سألني الابن محمد الطيب شروني ، عبر صفحتى في الفيسبوك ان اسرد له تجربتى مع سيدة الشرق ، الشريفية مريم الميرغنية ، واعادنى الي ذكريات تعود لاكثر من سبعين عاما ، عندما التقيتها طفلا بصحبة أمى ، فردوس على عثمان ، في سوحها الرحب بسنكات ...وتهمس امي في اذنى ، لقد حملتك الى هنا بعد شهور من مولدك ، لقد جئتنى بعد ثلاثة أبناء فقدتهم في المهد ...لذلك سميتك ، يحيى .. ! 

كانت الملاذات الصوفية هي الانتماء والهوية لجيل الآباء الذى شهد انقسامات وصراعات، بالتفاخروازدراء للآخر المنتمى لطائفة اخرى... وترعرع جيلنا ، احفاد جيل الهزيمة الأولى ، كرري ، في ثنائية صبغت حياتنا السياسية والاجنماعية ، ابتداء من الحكم الثنائي المصري الانجليزى ، والهوية العربية والافريقية ، والدين الاسلامى والمسيحي ،والإخوان والشيوعيين والملحدين والوثنيين ، والصوفية وانصار السنة والختمية والانصار ودورات الحكم المدنى والعسكري، والهلال والمريخ ..!

-
2

وأشغل أعدائي بأنفسهم ...!


في مراحل الطفولة ومطلع الصبا , كنا على اعتقاد راسخ بان غرماءنا هم الأنصار، وبتشجيع من الحكم الثنائي لتوجيه طاقات ابناء الوطن الواحد لصراع متجدد بينهم ، تعمد تقديم امتيازات لطرف وحجبها عن الطرف الآخر ، ومن هنا تجسد وتصاعد الخلاف بين الختمية والانصار،وانقسم الولاء بين القاهرة ولندن ، وظلت مظالم الشطح المهدوى والامتياز القبلي فى حكم الخليفة عبد الله ماثلة في المناهج الدراسية وفي الاستقواء الحزبي باستعراض القوة لحسم الخلافات السياسية وفض مواكب ومسيرات وليالى الخصوم السياسية واصبحت ميراثا بترديد شعارات "البلد بلدنا ونحن اسيادها " وتجسد هذا الشعار حتى في ظل حكم برلماني ديمقراطى بحل حزب معارض (الحزب الشيوعي ) ،وكانت المواكب والمظاهرات السلمية المعارضة في الحكم الديمقراطي تفض ، ليس عن طريق القوات النظامية وانما عبر مليشيات الحزب وكان يكفي ان يصيح احدهم في وسط المظاهرة " الأنصار جوكم " فيولى بعضنا الأدبار ، مما شكل زريعة للقوات المسلحة (انقلاب مايو ) لتتولى حكم البلاد الى يومنا هذا !. وأتذكر مشهدا في مصيف أركويت ، الذى كنت ارتاده سنويا يافعا ، بعد زيارة السيدة مريم في سنكات وهى مجاورة له ، أى المصيف والمدينة ، وبالطبع لم اكن ارتاده مصطافا مثل علية القوم ، وانما منحة مجانية ، بحكم ان عمي عبد الرحمن يوسف ، كان المسؤول عن ادارة محطة الكهرباء في المصيف .. وتصادف في احدي الزيارات ، في منتصف الخمسينات ، قدوم السيد الصادق المهدي مع رهط من ابناء الأسرة للاصطياف ، فقررنا مع مجموعة من شباب الختمية مضايقتهم ، فتجمعنا ونحن نرتدي الزى المميز لشباب الختمية وفي ايدينا البيارق نلوح بها ونطوف حول الفندق الذى يقيمون فيه ونردد في صخب وجلبة :
يارب بهم وبآلهم عجل بالنصر و بالفرج
اشتد هواي على المهج يارب فعجل بالفرج
وترتفع اصواتنا مدوية عندما نصل الى ذروة القصيدة :
وقنى شر معاديني وكذاك الظلم مع الهرج
واشغل اعدائي بأنفسهم وابليهم ربي بالمرج
وكنا لا نعرف معنى الكثير من المفردات في أهازيج وأمداح الختمية ، مثل الهرج والمرج والفلج و الرهج !
وذات مرة تقابلنا معهم وجها لوجه ، السيد الصادق المهدي وحاشيته يمتطون صهوات الخيل بالقرب من سهل منبسط ، يشقه مجرى من المياه يسمونه في الشرق " السرف " ... فارتفعت اصواتنا في نيرات قوية تردد النشيد الحربي لشباب الختمية :
ياابن عثمان الفتى المدد منك أتى
كل خصم شتتا عننا ياميرغنى
ميرغنى ياابن الكرام "بدر " ماحي الظلام
ساكن البيت الحرام نعم ذاك الموطن
أنت بحر قد طمى زاخرا متلاطما
والسفن تتحطما كل من فيها فنى
ياعلي حزت الفخار البهاء والوقار
انت من نسل البتول فاطمة بنت الرسول
لا تلمنا ياغبي نحن جند الميرغني
ياشباب الميرغني سيروا خلف الميرغني
من يحب الميرغني فليقل ياميرغني "1"
ورغم صياحنا وتفخيمنا للكلمات بما يشابه البلاغات والمارشات العسكرية ، مع ايقاعاتنا الحماسية الصاخبة ، الا ان السيد الصادق المهدي ورهطه ، لم يعبأوا بنا وحتى لم يعيرونا التفاتا ،و مما زاد غيظنا ، نراهم يتسامرون وهم يركضون على صهوا ت خيولهم ..! (نواصل )

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////////