تشجينى وتطربنى كلمات عابقة فى الذاكرة , لمبدعنا الاستاذ حمزة طمبل , قالها عام 1932 فى جريدة ,, النهضة السودانية,, :

          "الدين والفن ينبثقان من مكان واحد ...السماء."!

مزاوجا بين غاية الدين والفن , لاسعاد الانسان والارتقاء به فى سمو وجدانى توقا للصفاء والاشراق ,ولتحقيق نهضة شاملة فى داخله وخارجه. وتجسدت امامى هذه المعانى فى ليلة متفردة , بصحبة المنشد والباحث فى التراث , الاستاذ احمد الخضر , صاحب برنامج , حلل البريق , الذى لا يتسع للقدرات الهائلة وغير المعلنة لهذا الفنان , فهو شاعر ومنشد ومغنى وراوى  حكايات وطرائف, والكثير منها وليد اللحظة ,مما يؤهله ليكون فى صدارة ظرفاء هذا الجيل.. وانت معه , يجبرك على تنبيه كل حواسك لتطوعها  لمهام لم تتعودها , " ان ترى بعين سبق لها اللمس وان تلمس بيد تجيد النظر "! .. ويا فرحك ان كنت " ذا شوق قديم " ! عندئذ تتلاشى كثافة العبارات وتسطع لطائف الاشارات ... أسمعه , يشدو :

 

                ولى فى الهوى  علم  تجل  صفاته      ومن لم يفقه الهوى فهو فى جهل

               و من لم يكن  فى عزة النفس تائها        بحب الذى يهوى فبشره    بالذ ل

               واذا  جاد  أ قوام   بما ل رأيتهم         يجودون بالارواح   فهم  بلا  بخل

               وان هددوا  بهجر ماتوا     مخافة         وان اوعدوا بالقتل  حنوا الى القتل

             لعمرى هم العشاق  عندى      حقيقة      على الجد والباقون منه على  الهزل

 

ويمعن فى اغوائنا , ولايرأف بجمعنا ورهافة  مناعتنا وقدرة تحملنا, معظم من فى حضرته فى شيخوخة الشباب وبعضنا فى شباب الشيخوخة على اعتاب الخواتيم  , يزيدنا ويصلينا من وجد  سلطان العاشقين ,ابن الفارض,ويصدح:

 زدنى بفرط الحب فيك    تحيرا        وارحم حشى بلظى هواك  تسعرا

واذا سألت  ان   اراك       حقيقة      فاسمح ولا تجعل جوابى   لن ترى

ياقلب انت وعدتنى فى    حبهم        صبرا فحاذر ان تضيق    وتضجرا

ان الغرام هو الحياة      فمت به       صبا  فحقك  ان تموت        فتعذرا

ولقد خلوت مع الحبيب  وبيننا         سر أرق من النسيم  اذا         سرى

واباح طرفى نظرة       أملتها        فغدوت  معروفا   وكنت        منكرا

فدهشت بين جماله      وجلاله       وغدا  لسان   الحال عنى       مخبرا 

 

وطوف بنا فى آفاق رحبة من الانشاد والأماديح وفنون الغناء الاصيل من "حقيبة الفن " وتتشابك المعانى بين الانشاد الدينى والاغانى العذبة لجيل "أبوصلاح" ويتعذر عليك تحديد الفاصل بين سواد العين وبياضها واين نقطة البدء والانتهاء عند التقاء "مرج البحرين "!

 

ونتبادل الذكريات, معنا المستشار عبد الحميد ابوقصيصة وحرمه الاستاذة صفية كريمة الشاعرابوصلاح والاستاذ احمد عبد المنعم والدكتور الفاتح الابوابى, ونمعن فى حكايات"القوم" وشفافية ذائقتهم , لا يفرقون بين محبوب ومحبوب , حبيبهم واحد , لا تخفية كثافة اللغة ومدلولاتها المباشرة... الشيخ قريب الله سليل الدوحة الطيبية , جالسا بين تلاميذه بعد صلاة العشاء , وتحمل لهم نسائم الليل من بعيد أصداء لصوت الفنان عبد الكريم كرومة يشدو برائعة , ابو صلاح :

ياليل  أبقى لى   شاهد       على نار شوقى  وجنوني

ياليل  صار ليك معاهد   طرفى اللى منامى  زاهد

ده انا   لى  سهرك واشاهد   فوق لى  نجمك ظنونى

ساكن قلبى ومباعد   تشتاق       شوفتك   عيونى

حبك لى عقلى فاقد شوقك جوا جوفى واقد

 

 

وينصت الشيخ للمناجاة العذبة لليل , الذي يتدثر به تعبدا وتهجدا  ,وتهزه الكلمات الرقيقة مع النبرات الساحرةالمنتشية بالبحة الآسرة للفنان المبدع.ويطلب من تلاميذه , احضار الفنان فورا , وذهبوا اليه فى بيت العرس وهمسوا فى أذنه , ويفزع الفنان الرقيق ويضطرب ويحار , ماذا يريد منه الشيخ  , لو طلب منه التوقف عن الغناء سيفعل! , وذهب معهم وينحنى مصافحا الشيخ  ولم يمهله , ويقول له سمعتك تنشد كلمات طيبة عن الليل ..فهل تسمعنى اياها .. ويهدأ روع الفنان ويشدو والشيخ يهيم بعيد ا بعيد ا  ويردد .. الله .. الله  .. الليل " يؤولونه بالظلمة الكونية التى تعنى العدم لان الاشياء والأكوان عندهم معدومة فى انفسها وانما الموجود الظاهر عليها هو وجود الحق "ويقولون "  وغنى بالتلويح يفهم ذائق       غنى عن التصريح للمتعنت    " وكل تغزل يقع فى كلامهم أو عند سماعهم سواء كان وصفا للجمال الانسانى أو تشبيب فى رياض أو زهر أونهر ,اونحو ذلك فالمراد به الحقيقة الظاهرة المتجلية بوجهها الحق الباقى فى ذلك الشىء الفانى.

ويتناسق هذا المشهد مع وقفة للشيخ دفع الله الصايم , من دوحة العركيين ,كان مارا بشارع "البوسته" بامدرمان ومعه تلميذه ادريس عبد السلام , وامام احد المقاهى , كانت هناك مجموعة من الناس تستمع لفنان ناشىء , ابراهيم الكاشف! , صاحب صوت  عال النبرات يردد فى شجن : ..."  سألت الله أشوفوا مرة " ! كان يناجى محبوبته ويبثها أشواقه ومست تلك الكلمات شغاف قلب الشيخ دفع الله ,وفاضت به شوقا ووجدا لمحبوبه الاوحد و وارتج المكان بصرخة شوق داوية , وذهل الجمع وهم يرون مشهدا لا يستطيعون تفسيره !.

 

ويروى عن الشيخ محمد العليش , من اقطاب العركيين , انه طلب من تلاميذه احضار الفنان ابراهيم عوض الذى كان مدعوا لحفل, بابى حراز, بمناسبة زواج , فلما أبلغ الفنان ابراهيم عوض برغبة الشيخ , تخوف ايضا واخذوه الى خلوة الشيخ , الذى كان منشغلا بالكتابة فى لوح امامه , ورمقهم بطرف عينه وهو مازال ممسكا بالوح , ثم أخذ يردد بصوت عذب :" واللا جننى وغير حالى" مش كده يا ولدى .. كيف العمل ؟؟  . ومنذ ذلك اليوم لم ينقطع الفنان ابراهيم عوض عن زيارة الشيخ , رحمهما الله.

وكذلك كان حال الفنان خضر بشير , المنتمى للمكاشفية , كان احيانا يغادر المسرح عندما يغنى "الأوصفوك " ويردد "انوارو ضاوية من غير سلوك".. وعلى نهجه يسير تلميذه الفنان النور الجيلانى المنتمى للتيجانية...اسمعوه يغنى "جانا العيد وما شفنا جديد " انه ينعى احب الناس اليه ..والده..!

ومن مآثر الاغنية السودانية فى عصر الحقيبة , اثرها على نبوغ اعظم شعراء المديح النبوى الشيخ عبد الرحيم محمد وقيع اللة  الذى بدأ كتابة اشعارة مجاراة لاغانى الحقيبة وكانت محاولته الاولى "ليله ليله ياام جمالا فاق بريق ليلى "وكان يحضر مناسبة زواج احد اقاربه فى قرية مجاورة للزريبة وقد جذبه لحن احدى اغنيات البنات فاوحت له تلك الكلمات , كما يقول حفيده الاستاذ عبد الرحيم حاج احمد فى كتابه "برعى السودان". وكتب الاستاذ ميرغنى حسن على فى جريدة " الخرطوم" ان فتيات امدرمان , يحتفلن و يرقصن العروس على ايقاعات , مديح البرعى واشهرها" المصطفى منى ليك سلام "! ..

وفى تراثنا قمة سامقة , شيخ المادحين , حاج الماحى , كان من أشهر المطربين فى بلاد الشايقية, فلما التقى بالشيخ ابراهيم الرشيد , اخذ عنه الطريق , الأحمدى, وقرر ان يتحول الى المديح , لكن جمهوره القديم نفر منه, فشكى حاله لشيخه , ونصحه بالمثابرة وقال له : أحضر جرائد النخل وأغرس اكبر كمية منها فى الرمال فى شكل دائرة وتخيلها جمهورك , وامدح لهم , وفعل ذلك حتى استرجع جمهورا يتفوق عددا على جمهوره القديم ..!

اين هذا التراث الذى كانت من  بداياته استطفاف جمهور من سعف النخيل , ومامدى احترامه وتقديره والحفاظ على مضامينه ,بعيدا من استغلاله , فى قضايا لاتمت الى اهدافه. وعندما   نتامل واقعنا اليوم, نأسف لهذا التسابق لتشويه هذا التراث العظيم ,ولانجد ضوابط تحكم الكلمة او الصوت او الاداء لمن يعمل فى هذا المجال , على عكس الاغنية , التى مازالت ,خاضعة للجان النصوص واجازة الاصوات , ولايسمح بتقديمها عبر الاجهزة , وكذلك فى الشرائط وغيرها ,الا بعد اجتيازها هذه المراحل والتصديق لها.. ومن المؤلم , استغلال هذا التراث فى الاسكتشات الفكاهية , لاضحاك الناس , كما حدث لقصائد حاج الماحى من فرقة هزلية معروفة .والاسوأ تطويع قصائد المديح ,لاعلانات سياسية,والترويج لشخصيات بعينها, ونعتقد ضرورة الاهتمام بهذا التراث , والنأ ى به من الاهواء ,ومهاراتنا فى الاستغلال, ونوظفه لتحقيق اهدافه فى التربية والسلوك والارشاد.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.