تزامنت مقاربتنا بين رمزين فى تاريخ السودان المعاصر , الدكتور جون قرنق والدكتور حسن الترابى مع مقالين هامين فى صحيفة الرأى العام , تتعارض وتتفق مع توثيقنا لدور الرمزين فى قضايا الحرب والسلام فى السودان ..الاستاذ على اسماعيل العتبانى , رئيس مجلس ادارة الرأى العام, قال تحت عنوان : حتى لاننسى , تقرير المصير , المعارضة هى السبب , المؤتمر الوطنى هو الاحرص على وحدة السودان, ودلل على ذلك بان ميثاق اسمرا للقضايا المصيرية والذى أقره التجمع الوطنى الديمقراطى  فى 15-23 يونيو 1995 كان السابق فى النص على تقرير المصير " الرأى العام 11 مايو 2010 " , وعارضه الاستاذ محمد سعيد محمد الحسن يوم 13 مايو فى نفس الصحيفة , مؤكدا ان مذكرة تفاهم فرانكفورت التى وقعها الدكتور على الحاج ممثلا للحكومة والدكتور ريك مشار والدكتور لام أكول بعد انشقاقهما عن الحركة الشعبية , كانت الاسبق ورجح تاريخ الاتفاق فى نوفمبر 1990 أو 1991 , وهو الاقرب الى الصواب , فتاريخ الاتفاق كان فى يتاير 1992 ..!

ونسترسل فى مقاربتنا , مسترشدين بشهادة اضافية للدكتور جون قرنق , عبر فيها عن حيرته وألمه قائلا بحرقة وأسى : "  لماذا يشكك الناس فى سودانيتى وحبى وارتباطى بهذا الوطن .؟ حيث تتحدث انت مثلا عن حبك للسودان وحرصك على وحدته من حلفا الى نمولى , ومن بورتسودان الى الجنينة , لايشك احد فى صدق حبك وارتباطك العاطفى وولائك لهذا الوطن بكل حدوده الجغرافية وكل المجموعات التى تقطنه , أما حين أقول أنا ذلك يشكك فيه ويصفونه بأنه حب تكتيكى , لماذا ؟ هذا ايضا من بعض رواسب السياسيين الشماليين الذين يرون انهم فقط المؤهلون لحب الوطن ."   !"الفجر 14 يناير 1998" .

وافردنا فى "الفجر" ملفات لمناقشة مشروع "السودان الجديد" وانعكاساته على قوس قزح السياسة السودانية , ومن اهم الدراسات التى قدمناها النصوص الكاملة للمؤتمر السابع عشر لجمعية الدراسات السودانية بالولايات المتحدة الامريكية المنعقد بمدينة فيلادلفيا , ولاية بنسلفانيا 8-10 مايو 1998م , بعنوان : دروس الماضى وعبر المسقبل , واشرف الدكتور احمد الامين البشير , مدير مكتب "الفجر" بواشنطون , على استعراضها والتعليق عليها , وتعددت أوراقها والرؤى حول مستقبل السودان على ضوء المشاريع والاطروحات التى تتبناها القوى السياسية المختلفة والمعارك الضارية بين حكومة الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان , واستأثرت الورقة التى قدمها الاستاذ استيفن وندو, مندوب الحركة الشعبية , وسفيرها فى واشنطون آنذاك باهتمام خاص لجرأتها فى الطرح وعنوانها المثير للجدل : السودان الجديد , هل يستحقه السودانيون ..؟؟واستعرض الاستاذ وندو نشأ ة الحركة الشعبية لتحرير السودان , بشقيها العسكرى والمدنى عام  1983" بهدف واحد واكيد هو خلق سودان موحد ديمقراطى وعلمانى اطلقت عليه "السودان الجديد" ," ونفت الحركة عبر كل ادبياتها ومنابرها اى اتهامات موجهة لها بانها تشكل تهديدا لوحدة السودان وكانت اول معاركها ضد دعاة الانفصال من اعضائها وانعكس هذا الموقف الوحدوى فى وثائق كوكادام  واتفاق الميرغنى قرنق ولقاء الصادق المهدى , رئيس الوزراء المنتخب والعقيد جون قرنق , واكدت هذه اللقاءات الاصرار على الوحدة الوطنية  وعلى اهداف الحركة الشعبية وانها حركة قومية وليست جنوبية جهوية ". وعبر الاستاذ استيفن وندو فى ختام ورقته عن استيائه للصدود الذى تواجهه الدعوة للسودان الجديد الموحد وخلص تنفيثا   أو مغاضبا بقوله : هل يستحق السودانيون السودان الجديد , ؟ وكرد فعل سريع , وهو من ميزات الشخصية السودانية, وصف تساؤله ب "العنصرية المضادة"!!

واحتدم النقاش داخل المؤتمر وفى اروقته وعلى صفحات "الفجر" . كانت هناك صيحات يأ س من المستقبل ,عبر عنها الدكتور عبدالله جلاب ,من كلية هيرام ,بولاية اوهايو , عندما قال : فقد السودانيون التحكم فى وحدة بلادهم وكأنهم الان اصبحوا اقل تهيؤا  فى التعامل مع مستقبلهم ,تعبيرا عن حالة من اليأس والقنوط وخيبة الامل . وكتب الدكتور عبد الله على ابراهيم مقالا فى "الفجر" , وكان مشاركا فى المؤتمر , بعنوان : "السودان الجديد : الحكاوى بحر والنصوص سراب !", مستنكرا تحميل وزر تقاعس تحقيق مشروع السودان الجديد على الشماليين وحدهم , وساق العديد من اراء القائلين بان الاستاذ استيفن وندو ,اعفى الحركة الشعبية من المسؤولية, متناسيا ابتعاد الحركة الشعبية عمدا عن ساحة الاداء الديمقراطى النسبى الذى وفرته انتفاضة 1985 , حين استنكرت منتوج التغيير الثورى , ولم تعتز به , مما طرح سؤالا محيراعند أكثر الشماليين الذين فرحوا بالانتفاضة وأملوا فى مستقبلها . لقد انجز الشماليون الانتفاضة بغثها وسمينها , ولم يكونوا مهيأون بعد لقبول فكرة العمل المسلح الذى احسنته الحركة الشعبية , ولذا احس هؤلاء الشماليون بالاستضعاف والخيبة , فاذا كانت دعوة السودان الجديد قومية حقا , فالاحرى بدعاتها احترام ملكات المدعويين لها وقدراتهم , وان يصبروا عليهم حيى يبلغ مطلبها من فوهة البندقية , ولما لم يجد هؤلاء الشماليون انفسهم فى دعوة السودان الجديد انصرفوا عنها لا غضا فى شأن قرنق وعصبته , بل احتراما لقدراتهم هم وحدودها وآفاقها.. واستنكر الدكتور عبد الله "العزة البلغاء بالسلاح, " ومضى قائلا " كره شماليون عاديون كثر ممن لا يدعون فرط ولع بالجنوب , او فهم لدخائله , كرهوا العنصرية المضادة التى لوثت الدعوة الى السودان الجديد"!

هل فعلا كانت عنصرية مضادة ..أم قصور فى الطرح من منطلق معضلة المصطلح نفسه  وانزاله على واقع شعب تتجاوز فيه الامية نسبة السبعين فى المائة وفقر مدقع يمسك بخناق اكثر من تسعين بالمائة من مكوناته وقوى حديثة لاتزيد عن نسبة  17 بالمائة " طفش " وتشتت اكثر من نصفها فى بقاع العالم .!. وماذا عن المصطلحات المرافقة والمصاحبة للسودان الجديد  , عندما يتلقفها ويحورها المتربصون " ويمزمزون " بالعلمانية  , ويزورون  ويحرفون مضمونها ويرفعون فى وجهك اصبعا واحدا .." يسألك الله يوم القيامة عن دينك وليس وطنك" !

ونستمع للاستاذ بونا ملوال , مستشار رئيس الجمهورية حاليا , وهو من خارج سرب الحركة الشعبية ,يقول فى محاضرة بالمعهد الملكى البريطانى , عام 1997 " لم يعد السودان قطرا عربيا والعنصر العربى فيه اقلية وعليهم توطين انفسهم على ان  يحكموا بحقوق الاقليات ,كما فى غيره من الدول التى توجد على ارضها اقليات .!"

 وتلتقى هذه" النيران   الصديقة"  بحكم موقفه وقناعاته الان ! ,مع الصيحة    التى  اطلقها     

الدكتور مضوى الترابى بجريدة الحياة اللندنية 24 سبتمبر 1998 : ان احزمة الفقر التى احاطت بالمدن الشمالية فى السودان من الابيض وكوستى وحتى حلفا وبورتسودان , معظمها من عناصر غير سودانية وحول الخرطوم وحدها حزام يسكنه 2 مليون نسمة لا تتجاوز نسبة السودانيين منهم خمسين فى المائة والبقية عناصر وافدة من دول الجوار الافريقى الغربى والجنوبى . هيئات الاغاثة والمنظمات الطوعية الغربية تعهدت هذه الاحزمة بالرعاية الصحية للامومة والطفولة والتبشير , واصبحت وفيات الرضع وسط ابناء العنصر العربى , اربعة اضعاف مثيلها من ابناء أحزمة المدن السودانية . أصبح متوسط الاسرة لابناء العنصر العربى خمسة اشخاص وارتفع معدل الاسرة لعناصر الاحزمة فى الشمال الى احد عشرة شخصا, ومن ثم خلال عقدين من الزمان , اذا طالب الكتور جون قرنق استفتاء حول هوية كل السودان , سينتصر فى الشمال كما فى الجنوب دون طلقة واحدة لمصلحة مشروعه (السودان الجديد) , الامر الذى يهدد الشخصية السودانية التاريخية ..!!

ويفند الدكتور جون قرنق ,مسبقا ,هذه المخاوف , ولكن هل يصدقونه ؟  قال فى مؤتمر الحركة الشعبية فى شقدوم باثيوبيا 2 ابريل 1994 : نموذج السودان الافريقى العلمانى الاسود ,افتراضى وحتى لو تحقق فلن يقبل به اهل الشمال وسيخوضون حربا ضده ,"! وناقش اصحاب هذه الرؤية  مشيرا للاحصاء الذى تم لسكان السودان وهم " تحت القسم" عام 1955 , فالذين سجلوا كأفارقة كانوا 61 فى المائة بينما 31 فى المائة فقط سجلوا انفسهم كعرب , اما ماتبقى اى ال 8 فى المائة هم فى واقع الامر من اصول جاءت من غرب افريقيا وبالتالى حسب هذا التعداد فان 69 فى المائة من سكان السودان افارقة .. ولو كان بوسع 31 فى المائة من عرب السودان ان ينادوا بسودان عربى اسلامى موحد وهو ما ظلوا يفعلونه منذ عام 1956 , فلا يوجد سبب يمنع ال 69 فى المائة الافارقة فى كل من الشمال والجنوب من الدعوة لسودان علمانى افريقى اسود وموحد , لكن ايضا هذا  نموذج للحرب والانفصال !

ومع كل هذه الاحصائيات , التى يمكن ان يضاف اليها حقيقة ان السودان  تسكنه اغلبية مسلمة واغلبية افريقية فهو" افريقيا المصغرة" ويوصف فى ادبيات دعاة الوحدة بين سكان القارة شمال الصحراء وجنوبها بانه الامل فى " التكامل العربى الافريقى " ! وفى البحث عن الهوية لهذا الوطن القارة, التحية للمثقفين الشماليين, الذين مدوا فى شجاعة وتضحية, جسر التواصل بين الشمال والجنوب : شعارهم :" العروبة وحدها لاتجمع كل  اهل السودان, الاسلام وحده لايجمع كل اهل السودان , المسيحية او الديانات الافريقية, لاتجمع كل اهل السودان .. لكن, جماع كل هذا, هو السودان ,وجماع كل هذا يمثل الهوية السودانية " !هل تمدون ايديكم اليهم ,الوقت الان للفعل ,.... هل فات الأوان؟؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.