كان انتقالنا سلسا من الايام ,بعد تعطيلها الى السودان الجديد,كانت الوشائج قوية ومتينة بين الصحفيين, يتضامنون ايام المحن ,فعندما انتقل "أبو الصحف", الاستاذ أحمد يوسف هاشم "1906-1958"الى رحاب الله ,ترك الاستاذ بشير محمد سعيد ,جريدته الايام, وتولى رئاسة تحرير السودان الجديد, فى الفترة الانتقالية , حتى اكتمال اجراءات تعيين الاستاذ فضل بشير , الذى كان يشغل منصب مدير الادارة .

وجدنا ترحيبا فى السودان الجديد ,فاق توقعاتنا,مواساة لجراحنا بتعطيل الايام,مشاعر نبيلة , غمرتنا من جميع الزملاء, واكرمنى الاستاذ فضل بشير والاستاذ طه المجمر,بمنحى غرفة  مؤثثة لسكنى , فى الطابق الثانى للدار . ومن المفارقات , كنت أنام ملء جفونى , طوال ايام الاسبوع , ماعدا ليلة الخميس , عطلة المطبعة, فالصحيفة لا تصدر بالجمعة .. تعودت هدير المطبعة واهتزاز المبنى , كأنى طفل يهدهد فى مهده .. وفى ليل الخميس , لا احتمل السكون المطبق على المكان , وينهشنى الأرق طوال الليل..!

 

عاصرت فى السودان الجديد ,مرحلة انتقالها من جمع الحروف اليدوى الى دخول ماكينات الليونتايب .. يدهشك ذلك الجيل من العمال المهرة ,الذين يجمعون الحروف , حرفا حرفا بالايدى من صناديق تحتوى على حروف الأبجدية المصنوعة من النحاس .. كان فى مقدمتهم العم عثمان محمد على, محمد عبد الله وابراهيم ابو الروس, وقد رافقهم فى فترة سابقة الفنان المبدع عبد العزيز محمد داوود  , الذى كان يحيل صالة الانتاج الى بهجة من الطرب والمرح . ولم ينقطع عن زيارتهم بعد احترافه الغناء وكان يسارع الى احياء مناسبات أفراحهم.. وبدخول مرحلة ماكينات الليونتايب , جاء جيل جديد من الفنيين , أبرزهم الاخ خوجلى شقيق الفنان حمد الريح. وكان المعلم على يوسف المشرف على جميع المطابع ,قبل عصر الاوفست , ساحرا فى لمساته , يتغلب بصبر شديد على عطل المطابع ,يمدها بقطع غيار ,يصنعها بدقة وحذق فى الورش الصغيرة بالمنطقة الصناعية وكانت معظم المطابع آنذاك من طراز Flat bed press...

 

وفقت فى السودان الجديد بضم اصدقاء اعزاء الى هيئة التحرير , فى مقدمتهم , الاساتذة : صديق محيسى, محمود محمد مدنى , ميرغنى حسن على وعمر جعفر السورى , الشهير بعمر عليم , ومن الكتاب الاساتذة : بابكر كرار , كمال الجزولى , ابو آمنه حامد , ابراهيم عبد القيوم ,التوم محمد التوم ,عبد الغنى جوهر ومصطفى عوض الله بشارة.

 

كان الاستاذ بابكر كرار , متميزا بابتسامته الدائمة وسخريته اللاذعة ومقولاته السديدة و المستمدة من كل منابع الفكر , رغم انتمائه الاسلامى ودرجنا على فلاشات يومية , ننشرها فى باب حكمة اليوم ومعظمها من مفكرته:" ليس من طلب الحق فأخطأه , كمن طلب الباطل فأدركه", " ان الظلم اينما كان , يهدد العدل , فى كل مكان" .." الابداع فى العمل هو الغذاء الحق للروح , أما الكسب المادى الذى يجلبه النجاح فهو الكماليات التى تعطى الغذاء نكهة اضافية." .. " المستقبل هو الحاضر وعلينا ان نعيد ترتيبه , ليس علينا أن نتصوره فحسب , بل ان نمهد لحصوله ." .. " السياسة هى نتائج على ارض الواقع وليس نيات فى الصدور أو شعارات ترفع."

 

كانت قيادة استاذنا فضل بشير للتحرير,تتميز بافساح حريات غير محدودة للمحررين , وللاسف فقد اسأنا استخدامها احيانا ,لجنوحنا الى الاثارة المستمدة من نزق الشباب وطيشه.. ولا انسى تلك الواقعة , وعندما أتذكرها اليوم  تنطلق آهة  مشحونة بالاسى والندم,! وهى من اهم الدروس التى تعلمتها فى بداية مسيرتى, واصبحت مرشدا لى عندما امسك بالقلم .. كان الاستاذ محمد الخليفة طه الريفى يحرر بابا ناجحا فى الصفحة الاخيرة , بعنوان " اخبار النس وحكاياتهم " .. وعندما انتقل الى جريدة الثورة , قدم صفحة مشابهة يأسم " وانا ماشى" وكان قرار الاستاذ فضل بشير ان نواصل تحرير الباب وبالتناوب , لانه من الصعب نجاحه بمحرر واحد , ينافس الاستاذ الريفى... وكنت احرر الباب كل يوم احد ,بدون كتابة أسم المحرر , مما اغرانى لكتابة خبر وتعليق , اشرت فيه الى فنان مشهور وتطاولت قائلا ان  حباله الصوتية تصلح للشنق ودعوت مدير السجون لا ستثمارها فى تنفيذ أحكام الاعدام !!

 

وكان صباحا عاصفا , عندما جاء الفنان الكبير الى دار الجريدة , والشرر يتطاير من عينيه وهو يحمل , عكازا" مضبضبا"! كان مهتاجا , يصرخ .. أين الكلب ..!؟

 

ومن حسن الحظ , كان الاستاذ فضل بشير فى مكتبه الذى يفتح على صالة التحرير , وخرج مهرولا , مستقبلا  للفنان الكبير , وحاول تهدئته مؤكدا له بانه سيخبره باسم المحرر الذى ارتكب هذا الخطأ الجسيم .. واستدعانا الى مكتبه , الاستاذ عثمان على نور , نائب رئيس التحرير والاستاذ التيجانى محمد احمد من كبار المحررين والمسؤول من الصفحة الفنية وشخصى ..كان واضحا  ان الفنان يتهم الاستاذ التيجانى , لأنه المحرر الفنى وقد اشتهر باسلوبه اللاذع وعباراته غير التقليدية وهو من اسمى ابراهيم عوض بالفنان الذرى وزيدان ابراهيم بالعندليب الاسمر وسيد خليفة بفنان السودان الأول , واحمد المصطفى بالعميد, وابراهيم الكاشف بعملاق الفن...وكان يرمقه بنظرات غاضبة متأكدا انه كاتب التعليق , بينما الاستاذ التيجانى, يرتعد خوفا ويوشك ان يشى باسم الكاتب الحقيقى , ولكن شهامة السودانيين تمنعه من الكلام ..! وكنت المسؤول من الكارثة اتصبب عرقا وخوفا من العكاز " المضبضب".!. وكان الاستاذ فضل بشير يرمقنى بطرف عينه كأنه يقول لى " شيل شيلتك"!..ويخاطب الفنان .. أهدأ حتى أقول لك اسم المحرر,ومن ثم نتفق جميعا على العقاب الذى يستحقه , ويتصاعد خوفى ... كان عذابا حقيقيا , ولولا تركيز الفنان واقتناعه ان الاستاذ التيجانى هو الفاعل  , لكشف أمرى ..أصبحت الان زائغ البصر , لا أجد ريقا فى فمى لابتلعه! ... وبأسلوب مسرحى , نهض الاستاذ فضل بشير من مقعده واحتوى رأس الفنان (عبيد الطيب ) مقبلا وقائلا .. سامحنى أخى الكريم , كنت احسبها دعابة وانا أكتب هذا التعليق السمج !.. انت تعرف تقديرى لك ولفنك .. آسف لهذه الشطحة السخيفة واعرف انك ستسامحنى ! وابتسم الفنان الكبير , واجاب بهزات من رأسه  وخرج , وهو بالطبع غير مقتنع بهذه النهاية !! وذبت من الخجل , وشعرت باحتقار شديد لنفسى , لما سببته من أذى لهذا الفنان الكبير ولزملائى فى الجريدة ..  وربت الاستاذ فضل بشير على كتفى , مستشعرا معاناتى ,قائلا : عندما تكتب أجعل كلامك حلوا , قد تضطر على أكله يوما ما. !!

ومأزق آخر عشته مع استاذنا فضل بشير , ليلة المتاريس ,التاسع من نوفمبر 1964,عندما خرج مئات الالاف من المتظاهرين لحماية ثورة اكتوبر , وقد سرت اشاعة بان هناك انقلابا مضادا ,لاعادة العسكر الى السلطة, .كنت معه فى سيارته عندما حاصرتنا مظاهرة غاضبة, فى الشارع الرئيسى الممتد شمال محطة السكة حديد .كان المتظاهرون فى فورة غضبهم,يحرقون السيارات  ويحطمون واجهات المؤسسات . واصبحنا فى وسطهم واخذوا يهزون السيارة بعنف وهم يتصايحون ..أقلب .. اقلب ..! وخرجنا من السيارة ولحسن الحظ لمحت بين قادة المظاهرة ,جارى فى السكن , بحي الزهور, مصطفى محمد على الذى أشتهر لاحقا باسم "عيون كديس " بعد التحاقه بالامن الاقتصادى لنظام نميرى!  كان ضخم الجسم مفتول العضلات , فصرخت أناديه .. : با مصطفى أنا يحيى مع الاستاذ فضل بشير..

وهتف مصطفى بصوته الأجش: عاش الصحفيون الاحرار ..يعيش الاستاذ فضل بشير !! وتحول المشهد فى ثوان معدودات الى هتاف وتصفيق احتفاءا بنا .!. وافسح لنا الطريق لنواصل سيرنا الى دار السودان الجديد ..

كان الاستاذ فضل بشير ,يهتم بالتفاصيل الصغيرة فى الخبر ويحولها ,احيانا الى صدارته .. وأتذكر تغطيتنا لمظاهرات اكتوبر 1964.. كنا منتشرين فى أماكن متعددة من العاصمة ... وكانت مهمتى , تغطية منطقة "زنك الخضار " وميدان الامم المتحدة .. وجاءت مظاهرة هادرة ,تصدت لها الشرطة وتمكنت من تشتيتها , وتحولت الى مجموعات صغيرة تشاغب من بعد, فى كر وفر من الجانبين .. ولاحظت ثلاثة شبان, يطاردهم شرطى متحمس ,شاهرا بندقيته .. وفى لمج البصر التفت أحد الشبان, ليفاجىء الشرطى ويختطف بندقيته !! عندئذ توقفت المطاردة, وانقلب المشهد .. الشرطى يتوسل لاستعادة بندقيته : يا ابن العم .. والله العظيم  , البندقية "دى  عهدة "! "أرجوك أعدها " .. والأغرب ان زميلى الشاب , خاطف البندقية , تحولا الى وساطة بين الطرفين" يأخى أديها ليهو .. ده عسكرى مسكين !" .. واكتمل المشهد ... الشاب يسلم البندقية الى العسكرى, الذى يصافح ثلاثتهم وهو يردد " شكرا ...شكرا" !! وينصرف..!!

كنت أحكى للاستاذ فضل بشير هذه الواقعة بعد ان سلمته الخبروسألنى.. لماذا لم تكتبها, انها من أهم أجزائه, بل وتستحق صدارته , فهى ذات دلالات عن شخصية شعبك ,يصعب تجسيدها بمثل هذا الوضوح ,عبر آلاف الكلمات ..!

وتحدثنى الاستاذة فاطمة احمد ابراهيم عن مشهد آخر ,عندما خرجت مظاهرة من زوجات وابناء ضحايا انقلاب 1971 للمطالبة بمعرفة أماكن  قبور ذويهم .. كانت المظاهرة فى طريقها للقصر الجمهورى ,وحاصرتها الشرطة ومنعتها من التقدم .. كانت الهتافات مؤئرة , خاصة اصوات الاطفال اللذين فقدوا آبائهم ..ولم يتحمل شرطى فى الصف الامامى مايشاهده , فأجهش بالبكاء  , وسقطت بندقيته على الارض, وهو معها .!

 

ويمتعنا الاستاذ فضل بشير , بحكايات رحلاته مع الفريق ابراهيم عبود , وبساطته المدهشة .. اثناء رحلة الى يوغسلافيا , طلب الرئيس مقابلة طالب سودانى يدرس هناك وبالطبع اهتمت السفارة السودانية والخارجية اليوغسلافية للعثور على الطالب الذى كان يقيم خارج العاصمة , وعندما جاء استقبله الرئيس بترحاب ومودة وسلمه خطابا ومبلغا من المال ارسله له والده وهو من معارف الرئيس القدامى !..ويحكى عن قصة " الحلبة " فى البيت الابيض الامريكى ,اثناء زيارته فى اكتوبر 1961 فى عهد الرئيس كندى .. تعود الرئيس عبود تناول الافطار مع مرافقيه  بما فيهم من اعلاميين , وكان متكدرا ذلك الصباح وشكا من مغص داهمه ليلا وانه تعود على علاجه , بالحلبة وقد نسى هذه المرة ,اخذها معه ,كما انه تجنب ابلاغ مضيفيه بالامر  حتى لا يتسبب فى ضجة واقاويل عن صحته ,تتناقلها الصحافة الامريكية والعالمية بعناوين مثيرة: الرئيس عبود يتعرض لحادث تسمم ! هل وراء الحادث تخطيط اجرامى ؟؟ وهو آسف لانه لم يحضر معه الدواء الناجع, وهنا قال له الاستاذ زيادة أرباب, وزير التربية والتعليم, ليتك اخبرتنى , سيادة الرئيس, فأنا أحمل  الحلبة معى ,دائما , وقدمها له !

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.