عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

   ونحن على اعتاب مرحلة جديدة وغائمة في تاريخنا المعاصر ، نترقب ، انتخابات لا يقطع احد ، يقيناً بانها ستتم كاملة بمشاركة القوى السياسية الفاعلة ... ويتبعها استفتاء مصيري على وحدة السودان تتراوح توقعاته بين ارهاصات متعددة تنذر بالانفصال وتفاؤل حذر باستمرار وحدة " هشة " !

   وفي خضم هذه الأجواء المتلاطمة نسترق نظرة خاطفة للمشاريع السياسية المتوقعة في البرامج الانتخابية للقوى السياسية الرئيسية ، ويحق لنا التساؤل ، بعد الحصاد المر والمروع ، نتاج شعارات ظلت مرفوعة لأكثر من قرن كامل منذ الثورة المهدية ، في القرن التاسع عشر الى انقلاب الانقاذ في ثمانينيات الألفية الثانية ، هل استوعبنا دروس التاريخ واستبصرنا واقع بلد ظل في حروب أهلية متصلة ، ضحاياها بالملايين ، بلد تسكنه 583 مجموعة اثنية ، تتحدث باكثر من مائة لغة ولهجة ، واكثر من ستين في المائة من سكانه (( اميون)) يعيش اكثر من ثمانين في المائة منهم تحت خط الفقر !

    هل آن الأوان لمواجهة معضلتنا المزمنة التي تتعدد صياغتها في مدارس السياسة السودانية وهي تستصحب مضموناً واحداً :

       " اشكالية التوفيق بين العقل والنقل "

       " الاستغناء بالنص عن الواقع ، في تجارب اليسار واليمين"

وبصورة أكثر وضوحاً وخطورة :

       " تسيس الدين وتديين السياسة " !!

ولا مراء في قوة تأثير العقيدة الدينية على الشعوب وانعكاساتها المباشرة على توجهاتها السياسية .. وقد اثبتت الدراسات العلمية هذه الفطرة والتي استغلت ضمن استراتيجيات كبرى ، تسخر احياناً في صراعات المصالح والنفوذ لتصطرع مذاهب وفرق بحسبان انها تنتصر لعقيدتها ومذهبها بينما تكون اداة لتحقيق اهداف وغايات اخرى !

ومن أهم المؤسسات التي تشكل مرجعية استراتيجية لمراكز الدراسات الدولية Think Tanks فرع جامعة هوبكنز الامريكية في مدينة بولونيا الايطالية وقد انشئ عام 1950 متفرعاً من الجامعة الأم التي تأسست عام 1876 بالولايات المتحدة الامريكية , وقد لاحظ خبراء السياسة ، ظاهرة غريبة وهي ان اعضاء الحزب الشيوعي الايطالي وكوادره الرئيسية في جنوب البلاد والذي يشكل أفقر مناطقها ، تصوت اغلبيتهم للحزب الكاثوليكي المنافس في الانتخابات وليس لصالح حزبهم ..!

أثارت الظاهرة إنتباه الخبراء الامريكين فأنشأوا فرعاً لجامعتهم العريقة وامدوه بكفاءات عالية ، قامت بدراسات ميدانية كان حصيلتها ، ان العنصر الديني يؤثر تأثيراً مباشراً على السلوك السياسي ، وان الفرد لا يمكن الا ان يكون مرتبطاً دينياً حتى لو كانت هذه الرابطة في اللاوعي ، وتعبر عن نفسها عندما يواجه اختباراً حاسماً .!.

    واشارت الاحصائيات ان هذا التأثير يتراوح مابين 30 الى 40 في المائة من قرار كل فرد ( محاضرة للدكتور حامد ربيع ، جريدة الاتحاد ، ابوظبي نوفمبر 1982) ..

   وتوسعت جامعة هوبكنز في تخصصها في جميع المذاهب الدينية ومن بينها الاسلامية المتميزة بتشعب مذاهبها ونحلها وعصبياتها ..!

  واستغل العامل الديني في حسم الصراع الضاري بين المعسكرين الغربي والشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي ، عندما اطلق مستشار الامن القومي الامريكي زبينغو بريجنيسكي معادلته بأن : (( لا شيء قادر على مواجهة العقيدة الشيوعية الا العقائد الدينية التي فشلت الماركسية اللينينية في القضاء عليها))

وكان انتخاب بابا الفاتيكان بولس الثاني عام 1978 وهو من مواطني دولة شيوعية ، بولندا ، وعاصمتها وارسو التي تجسد قلب التحالف الشيوعيي في الحلف العسكري الذي يحمل اسمها .. وكذلك تم دعم " المجاهدين " المسلمين في افغانستان !

  وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي وهزيمة الاطروحات الشيوعية ، تضخم زهو الحركات الاسلامية العقائدية والتي ساندت بالرجال والمال " المجاهدين " الافغان ، وتصاعدت طموحاتها وتألقت شعاراتها ... وتزامن ذلك مع السنوات الأولى لنظام الانقاذ في السودان واتساع تيار " الصحوة " في تونس والجزائر ومصر وكذلك انتصارات ارتريا وهزيمة النظام الشيوعي في اثيوبيا ، بدعم من السودان .. وشهدت تلك الفترة التقاء اسامة بن لادن وايمن الظواهري في الخرطوم والانطلاق الحقيقي لتنظيم القاعدة !

 وامتلأت اشرعة النظام في السودان مشبعة برؤى غارقة في الطلاسم والأوهام روج لها الدكتور حسن الترابي ، مردداً بأن "الحركة الاسلامية في السودان اتجهت نحو العالم ايماناً بعالمية الرسالة الدينية التي تنزع نحو المطلق ولا يحتويها ظرف المكان (!) .. السودان المستضعف الهامشي سيسمق ويصير دولة عظمى لا تضاهيها أية قوة في العالم ."

} 13 أبريل 1993 صحيفة القوات المسلحة{.. وتبارى قادة الانقاذ في التبشير بعالمية رسالتهم:

       " ان رسالتنا ليست هي توطيد الاسلام في السودان بل نشره في افريقيا .. هذه رسالتنا التي اوقف مسيرتها الاستعمار وسنبدأ من حيث أوقفنا الاستعمار "   ــ د. غازي صلاح الدين جريدة الانقاذ 1993.

       السودان كما حرر نفسه سيحرر بقية الشعوب المستضعفة في العالم ، فتجربة السودان ، رصيد لكل هذه الشعوب"  ـ العميد الزبير محمد صالح 6 يونيو 1993 السودان الحديث

       " نحن نسعى الى بناء السودان وجعل شعبه قدوة للعالم تعيد للانسان مكانته كما ارتضاها الله ."  ـ الرئيس عمر البشير 2 مارس 1993 الشرق الأوسط

ومنذ تلك السنوات التي عاد فيها السودان ، متحدياً لواقعه الجيوسياسي ، ليكون مجدداً ، منارة لا جسراً ، اصبح في قلب العاصفة ... وتدرجت وتنوعت المواجهات وكان ابرزها قرار الرئيس الامريكي بيل كلينتون في 22 اغسطس 1998 ، بضرب مصنع الشفاء في الخرطوم بحري بثلاثة عشر صاروخاً من طراز " كروز" رداً على تفجير سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام حيث اتهم تنظيم القاعدة بتدبير الانفجار الذي ادى الى مقتل اكثر من مائتي شخص بينهم 12 امريكياً ..

 وظل السودان يواصل دفع اثمان باهظة ، تتصاعد من العقوبات الاقتصادية الى محكمة الجنايات الدولية ، وتتنفس داخله وحوله احتقانات الاحقاد والضغائن ، نتاج سياسات تتناقض مع امكانياته وواقعه ، وظل يترقب اخطار قادمة تمهد لها ضربات معاول التشرذم التي تنبش في الخرائط الدفينة تحت خارطته المعلنة الموروثة من الآباء المؤسسين !    (ونواصل)