هناك معادلات سياسية , أشبه فى تعقيداتها ,بالنظريات الرياضية, تعتمدها مراكز الدراسات think tanks فى تحليلها وتقييمها لاحداث مفصلية غذتها حروب وصراعات ومنازلات, وتستبق الى نتائجها وفق فرضيات محتملة :

"لم  يتغير شيء , لكن كل شيىء لن يبقى كما كان " ! و "كل شيىء قد تغير ,لكن شيئا لم يتزحزح من مكانه.".!

من هنا نقرأ نتيجة انتخابات السودان وفقا لهذه النظريات:

المعيار الدولى الاساسى الذى احتسب فى صالحها من المفوضية الاوروبية ومركز كارتر , بانها خطوة لانجاز اجراء الاستفتاء على تقرير المصير لجنوب السودان ,الذى ضمنته اطراف دولية فى نيفاشا عام 2003 !

وقد صوبت السيدة فيرونيك دوكسير , رئيسة بعثة الاتحاد الاوروبى لمراقبة الانتخابات نحو هذا الهدف بدقة ,عندما قالت فى وصفها للانتخابات والقيود التى فرضت على العديد من الحقوق السياسية والحريات , وهى معروفة سلفا وشكت منها الاحزاب التى انسحبت من السباق ,انها " خطوة حاسمة من اجل تنفيذ اتفاق السلام الشامل " واضاف  الرئيس جيمى كارتر بأنها لاتطابق المعايير الدولية لكن القسم الأكبر من المجتمع الدولى" سيعترف بنتائجها" .!

واشرنا فى مقال سابق الى ان القوى النافذة فى العالم , وفى مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية , تدير ازمات السودان ,وفقا لاستراتيجية تضمن " تنظيم اللا استقرار وضبطه من الانفلات , وجعل سائر القوى المتصارعة بحاجة اليها ودفع اللااستقرار, متى كانت الحاجة الى ذلك , حتى الحدود القصوى  التى تقود الى التقسيم "!

وهى سياسة اشبه  بمحاولة الامساك بحصان جامح , من العسير التنبؤ بدروب  مساره !,فقد  تبنى السودان فى تاريخه الحديث مشاريع سياسية راديكالية من مختلف المدارس السياسية, منذ دولة الخليفة الجهادية ودولة النميرى التى بدأت بالاحتفاء" بالذكرى المئوية لعيد ميلاد لينين عام 1970 وانتهت بقوانين سبتمبر ,1983", بتقطيع الايدى والصلب ونصب المشانق, ثم صعود حركة اسلامية براجماتية , اسست اول دولة اسلامية سنية بعد الدولة الشيعية  فى ايران وعملت على نقل تجربتها عبر حدودها, المجاورة, لتسع دول .!

واقتنعت الولايات المتحدة الامريكية ,بان تقوم مباشرة بادارة الازمة السودانية ,بعد الارهاق الذى اصاب دول الجوار وعجزها فى ادارتها ,كما كانت تفعل فى حقب سابقة وتمسك بملفاتها. ونجحت ادارة الرئيس اوباما ,فى اتباع سياسات متضاربة ,بتنويع رسائلها  وتصريحات مسؤليها من البيت الابيض ووزارة الخارجية والامم المتحدة, الى مبعوثها الخاص, الجنرال جريشن الذى برع فى اساليب "أفلق وداوى", "خوف وطمئن"!

وينطلق تضارب الرسائل فى السياسة الامريكية من مبدأ ثابت مبنى على برجماتية"الحلول الوسط",مخالفا لدوغما عقيدة الصراع التى أدت الى انهيار منظومة الدول الشيوعية بقيادة الاتحاد السوفيتى.. ويقول زبينجى بريجنيسكى , مستشار الامن القومى الامريكى السابق , واحد كبار مهندسى الاستراتيجية الامريكية , ان ميل الامريكيين الى" الحلول الوسط "يرجع الى شكوكهم المتأصلة تجاه مركزية السلطة ,  وهى من وجهة النظر الامريكية تميل بتطبيقاتها الى توسيع سيطرتها , وعلى ذلك يكون من الضرورى وجود قوة بالمقابل لكل قوة, لكى تحد من سلطتها وتقيم التوازن المطلوب.واذا كان هذا مطبقا وفقا للدستور الامريكى ,فأنهم يرون صلاحيته فى جميع الدول . ولا تتردد البراجماتية الامريكية فى التعاون مع اى نظام او تنظيم يتوافق مع اهدافها ,وكذلك التنكر له متى ماكان ذلك ضروريا , والامثلة كثيرة , الشاه محمد رضا بهلوى فى ايران,وبونيشيه فى شيلى, ماركوس فى الفلبين ,و نوريجا فى بنما,ويعبر عن ذلك بمرارة الرئيس اللبنانى الاسبق كميل شمعون بقوله :" انهم يتفقون معك مثلا للصعود الى الطابق الثانى عشر وقد يتركونك وحيدا وينزلون فى الطابق الخامس دون  استئذانك اوعلمك ", ويوضح بريجنيسكى  قائلا بصراحة : " يتردد احيانا وصف القيادة السياسية فى امريكا بانها " غير مثقفة " وهذه حقيقة جزئية , فالمثقف فى المفهوم الامريكى اما ان يكون منظرا او مفكرا ايدولوجيا , او ان يكون خبيرا , فاذا كان خبيرا فهو يلعب دورا رئيسيا فى السياسة الامريكية ,لان القيادة السياسية سواء داخل الادارة او خارجها تحتاج الى خدمات الخبير المثقف فى كل المجالات الرئيسية فى السياسة.".. لذلك كل الدراسات التى اتبعت فى ادارة ازمات السودان وضعتها مراكز دراسات محترفة وهى التى صممت استراتيجية اتفاقبة نيفاشا ,على اساس دولة واحدة بنظامين , وبمرونة ,تتيح الانفصال وفقا لاستفتاء تقرير المصير, "! وتعتمد مراكز الدراسات ال think tanks على خبراء فى جميع فروع المعرفة , علماء نفس و اجتماع وسياسة واقتصاد واتصال وعقائد دينية ومذهبية , بل ويضعون سيناريوهات يتقمصون فيها شخصيات زعماء ,بعد دراستها ومعرفة حالتها الصحية والنفسية,وجذورها الطبقية ومراحل تعليمها ولغة حركات جسدها ولبسها ودلالات , الاكسسورات التى يفضلونها , من خواتم ومسابح وايقونات والوان اربطة العنق الخ .. واحتمالات ردود افعالها فى حالات كذا وكذا !

بعد اتفاقية نيفاشا , وانهيارالتجمع الوطنى الديمقراطى,وقد اشرنا الى الاسباب ,فى مقال سابق , فقدت الاحزاب التقليدية الدعم الدولى والاقليمى ,وحتى التعاطف بالمال والاعلام ,كما كان فى مراحل سابقة. وطوال واحد وعشرين عاما من الاغتراب والبعد من مقومات السلطة وتغيير الخارطة الاقتصادية فى السودان  , بابتعاد شرائح اساسية من الراسمالية الوطنية الداعمة لها و التى لم تجد خيارا غير الانضمام الى نظام الانقاذ, وفقا لاجراءات ممنهجة ,على اساس الجزرة والعصا  ,  وبصعود جيل جديد , شب فى ظروف مغايرة ومواكبة لثقافة مجتمع جديد مواجه باقصى درجات العنف والعسف , ومع تلاشى الطبقة الوسطى فى طاحونة الفقر  ,  والبحث عن الخلاص الفردى للملايين  عبر قارات العالم ,  تعذر على الاحزاب التقليدية جمع صفوفها مجددا ! 

ما العمل ...؟

نتائج الانتخابات , تؤكد انه لم يتغبر شيىء, ولكن هل سيبقى  كل شيئ ,كما كان..؟

لا نقول بحتمية الانفصال , لكنه الارجح, وكذلك  المخاطر المبثوثة فى "كومة اليأس اليابسة" والمنتظرة لعود ثقاب لاشعال  الخرائط الجهوية والعرقية الناشطة والنائمة . كما تتضاءل احتمالات تغييرات جذرية فى بنية الاجهزة و الأطقم القيادية  , رغم " الصعود مجددا لرئيس الدولة ,فى ظروف حرجة و مرحلة مختلفة,أسماها البعض, الانقاذ الثالثة, اشارة الى ما قبل وبعد المفاصلة" , فقد اتقنت تلك القيادات,التى تدير الازمات,  صناعة انسداد الافق  وبرعت فى سحق خصومها ,وهى الان منتشية بانجازها, وقد لا يتبدل اسلوبها فى التصعيد,مع احتمالات  نشؤ المزيد من المواجهات مع منظمات المجتمع المدنى , والتنظيمات النقابية المطلبية."ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض"( صدق الله العظيم)0.. ورغم كل هذه الغيوم والاسئلة الحائرة يسمق ذلك  السلوك الحضارى للناخب السودانى, ويستحق بجدارة تكريما وتقديرا اكبريتسق مع بلاغة ذلك القائل :" لو كانت الشعوب تمنح بقدر صبرها وتضحياتها لاستحق شعب السودان, الفردوس جزاء ." !  

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.