"هامش الحرية فى السودان , يتأرجح بين توازن الارهاق بين المعارضة والحكومة , والناتج ديمقراطية رجع الصدى " ! .. " من حقك النقد كما تشاء , لكنك لن تسمع بالمقابل ,غير رجع صوتك , لان السلطة ببساطة لا تسمعك "!  هذا التوصيف للاستاذ محمد ابراهيم نقد , بعد اتفاقية نيفاشا , ورفع الرقابة القبلية عن الصحف , والآن, ندخل مرحلة جديدة  تتزامن مع اعلان نتائج الانتخابات, هل ستكون  " الصمم الكامل " باخراس " الاصوات مثل ما حدث لصناديق الاقتراع , بشهادة فيديو "دائرة الأوليب " وماصاحبه من مؤتمر صحفى  لوكيل مرشح الاتحادى الديمقراطى ,الذى صور  شريط الادانة بكاميرا هاتفه النقال ,على غرار تصوير مشاهد التعذيب فى سجن ابو غريب العراقى واعدام الرئيس صدام حسين.!

وتدفعنى واقعة دائرة الاوليب , لابدأ منها حسابات الربح والخسارة, فقد اكد ت مجددا ضمور مصداقية مفوضية الانتخابات والتى انتاشتها السهام من البداية, لما اتسمت به من ارتباك وقصور فى المهنية واتهامات مباشرة من احزاب المعارضة بانها جهاز من اجهزة الدولة , يقودها عتاولة نظام نميرى! والاهم ,القوانين المقيدة للحريات مازالت  سارية المفعول وجاهزة للتطبيق والتنكيل.!

وتغرى رمزية دائرة الاوليب للحديث عن الحزب الاتحادى الديمقراطى الذى نضطر لتعريفه بلقب " الأصل " , والاسباب معروفة فى مسلسل التشظى الذى اصبح سمة لكل أحزاب السودان:

يصدق عليها قول الشاعر احمد مطر: عندنا احزاب ... حزب فى كل زقاق ... كلها يسعى الى نبذ الشقاق ... كلها ينشق فى الساعة شقين .. وينشق على الشقين شقان .. وينشقان عن شقيهما ..من اجل تحقيق الوفاق !! احزابنا التى سجلت للانتخابات كانت ثلاثة وسبعون حزبا!

وكيل مرشح الحزب الديمقراطى الاصل فى دائرة الأوليب هو الذى صور الواقعة  , لعله كان يستجيب لدهشة مولانا السيد محمد عثمان الميرغنى ,عندما تساءل وهو يغادر الخرطوم مغاضبا ...عن اصوات المسيرة المليونية التى خرجت لاستقباله عند زيارته لكسلا .؟

ويذكرنا بمشهد مماثل رواه الصديق الراحل محمد ابو القاسم حاج حمد بعد تأسيسه لحزب "حسم" ,عام 1998 وفقا لقانون التوالى, ودعا للمؤتمر التأسيسى للحزب , فتداعى اليه آلاف الشباب المتحمس , وببراعة الاستاذ محمد فى التحليل , استنتج ان ذلك مرده لبرنامج الحزب المبنى على دراسات متعمقة لواقع السودان وآفاق مستقبله واستقطابه ايضا للعديد من السودانيين المنحدرين من اصول متجزرة فى دول القرن الافريقى , خاصة وان الحزب يبشر بكونفدراية  لشعوب المنطقة ,.لكنه اكتشف بعد انفضاض المؤتمر وتشكيل لجانه وتمحيص عضويته ان ما يقارب التسعين بالمائة من المشاركين كانوا من الاجهزة الامنية للدولة ! وهو تقليد يبدو انها لاتمل من استنساخه مع خصومها وايضا حلفائها ! وكان الاستاذ محمد ابو القاسم حاسما  فى قراره بحل "حسم" ! ولا نقلل بهذه الرواية من حقيقة نفوذ الختمية فى شرق السودان ,فهى منطقة شكلت ركيزة رئيسية لانطلاق المسيرة الميرغنية فى القرن التاسع عشر.. للاسف ترسخت الشروخات العمودية فى البيت الكبير منذ أمد بعيد من هذه المنطقة تحديدا وتصاعدت مؤخرا , فى مرحلة لاحقة وحاسمة من الصراع السياسى فى السودان بالخلاف بين السيدين مجمد عثمان الميرغنى وابن عمه وخال ابنائه السيد محمد سر الختم الميرغنى الذى التحق بالانقاذ وعاد من منفاه الاختيارى ليستقر فى سنكات, وللاسف ايضا هجر العديد من ابناء الخلفاء المرموقين والذين كونوا ثروات ضخمة ,بفضل حزبهم العتيد, وانضموا ايضا للانقاذ فى "زفة" جماعية عام 2007! ولا يتحمل السيد محمد عثمان وحده مسؤولية الخلافات فى البيت الكبير ,فهناك ارث لا يد له فيه .. ومن الخطل ايضا مقارنة الظروف والمرحلة التاريخية التى شهدت عصر السيد على الميرغنى  وما واجهه السيد محمد عثمان  والبلاد اثناء اشتداد العاصفة الترابية 1989- 1999 . وتساميه فوق ارث المكانة والمهابةوالكبرياء الشخصى, ليسجل مواقف غير مألوفة فى تاريخ الطائفة والاسرة , دخل السجن وهى  السابقة الاولى فى تاريخ مرشدى الختمية  , واختار المنافى والاصقاع النائية  مؤسسا ومتفقدا قوات " أبو جلابية" , التى حولت أهازيج "شيىء لله يا حسن يا سلطان الزمن " الى " جلالات عسكرية "  , ويدفن بيديه جثمان اول حفيد له, خارج السودان, فى مصوع بارتريا ,فى قباب اعمامه ,بعد نقله بالطائرة من الولايات المتحدة !

واجمعت الاحزاب وقيادات المجتمع المدنى السودانى على اختياره رئيسا للتجمع الوطنى الديمقراطى, وساندته الحركة الشعبية بقيادة الدكتور جون قرنق والذى وقع معه عام    1989    اتفاقية الميرغنى قرنق باديس ابابا والتى وضعت اسسا سليمة لوحدة  السودان , ولكن مكايدات القيادات السودانية افشلتها , حتى وقع انقلاب الجبهة الاسلامية ..وظل يواجه مواقف صعبه وتحديات غير متوقعة لا تتناسب مع مكانته.. وقد حد ث فى ندوة اقيمت بفندق شيراتون بالعاصمة القطرية , الدوحة ,عام 1992 , ان تعمد انصار الجبهة الاسلامية استفزازه , فوقف احدهم متسائلا فى غلظة : لماذا تعارض حكومة اسلامية والمعروف عن والدك السيد على الميرغنى تدينه و دعوته للجمهورية الاسلامية .. وهتف آخر الله اكبر .. الله اكبر حررنا الجنوب ", فرد السيد محمد عثمان : " لقد حاربنا الحركة الشعبية  فى الكرمك ولا نخشى الحرب , نحن احفاد كربلاء , الاسلام دين من عند الله , وليس اسلام الميرغنى او المهدى .. اما الذين يرفعون رايات غير حقيقية وينكلون بالناس باسم الاسلام فيجب جهادهم , وضرب بيده على المنبر قائلا : اسلام الترابى لا ..اسلام الترابى لا.. اللهم انقذ السودان من انقاذ الترابى ,انه  والله لقذى فى الاعين وغصة فى الحلق !"

وتحمل السيد محمد عثمان الكثير من الاذى وهو قائد للتجمع الوطنى, عندما دخلت قوات التجمع بقيادة الحركة الشعبية هموشكريب ,قلعة خلاوى القرآن, بعد هجومها على كسلا , كان الالم يعتصره وهو يسمع السيد  الصادق المهدى مواسيا بقوله  : لقد ارادوا دخول روما واسقاطها , لكنهم اخطأوا فضربوا الفاتيكان !. واظن ان جراح همشكوريب لم تندمل حتى الان ,تنكأها نتائج الانتخابات الحالية!!

وكثيرا ما يدارى جراحه بضحكاته المجلجلة :  .. قالوا يا مولانا , انك قلت .. دخلنا السجن , وقبلها ركبنا العجلة"الدراجة " و "بدلنا" عكس الهواء وفكينا "القدون " مقود الدراجة " .. ما فاضل الا ندخل الحزب الشيوعى !!

كان كبار الخلفاء وزعماء الطرق الصوفية ,يصارحونه احيانا وينصحون مشفقين , لماذا يعرض نفسه لهذه المتاعب وهو الحائز على امجاد ومكانة سامية داخل وخارج السودان  ..ويشيرون الى والده السيد على الميرغنى : كان مثل القمر يطل من بعيد  جميلا ساطعا رغم الاخاديد والصخور   , وكان يوم رحيله مأتما لكل السودانيين ورثاه الاستاذ الشاعر سيد احمد الحردلو بكلمات انيقة عذبة:

 

كان يساوى وطنا من الرجال ... وامة من الكرام والابطا ل .. وكان ماجدا من اولياء الزمن .. وسيدا من زعماء الوطن .. وكان بستانا من الجمال .. وكان ختميا ومهديا .. وكان قوميا بلا جدال ... ترمل السودان حين خطف المنون .. سيدى النبيل ... واجهشت مصر وعبد الناصر الجليل والضفة والخليل ... يا سيدى النبيل .. انا رايناك تعود ... حين يدلهم الخطب فى سودانك الجميل ... تأتى كأنك الشمس .. كأنك البدر .. كأنك السحاب .. والظل الظليل .. انا رأيناك هنا مبتسما .. تسرع فى المشية المعتادة فى ابريل ... واننا نعرف اننا سنلتقيك فى قوادم الايام .. قادما كالمستحيل ... هاهو السودان .. يدلهم الخطب فى ربوعه .. ويستجير النيل ... وهاهو السودان ...كله داء ... وكله مسغبة وعويل .. سرادقات الموت فى بلادنا ..صارت اكثر من جرايد النخيل ... فيا مغيث ..يامفرج الكروب .. ادركنا ..لم يبقى فى بلادنا سوى القليل ..قد جاءنا رجس .. لا نعرف من اين جاء , يمارس التدمير والتنكيل والتقتيل .. فى بلد يكره .. أن يرى ذبابة تقتل ..يكره أن يرى وجه قتيل.. معذرة ياسيدى الجميل .. ان كنت قد جرحت صمتك النبيل ... فا لوطن الان .. على مفترق الطرق .. والوطن الان ..يكاد يحترق .. قاب قوسين من الغرق ..فارفع يديك الى لله ..لكي يمنع عن بلادنا الحريق والغرق...!!

ويروى عنه , الاستاذ محمد حسنين هيكل فى ذكرياته "تجربة حياة " عندما سافر الى الخرطوم عام 1954 , بتكليف من الرئيس جمال عبد الناصر لتقييم مواقف زعماء السودان من الاتحاد مع مصر , وقد اقترب موعد التصويت على تقرير المصير من داخل البرلمان , ويقول ..: زرت السيد على الميرعنى فى بيته .. دخلت عليه فى غرفة "خلوة" ينزل اليها بسلم  .. فى السقف لمبة مدلاة بسلك كهربائى ولا يوجد شيىء آخر .. كان جالسا فى الظلمة .. وعندما بدأنا الحديث , تكلم عن  موضوعات بعيدة عن ما اريد , وحاولت ادارة الحوار حول موقف الاتحاديين من تقرير المصير لكن كانت له خاصية "غريبة أوى" انصب حديثه عن القنبلة الذرية وانبهاره بها , ثم انتقل فى حديثه الى ممالك النمل وعن القدرة الالهية الملهمة لكل شيىء حتى الحيوان  , واستطرد فى حديث طويل عن كيفية تنظيم النمل لهذه الممالك وبعدها شرع فى الحديث عن ممالك النحل , وكنت جالسا فى ادب واحترام , وحاولت توجيه مسار الحديث عن السياسة وهو سبب زيارتى  , لكنه أجاب انه لا يحب الحديث فى السياسة وانه سيكلف وكيله السيد احمد عبد الله ليحدثنى عنها وانتهى اللقاء !!

هل  كان بامكان السيد محمد عثمان اتخاذ مواقف مماثلة وهل كان الافضل, الفصل بين القيادتين الروحية والسياسية  وما هى مؤهلات  وقدرات القيادات التى تقف معه ...وهل الحزب الاتحادى الديمقراطى ,حزب الوسط ,وحزب الحركة الوطنية المرموق ,أكبر الخاسرين ؟..و أين الخلل ؟؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.