من يملك الوطن  ..؟ يجفل القلب عندما يتردد هذا السؤال , الممتد عبر الأزمنة, ينبثق من التدافع الازلى , طوال تاريخ البشرية وحقبه المتعاقبة , وانظمته المتعددة , متوجا مرحلتنا الحالية , فى السودان, بترسيخ مقولات : " الفأس لم تقع على الرأس فحسب , بل انغرزت فى عمقه ,مهددة بانشطاره." ! الوطن أغمض عينيه منتظرا زلزال الانفصال !, كم تبقى من ضياء الصبح فى العينين المتعبتين ..الساخطتين على عقوق وجحود الابناء؟؟

" اما زلنا نصدق احلامنا ونكذ ب هذا الوطن ؟ " هل نستطيع انكار واقعنا ؟.. هل بامكاننا تغييره.."؟.. فى حقب انكسار الآمال, نحتاج لان نتجرع دواء مرا مع ايماننا بانه مثل," مبضع الجراح ,لا يريد الانتقام وان سبب ألما"!  ليس امامنا  ولا خيار لنا الا السير على نفس الدرب فى الوطن الموحد !

      قالوا ابن آدم روح وبدن وكفن

     قالوا لا .. بدن ..قالوا .... لا

    ده   روح     فى      بدن  ..

   رفرف فؤادى مع الرايات فى الهوا

  انا قلت .. روح فى بدن, فى ...   وطن.

مااروعك , صلاح جاهين! , لآ توجد " أقراص لمنع الوطن " !كلما ابعدتنا المنافى منه ,اصبحنا اقرب اليه من حبل الوريد !و مهما كانت بلاغة المصطلحات وشراسة قهر السلطان وتحويل اقدس المقدسات " الى ادوات للارهاب المعنوى والادبى لتطويع  النخب فى السياسة والفن ",فالوطن يظل شامخا "فى الفؤاد " , ها نحن الان نشهد ونسمع تبرير" فقه التفكيك ", لوطن يغنى بلسان.... ويصلى بلسان ."... لن تجدى مراوغة المنطق والتاريخ, بتطويع الاكاذيب بعد انهيار مشروعى التوجه الحضارى و السودان الجديد , لندفع جميعا الثمن, خصما على وحدة  الوطن! هل يحق لاحد الادعاء بانه وحده الاسلام..او هو مخلصه الاوحد من الاضطهاد والتهميش؟

" سئل جحا عن مئذنة عالية فقال متأملا ومستوعبا اهداف سائله : هذه بئر مقلوبة ..! "

وعندما سئل الدكتور حسن الترابى بعد اعلانه تأسيس حزب المؤتمر الوطنى , لماذا حذف هذه المرة صفة الاسلامى التى لازمت كل مراحل تطور تنظيماته , أجاب : تم الغاء صفة الاسلامية عن المؤتمر الوطنى بعد شيوع الدين فى مختلف مناحى الحياة فى السودان: تمدد الاسلام فى البلاد بصورة تصعب مقاومته وفرض خيار آخر غير البرنامج الاسلامى .(الشرق الاوسط اكتوبر 1999).قال ذلك قبل شهرين من المفاصلة وعاد بعدها بأسم جديد " المؤتمر الشعبى."! شعارات ..شعارات .. تذوق الجميع ثمارها  لاكثر من عشرين عاما وقريبا" كوكتيل الزقوم" يوم نتجرع نخب حسرتنا على مشهد من العالم  كله , هل نلعن عولمة الاعلام  ,ناقلا لفضيحتنا ؟!من السهل جدا الهتاف بادانة الجنرال جريشن وبلاده وحلفائها , والعالم كله , مازلنا نملك حناجر قوية!

لم تؤثر المفاصلة فى طموحات دكتور الترابى او تلاميذه , بل" افرخت اكثر من ترابى" ! وقد ادهش ذلك الترابى نفسه ,فعندما سجنه تلاميذه بعد توقيعه لاتفاقية جنيف مع الحركة الشعبية وسئل بعد اطلاق سراحه عن انطباعاته, قال ساخرا :, نفس السؤال وجه للزعيم نيلسون  مانديلا ,بعد 25 عاما فى السجن ,  فأجاب ان اهم ما لفت نظره اختراع الفاكس! , اما بالنسبة  لى "فلان اصبح سياسيا و"فلان" الذى جئنا به كمبارس, اصبح مخرجا !!

لم يوقف الدكتور الترابى مشروعه" التدين بالسياسة " وحاول ان يلبسه هذه المرة ثوب الوسطية وبرر كل خلافاته مع تلاميذة الى  تباين فى الرؤى لمعارضتهم بسط الشورى وانهاء حكم الحزب الواحد, وبقدراته الفائقة عاد مجددا  الى صدارة الصفوف  منظرا ومنظما للتحالفات ومراوغا لها فى الوقت نفسه.. ومهما كانت نتائج حصاده من الانتخابات وعدم حصوله على نسبة تؤهله للتمثيل النسبى مقارنة بانتخابات 1986 التى فاز فيها ب 52 دائرة الا  انه لا يعد من الخاسرين ! بل نستطيع القول انه حتى لو حقق " نصف نجاح ونصف فشل " ! فهو مازال فاعلا فى مصائرنا وهو يتقن دوره فى مسرح  الرجل الواحد منذ تخطيطه للانقلاب وذهابه الى السجن وعودته بعد المفاصلة ملوحا بانه قادر على حل صراع دارفور فى اقل من شهر, بينما يتهمه تلاميذه بانه  المدبر والراعى للازمة, تاكيدا لدروس تعلموها منه :" فى السياسة غير مسموح بالصدف .. ولاتسمح السياسة للصدفة ان تدير دفتها او تتحكم فى مساراتها ." ليس صدفة التصريحات الجارحة التى  يطلقها فى حق تلاميذة وليست صدفة سكوتهم عنها, فهو يبعث اليهم برسائل يومىء من خلالها بانه مازال يسكت عن الكثير, وقد أفشى بالفعل اسرارا مذهلة ويؤكد بجرأة ان نافذين منهم "يناجونه " ويمدونه بكل الخبايا , وليس صدفة  اتقانه فنون التفلت من المآزق والمصائد  التى نصبت له مستوعبا درس تمرد تلاميذه, فى تعامله وتحالفه مع اعداء وخصوم الامس فى تحالف اجماع جوبا:

     اذا خانك الادنى الذى انت حزبه

    فواعجبا ان سالمتك   الاباعد ..!

وكان الاستاذ كمال الجزولى موفقا  فى تحليله الحصيف :" صار مشروع الترابى وفق استراتيجيته الخاصة هو النقيض الهادم لمشروع البشير, والبديل الوحيد له, وصارت مناوءته واقصائه ,من جانب المؤتمر الشعبى لاغيره وحلوله محله, والا فليبق الوطنى فى السلطة, ما شاء الله له, ان كانت مغبة اقصائه عنها ,هى ان يرثه طرف ثالث ,خصوصا اذا كان  علمانيا بالمدلول الاسلامى للمصطلح, .فينغلق الطريق الى هذه السلطة  تماما ليس امام الشعبى وحده, بل امام المشروع الاسلامى باسره."!الترابى اسهم فى تصدع تحا لف جوبا وقبله التجمع الوطنى الديمقراطى وتخبط احزابه , متوافقا مع الحركة الشعبية وان اختلفت الاسباب , وبدون تنسيق مسبق !

سألت الدكتور الترابى , اثناء زيارته الدوحة فى اكتوبر الماضى عن أصل لقب الترابى , ورويت له ماكتبه صديقنا الاستاذ شوقى بدرى ,اكثر من مرة , بان والدة الشيخ حمد توفيت وهو مازال جنينا فى بطنها , وبعد مراسيم الدفن تذكر احد المشيعين ان محفظة نقوده سقطت فى القبر , وعندما شرع فى البحث عنها سمع بكاء طفل ,من داخل القبر, فأخبر اهلها وجاءوا وحفروا مجددا واخرجوا الطفل واسموه حمد ولقبوه ب الترابى ! واجابنى الدكتور ,مصطحبا ضحكته المتميزة "..لا ..  لا ... اللقب اكتسبه من تواضعه , هل هناك اكثر تواضعا من التراب ؟ "

هناك ترابى آخر, لا يقل ,تألقا واجتهادا , لكنه, ,كان من الخاسرين , واصبح غصبا عنه ومؤهلاته  ومثابراته " الرجل الذى لايحب الناس ان يحبونه " ! ولا ندرى لماذا ..كنت اقول له احذر معاداة الصحفيين واستفزازهم ؟.... صديقى الدكتور مضوى الترابى..! امضيت معه ليالي طوال فى لندن فى حوارات ومشاغبات, وساهم معنا فى جريدة" الفجر" .. كنت اداعبه متسائلا عن سر الطموح  الجامح ,المتجذر فى جينات الاسرة, المستمدة من الجد الشيخ حمد النحلان والذى اعلن مهديته فى مكة المكرمة,قبل مهدى السودان !, وكان يجيبنى ساخرا, لا تقلق : خسف بالسودان ترابى وسينهض به ترابى آخر! وكنت اجيبه  ضاحكا .. لا أظنه انت.!. قد يكون  محمود الترابى ابن شقيقك النور , فجده لوالدته ,الاستاذ محمود محمد طه , فهو يتفوق عليكم جميعا, ابناء الاسرة, فى  ارثه من تعدد وتميز الجينات!.., صديقنا مضوى لم يفز فى الانتخابات ويبدو ان التنسيق مع المؤتمر الوطنى استثناه, متعمدا , مع الشريف صديق الهندى .! وبالطبع لم يسكت وبدأ حربا ضارية على المؤتمر الوطنى ودعا الفائزين الاربعة من حزبه لتقديم استقالاتهم .. وبالتأكيد سيواصل معركته فهو مصادم عنيد !,وودت لو التقيته لاقول له " تستاهل "!فقد بذل الجهد الاكبر لاقناع الشريف  زين العابدين بالعودة .. حاولنا , جاهدين , احباب الشريف زين العابدين الهندى, اثنائه عن مشروع اتفاقية دمشق ,متطلعين بان تكون اولوياته لتوحيد الحزب الاتحادى الديمقراطى لا  المصالحة مع الانقاذ , وقد سجلت له مواقف فى كتابى "اصحاب الوقت" تؤكد ايمانه العميق  بهذه الوحدة .  فعندما تأزمت العلاقات بينه والسيد محمد عثمان الميرغنى,  بعد انتفاضة ابريل  ,كان هناك اتجاه قوى لاعلان الحزب الوطنى الاتحادى  وانهاء التحالف الذى شكل الحزب الاتحادى اليمقراطى, وهو ناتج اندماج الحزبين الاتحادى وحزب الشعب الديمقراطى, واقيمت ليلة سياسية كبرى فى شمبات.. وكان الجميع يترقبون اعلان الانشقاق. وتصادف  فى ذلك الوقت معاناة البلاد من الجفاف والتصحر وتوقعات المعونات والاغاثة من الدول الصديقة , فوقف الشريف زين العابدين الامين العام للحزب ليقدم السيد محمد عثمان , وفوجىء الجمع الحاشد ببلاغة الشريف وانهاء كل ارهاصات الانقسام فى كلمات بليغة " جئتكم بالغوث لا الاغاثة"! وانصرف الجمع بين معجب ومحبط ! وفى وقت لاحق بعد انقلاب يونيو 1989 وتواجد السيد محمد عثمان والشريف فى القاهرة بدات المشاحنات من جديد فى الحزب, خاصة فى الدائرة المحيطة بهما . وذات مرة قال السيد محمد عثمان للشريف  , اذا كان هناك من ترى انه غير مؤهل للقيادة ,لا تتردد فى فصله , فأجابه باحترام شديد ...سيدى , انهم يمسكون بأطراف عباءتك فلن انازعهم عليها !, هل يستلهم  رفقاء درب الشريف فى هذه المرحلة الدقيقة , حكمته وتواضعه لمراجعة كل المواقف واستيعاب دروس الحصاد المر للانتخابات بدون مكابرة...؟. هل  حان الوقت لادراك فداحة مالحق بالحزب الاتحادى الديمقراطى ؟...و السؤال موجه هذه المرة للسيد محمد سر الختم الميرغنى والسيد على محمد عثمان الميرغنى  ,الابن الاكبر ,خريج الاقتصاد والعلوم السياسية ,الذى ابتعد مفضلا منفاه بالولايات المتحدة رافضا للاتفاقيات التى وقعها الحزب والتجمع فى القاهرة وطرابلس  , ولينضم اليهما, الشريف صديق الهندى , لاعادة توحيد الاتحادى الديمقراطى برعاية السيد محمد عثمان ومساندة الرعيل الاول من  الذين فضلوا البقاء فى الظل والحسرات تطاردهم,! واحتل مواقعهم من هم ليسوا اهلا لها ,فهم بلا جدال" الفائزون " فى الانتخابات وان خسروا نتائجها بارقام فلكية, قزمت الحزب الكبير , فقد اكتسبوا فقط بترشيحهم فى ,أعلى المناصب , شرعية القيادة.! لم يعد همسا : الخاسر الاكبر فى هذه الانتخابات, الاتحادى الديمقراطى بكل تاريخه وفروعه وتياراته !

ونذكرهم باعجاز, الانهار, فعندما تعوقها رواسب وتغلق مجراها " لا تتوقف ,قد تضطر للتراجع لتندفع مجددا بكل قواها ,  وتشق مجرى, اكثر عمقا واتساعا " ! كان هناك سؤالا ساخرا يوجه للقيادة التاريخية للاتحادى الديمقراطى , عن جدوى صفة" الاتحادى" بعد تصويت الحزب ضد شعاره, الوحدة مع مصر , اليوم اصبحنا اشد حاجة للشعار نفسه , لتحقيق الوحدة بين ابناء السودان !!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.