينات , وفى مقدمتهم  الاستاذ  مصطفى شردى , الذى  عمل  مديرا لتحرير " الاتحاد"  ثم رئيسا لتحرير  " الوفد " والاستاذ   جمال  بدوى , رئيس قسم الدراسات ومدير تحرير  "  الوفد  " والاستاذ عباس  الطرابيلى , رئيس  قسم  الاقتصاد , ورئيس تحرير الوفد , لاحقا ,  والاستاذ سمير  عبد  المطلب , رئيس الدسك  المركزى  وجميعهم  من  أسرة  " أخبار اليوم " , و الكا تب الكبير عبد الوهاب  المطاوع ,  نائب رئيس  تحرير "الاهرام"  ..  واكرمنى الزملاء , بنشرمقالات ودراسات  عن غزو العراق فى "الوفد " , بمكافأة  مجزية , واتصل الاستاذ  جمال بدوى بصديقه , الاستاذ  أحمد رائف , صاحب دار نشر" الزهراء ", لاصدار كتاب,  يتضمن يوميات كاملة  عن الغزو , كما سجلتها , باسم "الملفات السرية  لغزو الكويت " ,تتضمن  تحليلات ووقائع ثلاثة عشر يوما , تحت الاحتلال .. ونسبة  لموقف حكومة السودان المؤيدة  للنظام العراقى آنذاك , ولاحتما ل عودتى  للسودان, فقد  تم الاتفاق على نشر الكتاب باسم  مستعار , مقابل سبعة آلاف جنيه مصرى , وتعتبر ثروة , تلك الأيام , ووقعنا عقدا بذلك , مازلت احتفظ به , وقد اعاننى  المبلغ فى تدبير الاحتياجات  العاجلة لاسرتى  بالخرطوم  , واكرمنى الزملاء لاحقا , بتعيينى رسميا محررا  فى القسم  الدولى بجريدة  الوفد  وبعدها  , التحقت ب "الاهرم ويكلى ", الصادرة باللغة  الانجليزية , وكنت  ضمن الفريق المؤسس لها , وانتقلت  أسرتى لتعيش معى فى القاهرة   , ونواصل ...

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.