مهنة الصحافة ,تتيح لك التعرف بنماذج متنوعة من البشر  ,من مختلف  درجا ت السلم  الاجتماعى, رؤساء دول ,شخصيات عامة واخرى  أدنى ,أفاقين وأفاكين ومجرمين !

وتحتفظ الذاكرة المزدحمة ,بلمحات لا تنسى من مواقف وطرائف , تستعيدها وتستعذ ب  اصداءها .. وغالبا ,تبتسم دون تكلف فى استذكار شخص ما , اوحدث, مرت عليه عشرات السنين .. ومن اسعده الحظ بالتعرف  على الاستاذ صالح عرابى , رئيس تحرير ,جريدة التلغراف ,تتوافر لديه ارصدة من متع المسامرات والقفشات والطرائف والمآزق! .. ويستحق الاستاذ صالح عرابى عن جدارة ,لقب , أظرف ظرفاء عصره من الاعلاميين السودانيين ! ...ويالها من متعة , اذا كان صاحبك فى السفر , والى أين..؟ الى أكثر بقاع الارض تجهما ,ومازالت , جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية , كوريا الشمالية , وعاصمتها , بيونج يانج , وقد زرتها,من حظى, مرتين..!

كانت رحلة طويلة , عبر جمهورية الصين الشعبية الى بيونج يانج ,, زادنا الضحك المتواصل ,مع رفيقى الرحلة , الاستاذ صالح عرابى والاستاذ احمد سهل مدير تحريرالسودان الجديد ,..كنا نمثل اول وفد سودانى , يزور جمهورية كوريا الديمقراطية عام 1967.

وعبر اجواء الصين يحكى لنا الاستاذ صالح عرابى عن زيارته لبكين بصحبة الاستاذ عبد الكريم المهدى ,مدير وكالةانباء السودان ,قبل سونا, والاستاذ حسين عثمان منصور , رئيس تحرير مجلة الصباح الجديد .... ويجسد الاحداث ,كأنك تشاهدها, فى فصول مسرحية بالصوت والصورة.!

 

ويسرد التفاصيل , وعيناه تفيضان من الدمع , وليس هذا مجازا , كانت عادة متأصلة عنده عندما يضحك , وسرعان ما تنتقل اليك العدوى..!  ويحكى .. كانت رحلة طويلة ,اربعة اسابيع بدعوة من اتحاد الصحفيين الصينيين عام 1966 , للتعرف على الثورة الثقافية فى عهد الرئيس ماوتسى تونج  ..وذات صباح كنت جالسا مع المترجمة الصينية التى ترافق الوفد وتترجم الى اللغة العربية .. وامتدت يدى فى لمسة خاطفة  الى يدها , وانتفضت وغادرت الغرفة مسرعة !   وبعد دقائق عادت ومعها اربعة من اعضاء اللجنة التنفيذية لاتحاد الصحافة , وبدأ على الفور الحوار التالى:

--رئيس المجموعة "ويقلده الاستاذ صالح" : كا , ووم ,, هاو , هو مستر اورابى !

-- المترجمة : يا سيد عرابى , لقد حاولت اعادة الدعارة مجددا لجمهورية الصين الشعبية!!

-- رئيس المجموعة : هاتو باو لو داو !

-- المترجمة : اتدرى . ماعقوبة , مثل هذه الجريمة النكراء..؟ السجن لعشر سنوات مع الاشغال الشاقة !

الاستاذ صالح عرابى يتابع ملتاعا زائغ البصر ...!!..: ماذا حدث .. اريد ان افهم ؟

رئيس الوفد يوجه المترجمة لابلاغ الاستاذ صالح بجريمته وتقول له:

--- لقد لمست أصابعى بشغف !

وادرك الاستاذ صالح حجم المأ زق  , ويرد مصطنعا صوتا متهدجا اقرب الى البكاء.. لقد اسأ ت فهمى .. لم اقصد ذلك  سامحينى على هذا الخطأ غير المقصود !!

المترجمة تنقل للوفد ما قاله ويتبادلون الرأى وتهز المترجمة رأسها بالموافقة ثم تنقل القرار للاستاذ صالح:

الرفاق يقولون لك انهم غير مقتنعين بدفاعك , لكنهم يقدرون اعترافك بانه حدث خطأ من جانبك ويعتبرون ذلك نقدا ذاتيا , وينتهزون هذه المناسبة ليعلنوا تقديرهم للشعب السودانى البطل  الذى اخذ بثأرالشعب الصينى من الجنرال تشارلس غوردون الذى قتل اثناء الثورة المهدية عام 1885. الشعب الصينى  كان ضحية الجنرال الانجليزى السفاح, غوردون,فى اعوام 1857-1863., وهو لاينسى شجاعة ثوار المهدية الذين ذبحوه على سلالم القصر!

--- الاستاذ صالح , مبتهجا ,: لكم الشكر يا رفاق ....سأنقل مكرمتكم لشعبنا واعدكم بان اظل صديقا وفيا لكم!

--- رئيس الوفد : لاو, لى, بو هنق كونج !

---  المترجمة:انهم يقترحون عليك أخذ حماما باردا , أو الذهاب الى هونج كونج لثلاثة ايام ثم العودة لمواصلة الزيارة!

--- الاستاذ صالح يفاجأ بالعرض السخى , ويجيب  على الفور: شكرا للرفاق , اساند رأيكم السديد وأفضل الذهاب الى هونج كونج..!!

وبالفعل سافر الاستاذ صالح عرابى الى هونج كونج , وكان فى وداعه زميلاه فى الرحلة , عبد الكريم المهدى وحسين عثمان منصور, وهما فى حالة ذهول ..! ولوح لهما على سلم الطائرة وهو يهمس:    عاش الجنرال غوردون !!

تزامنت زيارة الاستاذ صالح عرابى الى الصين , مع اوج الثورة الثقافية التى انطلقت عام 1966 ,وتضمنت ادبيات تلك المرحلة طرائف عن التشدد العقائدى , كانت مثار تندر جيلنا .. كانت الدعاية الصينية تنشر حكايات , يصعب علينا فهمها , مثل الحوار الشهير مع مزارع صينى ,كان يفاخر بان محصوله من البطيخ , اصبح حلوا احمر بفضل قراءته للكتاب الاحمر للرفيق ما وتسى تونج !.. وهناك كتب نادرة تسرد حكايات تلك المرحلة .,مثل كتاب "بجعات برية" ,والذى تضمن حكايات اقرب الى الخيال :" لم يكن للشأن الشخصى مكانا , فحياة اعضاء الحزب مصادرة تماما , فاذا نشأ ت علاقة بين رجل وامرأة عليهما ان يكتبا الى اللجنة الحزبية للأذن ب "الكلام عن الحب بغرض الزواج" وقد يستغرق الرد بالموافقة او المنع شهورا .. واذا شرعا فى الاعداد للزواج فهناك اجراءات ومعادلات اشبه بالرياضيات ,تتضمن رموزا مثل 28-7 كتيبة 1وهى تعنى الا يقل عمر الرجل عن 28 عاما وان يكون عضوا فى الحزب منذ 7 ستوات على الأقل, اما بالنسبة للمرأة ان تكون عملت بالحزب فترة لا تقل عن العام.".أطلق الرئيس ماو شعار "لتتفتح مائة زهرة "ودعا الحزب المثقفين الى نقد المسئولين حتى القمة.. وتقول مؤلفة "بجعات برية",يونغ تشانج, كان هدف الرئيس ماو " استدراج الأفاعى خارج جحورها للكشف عن كل من يجرؤ على معارضته"..ومن مفارقات تلك المرحلة وفقا لهذا الكتاب الشيق الذى ترجمه الاستاذ عبد الاله النعيمى ,واستعرضته الشرق الاوسط ,, ان الرئيس ماو , اعلن انه توجد نسبة يمينيين تتراوح من واحد الى عشرين بالمائة , وكان على كل منظمة حزبية ان تكشف حصتها من هؤلاء! ومن طرائف ما قيل تلك الايام ان مئات اليمينيين ,كانوا يصنفون بسحب القرعة , اى بالاقتراع, يقررون من ينبغى تسميتهم يمينيين! , وكان هناك " يمينيو الحمام" وهم اشخاص اكتشفوا انهم رشحوا يمينيين فى غيابهم ,بعدما اضطروا للذهاب الى المرحاض خلال الاجتماعات الطويلة! . كما كان هناك يمينيون قيل ان لديهم سما ولكن لم ينفثوه بعد!

كانت هذه هى الصين , تلك الايام, قبل ان يغيرها زعيمها , البرغماتى , دنج زياو بنج , الذى اطلق عام 1979 شعاره البليغ : " لا يهم لون القط ,اذا كان اسود او ابيض , طالما , كان قادرا على اصطياد الفئران "!, وبفضله أصبحت الصين الان قوة  اقتصادية كبرى , مرشحة لان تكون القوة الاعظم فى القرن القادم اذا لم يكن قبله!!

مازلنا فى اجواء الصين فى الطريق الى بيونج يانج , لانشعر بطول المسافة مع متعة ,حكايات الاستاذ صالح عرابى , وأسأله عن حادثة السينما الوطنية بالخرطوم غرب وحجم الاضرار التى لحقت بالدار نتيجة لتعليق كتبه! ويروى تلك المشاهد التى ألفها وتفوقت على  الافلام السينمائية التى تعرضها الدار.!..يقول ... السبب صديقك وصديقنا , الاستاذ رحمى سليمان , رئيس تحرير  جريدة الاخبار .. فقبل اصدار صحيفته , كان المديرالتنفيذى  للشركة الوطنية للسينما , ونظم حملة اعلانية ضخمة بمناسبة افتتاح اول دار سينما وطنية بمساهمة رجال اعمال سودانيين .وكان السودانيون فى ذلك الوقت من الخمسينيات يتجنبون الاستثمار فى هذا المجال , كانت السينما تهاجم فى المساجد , باعتبارها " السؤ نما"! .. وانفرد الاجانب بالسوق وحققوا ارباحا طائلة من دور العرض وفى مقدمتها , كولوزيوم , برامبل , النيل الازرق والحلفايا..وكانت صحيفتى التلغراف فى مقدمة المشجعين للاستثمار فى هذا المجا ل وعنما تحقق ذلك وبدأت الاستعدادات لافتتاح اول دار سينما وطنية , نظم الاستاذ رحمى ,حملة اعلانية ضخمة , لكن المفاجأة انه, كان سخيا مع جميع الصحف ماعدا التلغراف ..! وتم افتتاح دار السينما الوطنية فى احتفال كبير باعتبارها انجازا وطنيا فى منظومه اقتحام رأس الما ل الوطنى لفضاءات هامة لاتقل شأنا من التعليم الاهلى والاندية الثقافية , وشاركت فى الاحتفال وكتبت فى اليوم التالى مقالا مطولا اشدت فيه بجما ل المبنى واناقة المقاعد والاضاءة ومعدات العرض ووصفتها بانها تحفة تتزين بها العاصمة , ثم اضفت جملة واحدة , كانت قنبلة حقيقية انتقمت بها من صديقنا رحمى .!. قلت ,هناك خطأ فنى فى تصميم شاشة العرض , يستوجب تداركه فورا .. الشاشة تميل قليلا جهة اليسار مما يسبب اضرارا للمشاهد قد تصيبه ب "الحول"!! وفوجىء  رحمى و مجلس الادارة بهذة الملاحظة التى اصبحت حديث المدينة , وتصاعدت خطورتها مساء نفس اليوم , عندما بدأ جمهور الدرجة الثالثة ," التيرسو" , التصفير والصراخ الاحتجاجى. وتطور الموقف الى قذف الشاشة بزجاجات المياه المعدنية.. واضطرت ادارة السينما لايقاف العرض , بعد استدعاء الشرطة!!

وعقد مجلس الادارة اجتماعا طارئا مع المهندس والمقاول ,الذين اشرفا على تنفيذ المشروع , واكدا بالخرائط والقياس بانه لا يوجد خطأ وان الشاشة صممت وفقا للمقاييس والمواصفات العالمية , عندئذ تصاعدت الاصوات التى تطا لب باللجوء للقضاء وتقديم صاحب جريدة التلغراف للمحاكمة !  وسرعان ماادرك بعض الاعضاء خطأ هذا التوجه لان المحكمة قد تستغرق شهورا وتبعا لذلك ستغلق الدار !.. واستوعب الاستاذ رحمى سليمان حقائق ما حدث وطلب من مجلس الادارة امهاله يوما واحدا لحل هذه المعضلة وتوجه الى مكاتب التلغراف واستقبله الاستاذ صالح عرابى هاشا باشا وهو يناديه كعادته .. ازيك ياابو"الرحوم"! .... ولم يكن للاستاذ رحمى وقتا يضيعه وسأله بجدية " طلباتك, ابو صلاح"؟  فأجابه  مع ابتسامة عريضة , خمسة اعلانات صفحة كاملة تعويضا عن استثنائنا من الحملة وتدفع مقدما, وغدا  , يصفق لكم الجمهور مشيدا بانجازكم !ووافق الاستاذ رحمى , وطلب الاستاذ صالح احضار المقاول وذهب معه الى دار السينما وحدد له ربط "سقايل من الخشب" فى يسار الشاشة , على ان تظل فى مكانها اثناء العرض فى المساء ..! وكتب خبرا بارزا فى الصفحة الاولى من التلغراف يشكر فيه ادارة السينما لاستجابتها لملاحظته والاصلاح الفورى للخطأ ! وصفق الجمهور تلك الليلة فرحا باصلاح الخطأ الموهوم , وطبق الاستاذ صالح عرابى احدث أساليب التأ ثير السايكولوجى  للاعلان والاعلام على الجماهير!

....وهبطت طائرتنا,بسلام ,فى مطار بيونج يانج..لنبدا مع الاستاذ صالح فصولا من المرح لم تألفها العاصمة المتجهمة من قبل !!

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.