توقفنا الاسبوع الماضى عند تخصيب : المناورات والمكايدات و " الخوازيق "  فى مفاعلات السياسة السودانية  , لنعود الى بلاد خصبت اليورانيوم والبلاتنيوم  وهى لا تملك قوت يومها !,

نواصل رحلة كوريا الشمالية ,عام 1967 ,وكنا اول وفد سودانى يصل الى هناك, ممثلا لاتحاد الصحافة السودانية , برئاسة الاستاذ صالح عرابى , رئيس تحرير جريدة التلغراف والاستاذ احمد سهل محمد , مدير تحرير , جريدة السودان الجديد وشخصى , بصفتى الامين العام لنقابة الصحفيين.وكان الاستقبال حافلا فى مطار العاصمة بيونج يانج, ومعناها " أجمل أرض فى العالم".!

وكان مقر اقامتنا فى بيت الضيافة , الذى يقع فى ضواحى المدينة, اشارة الى اننا لانستطيع مغادرته الا وفقا للبرنامج الرسمى وبالتالى لا يمكننا اجراء مقابلات او تحقيقات باختيارنا.. كنا مدركين لطبيعة الظروف التى تعيشها كوريا اليمقراطية , باعتبارها من البؤر الساخنة فى مواجهات الحرب الباردة..وكان عزاؤنا , صحبة الاستاذ صالح عرابى , الذى يعد من ظرفاء عصره, دائم  الابتسامة والسخرية, أضفى علينا بهجة, بددت صرامة مضيفينا !. وبالفعل بعد فترة وجيزة  من وصولنا بيت الضيافة , اكتشفت وزميلى احمد سهل , ان الجناح الذى خصص للاستاذ صالح تتوافر فيه كماليات , باعتباره رئيسا للوفد  ,وهذا تقليد طبيعى فى معظم الدول , الا اننا  لاحظنا عدم وجود اقلام واوراق للكتابة  مثل ما عنده ,  والمفروض مساواتنا جميعا فى هذا الامر ,فذهبنا اليه ضاحكين ومستنكرين لهذه التفرقة , وبعد دقائق من شكوانا , طرق باب الجناح ودخل موظف يحمل اوراقا واقلاما !, عندئذ  , اشار الاستاذ صالح الى فمه بسبابته , وكتب لنا على ورقة امامه " الغرف ملغومة بأجهزة التنصت " , " سيكون حديثنا بالاشارة وونستنا بالكتابة "!

وبدأ يتحدث باستفاضة عن عظمة كوريا وزعيمها الرئيس كيم ال سونج , بينما يومىء بيديه واصابعه باشارات ساخرة , ونحن فى ضحك مكتوم, وفجأة توقف وكتب لنا ," الى البلكونة,"

واسرعنا الى هناك , وقال بجدية , هل سمعتم قصة ذلك الوزير المصرى , الذى أقاله الرئيس  عبد الناصر فجأة , فذهب اليه احد الشبان من العاملين فى مكتبه مواسيا , واخذ الشاب يستدرجه فى الحديث , والوزير يشك فى أمره , ولم يجاريه وعلى العكس , اشاد بالرئيس عبد الناصر وعدله , وفى الوقت نفسه , كان يرفع يديه الى السماء , شاكيا ومستنكرا للقرار !, وعند نهاية المقابلة قال الوزير للشاب :با ابنى , اعرف ان الساعة التى في يدك جهاز تسجيل !, لكن الشاب قاطعه: لا معاليك , انها جهازى تسجيل وفيديو !!

كانت صراعات الحرب الباردة , بين المعسكرين الشرقى والغربى على أشدها فى ذلك الوقت من ستينيات القرن الماضى. وكان الصحفيون , من الاهداف المرصودة من الجانبين , مما يتطلب التعامل معهم بحذر شديد!

وبدأنا برنامج الزيارة المرهق , وتضمن متحف الثورة والذى يوازى فى مساحته ,حيا سكنيا كاملا , احتوى على تفاصيل التفاصيل , الاسلحة , حطام الطائرات والسفن والدبابات, الملابس , صور الاسرى  الخ... و تماثيل لاتحصى للزعيم كيم ال سونج وتحركاته طوال سنوات الحرب التى امتدت من عام 1950 الى 1953.. امضينا يوما كاملا فى المتحف .. وكان برنامج اليوم التالى , زيارة جميع البيوت التى سكن فيها الرئيس كيم ال سونج منذ مولده , ثم توقفنا عند شجرة ظليلة مسيجة باناقة .. وانبأنا المرافق : عندما كان الزعيم كيم ال سونج فى السابعة من عمره , تصارع مع واحد من انداده تحت هذه الشجرة وتغلب عليه وطرحه ارضا فى هذا المكان...!

قد يصعب علينا , فهم  هذا التقديس للفرد , لكنها ثقافة وعقيدة اسيويه , ضاربة الجذور فى الصين واليابان وكوريا  , ونتيجة للحروب المتواصلة فى المسار التاريخى لتلك الشعوب , تجسد رمز المخلص فى اشخاص زعماء ومصلحين  مثل بوذا والدلاى لاما !

ونجح كيم ال سونج فى اقامة دولة , معتدة بتاريخها , وعبأها وفقا لنظرية " جوجى " وتعنى الاعتماد على النفس والادارة الجماعية, وطور نظرية البلورتاريا بتحالف العمال والمزارعين والمثقفين , واصبح شعار الدولة , المنجل والمطرقة والريشة ...

وكان من ضمن برنامج الزيارة , زيارة مصنع للنسيج , ووجدنا مفاجأ ة فى انتظارنا .. اخبرونا ان مناخ كوريا الشمالية لا يتناسب وزراعة القطن , لذلك كان التحدى , كيف ينتجون أقمشة , بدون قطن ؟, وتبارى العلماء حتى وصلوا الى سر لم يباح به حتى الان, بما فى ذلك اقرب الاصدقاء , الصين .!..ودخلنا المصنع فوجدناه عبارة عن طواحين ضخمة مماثلة لطواحين الدقيق فى القرى !! امامنا اخذ العما ل كتل من "الحجر الجيرى " وادخلوها فى الاقماع الكبيرة للطواحين واضافوا اليها بعض المواد , تابعنا  طحنها حتى تشكلت خيوطا رقيقة ثم ادخلت فى مناسج آلية لتتحول الى أقمشة ناصعة البياض ! وقدم لنا مدير المصنع قطعا منها تكفى لحياكة جلباب , هدية تذكارية !!

 

وزرنا مصنعا آخر لصناعة الجرارات , وحكى لنا مدير المصنع بصراحة , انهم استفادوا من الحظرالدولى الذى فرضته عليهم الامم المتحدة , فأصبحوا غير مقيدين بحقوق الملكية , فجمعوا نماذج من الجرارات المعروفة عالميا وعكفوا على دراستها وتقليدها قطعة , قطعة , حتى نجحوا فى تصنيع الجرار الاول , لكنهم عندما اداروه كان يسيرفقط  الى الخلف !, وامضوا عدة اشهر لحل هذه المعضلة , ونجحوا أخيرا فى تسييره الى الامام والخلف !!واعتقد انهم  ثابروا بجهد مماثل ,حتى تمكنوا من تخصيب اليورانيوم وصنع قنبلة نووية, وان كانت بدائية !

وخوفا من قصف مصانعهم , فى اى حرب محتملة , شيدوا معظم مصانعهم , بتصميمين , فوق الارض وتحت الارض !

طوال الزيارة والتى امتدت لاسبوعين , كنا معزولين عن العالم تماما , التلفزيون على محطة واحدة وكذلك الراديو ! والمسرح يعج  , بالروايات الممجدة , لنضال الشعب والزعيم !, وفى احتفال نظم  بمناسبة انتهاء الزيارة , تحدث الاستا ذ صالح عرابى عن الوشائج التاريخية التى تربط الشعبين الكورى والسودانى , وقال ان الشعب السودانى يتغنى بانتصارات الشعب الكورى, وردد الاغنية الشعبية الشهيرة فى السودان " الله لى كوريا يا شباب كوريا " واضاف اليها من عنده ابيات تشيد بالرئيس كيم ال سونج , قائلا " كيم ال سونج يتعلى وتانى مابيندلا "! وقوبل بالهتافات والتصفيق الحار ..وكانت المصيبة عندما قال ,ان السودانيين فخرا بنضال الشعب الكورى , اطلقوا اسم "كوريا " على العديد من الاحياء فى مختلف أنحاء السودان , وكان صادقا, الا ان معظم هذه الاحياء التى تحمل اسم كوريا  ,كانت مرخصة بيوتا للدعارة فى ستينيات القرن الماضى !, وقوبل خطابه بالهتافات ونشر فى مانشتات الصحف , واعلن فى اليوم الثانى ان وفدا اعلاميا سوف يزور السودان ,خلال اسبوع , لزيارة أحياء كوريا ,وانتاج افلام سينمائية عنها وتوأمتها مع احياء هنا, خاصة ذلك الحي المجاور لمقابر فاروق , فى الخرطوم !!

ولعلها مفارقة,لا بأس من ذكرها,فى هذا السياق .. اثناء حفل وداع وفدنا , كنت أقف مع المترجم الشاب ,وهو فى منتصف العشرينيات من عمره,ويتحدث اللغة العربية الكلاسكية المتقعرة , وقد تناول كميات كبيرة من شراب "الجينسنج " المسكر , فسأ لته عن علاقات الشباب وكيف يرفهون عن انفسهم ؟ فأجابنى ... يارفيق حتى الان لم أذ ق طعم القبلة ولن يتاح لى ذلك الا بعد زواجى !

وقلت فى نفسى : سبحان الله انه لا ينتمى الى أى دين سماوى !

- من ذاكرة الاوراق:

انه مثل  الدمية  الخشبية الروسية المزخرفة , تخفى داخلها دمية اخرى والاخرى تخفى اخرى وهكذا لاخر دمية ولا تنتهى الاقنعة!

-الشيطان لا يعرض على الانسان الطمع لانه يعرف انه أطمع منه.!

-تبدأ المأساة حين ينظر الناس الى الامرغير  العادى كأنه من الامور العادية , فتصبح القاعدة هى الاستثناء والاستثناء هو القاعدة وتضطرب القيم وتفسد المعايير

"برتولد بريخت"

-      أحزاب تتبادل  عمليات الطرح ضد بعضها وتتبادل النكاية بغريزة موروثاتها  كل محور يعمل على سد الطريق على المحور ألآخر!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.