صباح يوم حزين من عام 1963 ,جمعنا استاذنا الجليل بشير محمد سعيد , المدير العام لجريدة الايام ليبلغنا قرار وزارة الاستعلامات  بتعطيل الصحيفة لأجل غير مسمى , وانه سيغادر الى نيويورك للعمل فى اعلام الامم المتحدة. وطلب منا اختيار المواقع التى نرغب فيها , مؤكدا انه سيبذل قصارى جهده لمساندتنا واستيعابنا فى الاماكن التى تناسبنا.. واختار الاستاذ مصطفى أمين ,سكرتير التحرير , ادارة مزرعة الاستاذ بشير فى الجريف . واختار الصديق محمد سعيد محمد الحسن الانضمام الى الرأى العام والاستاذ عبد المجيد الصاوى الالتحاق بالعلاقات العامة بالخطوط الجوية السودانية والاستاذ عبد الرحيم فقيرى , قسم الاعلام والعلاقات العامة بمشروع الجزيرة . واخترت بدورى جريدة السودان الجديد .. وحقق الاستاذ بشير رغباتنا جميعا.

 

ومرت ايام , ومصادفة كنت شاهدا على السبب المباشرلتنازل استاذنا الجليل اسماعيل العتبانى عن رئاسة تحرير الرأى العام وتكليفه لصديقه الاستاذ عابدين محجوب لقمان ليحل مكانه!!

 

اثناء مناوبتى محررا "للسهرة" فى جريدة السودان الجديد ومع غياب الاستاذ فضل بشير , رئيس التحرير, فى رحلة خارج السودان, كنت ضمن الاسماء التى ارسلت لوزارة الاستعلامات , كما كانت تسمى تلك الايام , لمن ينوبون عنه. وكانت تعليمات اللواء طلعت فريد  ان يحضر مؤتمراته الصحفية رؤساء التحرير.. ورن الهاتف فى الساعة التاسعة مساء معلنا عن مؤتمر صحفى عاجل.كان الوقت متأخرا بمقاييس صدور الصحف فى الستينيات! ولا تعقد مثل هذه المؤتمرات الطارئة الا لأمر عظيم, فاستدعى الاستاذ اسماعيل العتبانى من منزله بامدرمان , وتصادف وصولنا معا عند بوابة وزارة الاستعلامات, فسألنى ان كنت اعرف اسباب الدعوة لهذا المؤتمر فى مثل هذه الساعة ولم اكن اعرف وخمنت عدة احتمالات محلية ودولية ,ودخلنا قاعة المؤتمرات ووجدنا اللواء طلعت فريد ومعه اركان وزارته مع كاميرات التلفزيون ومايكروفونات الاذاعة, كان اشعث الشعر ,محمر العينين , مشمرا لبزته العسكرية, مما يوحى بحدوث خطب جلل.! وجلسنا فى صمت وترقب ,حتى اكتمل وصول رؤساء التحرير.واستهل اللواء طلعت المؤتمر بصوت متهدج … انا لله وانا اليه راجعون .. انعى بمزيد من الحزن والأسى للأمة السودانية فارسا من فرسانها, ساهم برجولة فى اعلاء شأنها فى مضمار الفروسية ورفع اسمها علما خفاقا ….انعى لكم صديقى واخى الفارس الجوكى زغبير! وانطلق معددا لماثر الفقيد .. وبالطبع كنا نعرف الجوكى زغبير وترحمنا عليه لكنا توقعنا حدثا نغير معه مانشيتات صحفنا !.. وتبادل معى الاستاذ اسماعيل العتبانى نظرات خاطفة تقول لى خابت توقعاتك , بينما كان استاذنا  صالح عرابى , رئيس تحرير جريدة التلغراف المعروف بمرحه وقفشاتة , يقاوم انطلاق ضحكة شماتةعلى جمعنا. واحسب ان الاستاذ اسماعيل العتبانى اتخذ قرار تنحيه من رئاسة التحرير تلك اللحظة واختياره للاستاذ عابدين محجوب , مدير الادارة,ليحل مكانه, وتم ذلك بعد ايام قليلة من ذلك المؤتمر الصحفى وكانت تعليقاتنا تدور فى هذا الاتجاه..وكان قرارا صائبا لان الاستاذ لم يكن مضطرا لحضور المؤتمر الصحفى العاجل التالى والذى لم احضره لكنى كنت خائفا مترقبا نتائجه وامضيت ساعات عصيبة قبل معرفة مادار فيه …وتلك حكاية اخرى …عن ذكريات معهم شوامخ قبيلة الاعلام..!

 

     عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.