بوصلة المصائر تشير بوتائر ثابتة فى العالم الثالث الى الصحفيين , باعتبارهم الرقم الاول فى قائمة المهن الاكثر مخاطرة وعرضة للملاحقات والمطاردات والسجون والمنافى . ووصفها عميد الصحافة السودانية الاستاذ بشير محمد سعيد بأن جلب المخاطر فى هذه المهنة مقدم على جلب المنافع.! وتشير اللجنة الدولية لحماية الصحفيين فى تقريرها ,ابريل 2010 ان عام 2009 كان الاكثر دموية فى تاريخ المهنة اذ ارتفع عدد القتلى والمفقودين الى 94 صحفيا اثناء تأدية واجبهم المهنى , اضافة الى 200 اعلاميا  تعرضوا للسجن او الاعتقال وهو ايضا الرقم الاعلى مقارنة بالمهن المدنية الاخرى, وتؤكد تقارير منظمة الصحة العالمية ان الصحفيين هم الاكثر عرضة لامراض القلب والموت بالذبحة الصدرية !.. ومع ذلك يتزايد عدد الدارسين والمتقدمين للالتحاق بالمهنة ." فهم مثل الفراشة المنقادة الى ألسنة اللهب, لن تتراجع حتى لو أحترقت أمامها الف فراشة اخرى , طالما كانت الشعلة التى تتأجج فى جوفها وتدفعها الى الأتون أقوى من اللهب وأشد سلطانا من فيض الجحيم."! والبون شاسع بين موجهات المهنة وما استقرت عليه رسالة الاعلام فى الدول المتقدمة, فالاعلامى فى العالم الثلث يرسف فى قيود متعددة , اضافة الى القوانين الاستثتائية فى الانظمة الشمولية وتجسيدها فى" الرقابة والرقيب والشرطى والسجن والمنفى ",فهو محكوم ايضا بتناقضات القيم والتقاليد السائدة فى مجتمعه, بينما زميله على الضفة الاخرى مطالب بالصدق فى نقل الواقع الذى يكتسب الاهمية الاولى متجاوزا مهمة المحافظة على منظومة القيم المتعارف عليها , فهو يتصدى لحكومته اذا حاولت اخفاء الحقائق حتى فى حالة الحروب والمنازعات , فعندما قصفت الصواريخ الامريكية مصنع انتاج لبن الاطفال فى ضواحى بغداد فى حرب العراق الاولى باعتباره مصنعا لانتاج الاسلحة البيولوجية , تصدى مراسل السى ان ان ,بيتر ارنت, لهذه المزاعم و صور بقايا المصنع واجرى حوارات مع زعماء العراق وتكرر ذلك فى الكشف عن الانتهاكات الشنيعة فى سجن ابو غريب ,بعد حرب العراق الثانية , وبالطبع لم يتهم هؤلاء الصحفيين بالعمالة لدولة عدوة أو الاساءة الى بلادهم وهى فى حالة حرب , بل كرمتهم بلادهم ومنحواجائزة بلويتزرالمكرسة  سنويا للاعمال الصحفية المتميزة.! ويقول ليونارد داونى, رئيس تحرير الواشنطن بوست , بعد كشف السجون السرية لوكالة المخابرات المركزية عام 2009" لم يعط الدستور الامريكى,االحكومة, الحق لتعريف الخطأ والصواب , اعطانا الدستور كلنا حكومة وصحافة وشعبا حق ان نقول رأينا وفى الخبر ,مثلا لا نقول انه خبر مفرح او مؤذى أو سىء , نحن قلنا هذا هو الخبر وتركنا الشعب يفسره كما يريد "فالقاعدة الصحفية "الخبر ملك القارىء والرأى ملك الجريدة "! والصحفى فى العالم الثالث مطالب بان يكون شاهد زور ,والا فهو عدو للوطن , لان الوطن هو النظام الحاكم ! , ورغم هذا الواقع المرير لا يرضخ  الكثيرون للامر الواقع  ويساق معظمهم الى السجون والمعتقلات , وقد نتساءل ,مع كل هذه المهددات , لماذا يتزايد عدد المحترفين لهذه المهنة ؟ .. يقول ريتشارد سينغل, مدير تحرير مجلة تايم الامريكية, "الاعلام اكثر تعقيدا من الاقتصاد,  لان حساباته متشابكة مع الموروث السياسى والاجتماعى," ونسبة لانتماء الصحفيين الى القطاع العريض من المبدعين من كتاب وشعراء وفنانيين ,فهم  مدفوعون بغريزة  القيام بالواجب الانسانى المنبثق من ضمائرهم, للتصدى لقضايا مجتمعهم والدفاع عن قيم  الحرية والعدالة وحقوق الانسان ,وجائزتهم الكبرى  قد تتجسد فى كسبهم مساحات فى عقول الغير , مهما كان فداحة الثمن الذى يدفعونه من سجن وتعذيب واهانة, وهى متعة سامية فى التوق الى الخلود, فى المعارك الابدية بين حراس القيم وكلاب الحراسة !فالذكرى للانسان عمر ثان! ويفسر الكاتب الكبير الفرنسى ميلان كونديرا معنى الخلود ,بانه  الشوق الدائم للمحترقين فى أتون مهنة القلم  للتأثير على مجتمعاتهم ,ويقول " الناس غير متساوين امام الخلود ويجب التمييز بين الخلود الصغير , ذكرى انسان فى ذهن اولئك الذين عرفوه , والخلود الكبير , ذكرى انسان فى ذهن من لا يعرفه , فثمة مهن تضع الانسان دفعة واحدة امام الخلود الكبير . صحيح انه غير مؤكد لكنه من الممكن , فى مهنة المفكرو الفنان ورجل الدولة.." ويقدم الكاتب المسرحى, فاتسلاف هافل , تولى رئاسة تشيكوسلوفاكيا ,بعد تفكيك الدول الشيوعية عام 1990 ثم رئيسا لجمهورية التشيك بعد الانفصال , مساجلة تاريخية عن دور المبدع فى التاثير العضوى والتغيير النوعى ,فى مسيرة بلاده ,كانت من اهم الاسباب التى أهلته للقيادة فى مرحلة مابعد الشيوعية .فقد  وجه رسالة الى سكرتير الحزب جوستاف هوساك الذى  قرر ايقاف مجلة المسرح . واصبحت رسالته من الدفوعات التاريخية فى اعلاء قيم الثقافة والتصدى للانظمة الشمولية , شرح  فى رسالته الجريمة التى ارتكبها النظام ,باغلاق مجلة,! متسائلا : كم من الناس قد شعروا بفقد المجلة ؟ بضع عشرات الالاف من المشتركين , اى قطاع محدود جدا من المجتمع , ومع ذلك فالخسارة الحاصلة ابعد مدى مما يظهر , فأثرها الحقيقى خفى لايكاد يدرك , فتوقف مجلة كهذه لا يستبين فى افقار قرائها , افقارا محسوسا فحسب , ولا حتى فى مجرد الضربة التى تنزل بالثقافة المسرحية , فهى تمثل قبل كل شىء , تصفية لاحدى الوسائل التى يتوسل بها المجتمع الى ادراك ذاته ومن ثم تدخل فى تلك الشبكة المركبة لتبادل وتحويل الموارد التى تصون حياة هذا الكائن العضوى المتراتب الطبقات المتمثل فى المجتمع المعاصر , انها ضربة تنزل بما فطر عليه هذا الكائن من حركية فى بنيته الداخلية , وكما ان النقص المتمادى فى احد الفيتامينات التى لا تعد من الناحية االكمية الا جزءا يسيرا جدا من غذاء الانسان ,قد يؤدى فقده الى المرض , كذلك ربما انزل توقف مجلة واحدة فى المدى البعيد اضرارا بالكيان الاجتماعى اكبر بما يقاس ,و مما قد يظهر للوهلة الاولى , فما بالك ان لم يقتصر الامر على واحدة من المجلات بل وهناك مخطط ليشمل مجلات المسرح كلها !.. واقتيد هافل للاعتقال بعد الرسالة  التأريخية,  لكن شعب تشيكوسلفاكيا لم ينسى  هذا الموقف , فا نتخبه رئيسا للجمهورية بعد سقوط النظام الشيوعى وشغل المنصب 13 عاما ,  ولم يتوقف عطاءه فقد واصل العمل فى الاخراج المسرحى ثم السينمائى , وتحدث مؤخرا عن تجربته فى مقاومة النظام الشيوعى ,مؤكدا قوة الارادة فى مواجهة بطش السلطة قائلا : كنت اواجه بالاسئلة من أصدقائى , كيف تستطيعون وانتم حفنة ضئيلة من الاشخاص المجردين من كل مصادر القوة ان تغيروا هذا النظام , الذى يمتلك كل ادوات القوة ,الجيش , الشرطة والاعلام والذى يحشد مظاهرات ومسيرات بالغة الضخامة لاستعراض "التأييد الشعبى" الذى يتمتع به , وحيث تنتشر صور الزعيم فى كل مكان ويبدو كل جهد للمقاومة يائسا ودونكيوشوتيا !.. وكانت اجابتى دائما هى ,من المستحيل ان ترى الجانب الآخر والحقيقى من الصورة وان تحس روح المجتمع وامكانيته , هذا مستحيل لان كل شىء كان مزيفا ومزورا , فى مثل هذه الظروف لا يمكن لاحد ان يضع يده على الحركات والعمليات الخفية والسرية التى تعج بها أعماق الارض , لا أحد يستطيع تحديد حجم كرة الجليد التى ستطلق الاعصار الذى يزلزل اركان النظام , قد يكون السبب غير  المباشر قصيدة او مقالة او مسرحية ,التاريخ  يؤكد هشاشة الانظمة الدكتاتورية التى حكمت بوهم القوة !

ويعبر الشاعر احمد مطر بايجاز بليغ  معاناة الكاتب وصراعه مع قلمه:

 

جس الطبيب خافقى

وقال لى: هل هاهنا الألم ؟

قلت له نعم ..

فشق بالمشرط

جيب معطفى  ..

وأخرج القلم  !

ويقول الناقد غالى شكرى " لم يكن الشعر ترفا وانما طرفا فاعلا فى بلورة الرؤى والمواقف والقيم " ويوضح الشاعر محمود درويش ان الكتابة تعويض عن الفقد  , بينما يؤكد الكاتب يوسف القعيد انه لابديل للكاتب من الكتابة حتى لو  قادته الى حتفه فقد لا يملك بديلا غير الانتحار! ويوضح : الكتابة هى البديل الوحيد لمأساة الانتحار , ليس لديك دور عام تلعبه ولا تستطيع ان تشارك فى شؤون بلدك بأكثر من التفكير !

ويتزايد مأزق الصحفى فهو مطالب بالتجدد ,دون توقف , مما يحتم عليه الاطلاع المستمر ويقول خبراء الاعلام " من يتوقف عن اكتساب الجديد من الخبرة ولو ليوم واحد فى الصحافة , يحتاج الى جهد مضاعف فى اليوم التالى لتعويض ما فاته" ولذلك قلما يستمتع الصحفى  بالعطلات الاسبوعية. واذا كان الصحفى" محصن من الملل" لتنوع معلوماته ومصادره , فهو ايضا معفى من التقاعد الكلى كما فى المهن الاخرى , فهو غالبا لا يتقاعد الا فى قبره ! وكما قا ل الامام الشافعى " من المحبرة الى المقبرة ."!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.