خالد موسي دفع الله

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

أستبطن الأستاذ المحبوب عبدالسلام في كتابه الذي أنتجته المطابع هذا الشهر من دار مدارك بالقاهرة، والذي صدر تحت عنوان (الحركة الأسلامية السودانية.دائرة الضوء - خيوط الظلام : تأملات في العشرية الأولي لعهد الأنقاذ)،  ذات الأسئلة التي أنتجها البوفيسور برنارد لويس في كتابه المشهور what went wrong (ما الخطأ) في أعقاب أحداث 11 سبتمبر. ورغم أن الكتاب قد تم تحريره قبل أحداث سبتمبر ، إلا أنه كان مصوبا لمخاطبة القضايا الفكرية والفلسفية التي أفرزتها أحداث سبتمبر  2011 لتضع الأسلام مقابل الحداثة. ولعل السؤال المحوري الذي طرحه برنارد لويس هو: لماذا فشلت مشروعات الحداثة في العالم الأسلامي؟ بل ولماذا يتقهقهر العالم الأسلامي في مجالات الأقتصاد، وفشو الدكتاتوريات القهرية،وأنعدام الديمقراطية ، ويشهد تدهورا مريعا في كافة المجالات ، في الوقت الذي يتقدم فيه الغرب في مجالات العلوم والأختراعات، التعليم، القيم، الحرية ، الديمقراطية ، الشفافية وأحترام حقوق الأنسان والحكم الرشيد. وبعد صدور الكتاب جمعت مكتبة الكونقرس بين  البروفيسور برنارد لويس والدكتور محمد أركون في حوار فكري رفيع  ، وأستطاع الدكتور أركون في حجاجه الفكري أن يرد الأسئلة الحرجة للبروفيسور لويس متسائلا أين كان العقل والضمير الغربي عندما أشتعلت الحربين العالميتين وحصدتا ملايين البشر ولم يكن العالم الأسلامي طرفا فيهما؟.

صدر كتاب الأستاذ المحبوب عبدالسلام (الحركة الأسلامية السودانية.دائرة الضوء و- خيوط الظلام : تأملات في العشرية الأولي لعهد الأنقاذ)، وهو يستبطن أسئلة الأسلام والحداثة والعدالة والحكم الرشيد من خلال قراءة معمقة لتجربة الأنقاذ في الحكم في عشريتها الأولي.يقع الكتاب في 443 صفحة من القطع المتوسط، ويتضمن  أحد عشر فصلا وخاتمة حاول أن يضع فيها مؤشرات لثقافة العهد الجديد.ولعل السؤال الذي يفصح عن نفسه في صدر هذه القراءة هو: لماذ تأخرت شهادة الأستاذ المحبوب عبدالسلام عشر سنوات حسوما؟.  حيث توقع كثيرون أن يدلي الأستاذ المحبوب بدلوه في الأحداث الجسام التي مرت بها الحركة الأسلامية في السودان، من خلال موقعه وقربه من المنظر الأول للثورة، ومن خلال مشاركته في بلورة وصياغة الأحداث والمواقف. وربما تعود النزعة الهادئة للكتاب لأستطالة الزمن الذي  أستخرج السخائم، وأستروي الزفرة الحري التي أفرزها التدافع والصراع والمناجزات المشهودة. ورغم مرور عشر سنوات علي الأحداث التي يرويها المؤلف في كتابه في ظل المنعطفات السياسية الحادة التي مرت بها البلاد منذ ذلك التاريخ، إلا أن الكاتب أستطاع بثقافته الموسوعية في التحليل والمقاربة وأستدعاء النظر، وأسلوبه السلس المبدع، ولغته الناصعة من أن  يستدعي تلك الأحداث، ويسترجع مناخاتها، ويعيد تشخيصها في مسرح التاريخ، وأن يعيد لها الحياة الرمزية فأستقامت حية نابضة بشخوصها وحيثياتها علي أيقاع تصويري هادئ ، خال من البطولات والمواقف الدرامية. ولعل أختيار الكاتب لكلمة التأملات في عنوان الكتاب ، وليس كلمة الشهادة تفصح أكثر عن مراميه في التوثيق حيث قال : إن قصة الكتاب (لا تروي تفاجرا في الخصومة، أو فضحا للأسرار والأشخاص أو تنابزا بالألقاب ، بل عظة بالأخطاء ، وأعتبارا للصواب). ولكن صفحات الكتاب التاليات، تضع هذه العبارة المعيارية في محك النقد والنظر، فهل تحري الأستاذ المحبوب الحياد التام في روايته للأحداث من قبل قيام الأنقاذ الي المفاصلة، أم تحيز الي فئته وكساها ثوب الرشد والصواب، وتقمص أبلسة الفئة الأخري. كما لا تنفصل قراءة الكتاب من شخصية الكاتب ومواقفه الفكرية والسياسية وهو يجترح الأسئلة ويمعن النظر؟ ولعل أولي الأسئلة التي تقف في وجه القارئ هي : هل يكتب الأستاذ المحبوب عبدالسلام هذا الكتاب من موقفه كمثقف وهو يسرد تأملاته وشهادته علي التجربة؟ أم يصدر أحكامه منفعلا بعاطفته وأنفعالاته من موقعه الحزبي المناوئ للفئة الأخري، مما يجعل التوقعات تسير في سياقات تجريمية لأجهاض التجربة الأسلامية الفتية.

ويبدو المؤلف من خلال سرده غير معني  بالأجابة علي الأسئلة، بقدر أستفاضته في شرح حيثيات المواقف ، والمبادئ الفكرية التي أرتكز عليها مشروع الأنقاذ الأسلامي الذي وصفه بالثورة ، وبالدولة الأسلامية الأولي في العالم السني. و تتبدي عمق ثقافة الكاتب وموسوعيته من خلال شرحه للمرتكزات الفكرية التي قام عليها المشروع الأسلامي، وأستطاع أن يبني  خيطا فكريا ناظما لتجربة الأنقاذ من خلال مقاربتها لأسئلة الأسلام والحداثة، وموقع تجربة الحكم من القيم الأسلامية الحقة في الحرية، وحقوق الأنسان والعدالة.

ينظر الكاتب، من خلال موقعه الحركي  لأنقلاب الأنقاذ ، بأعتباره تغيرا أملته الضرورات السياسية،في فترة التدافع الديمقراطي بعد أن أستحكمت المؤامرات علي الحركة الأسلامية،و لم يكن لها من بد سوي السعي لتغيير النظام الحزبي بأنقلاب عسكري،وفق خطة محكمة، تتدرج تباعا من التمويه للتمكين، ومن ثم خروج الحركة الأسلامية للعلن بعد ثلاث سنوات، فيتم أعادة ترتيب الأوضاع السياسية والأقتصادية والأجتماعية ، حتي تستقيم سفينة الأنقاذ علي جودي الأستقرار، والتمكين فتعيد فتح باب الحريات، والتنافس الديمقراطي، قناعة بأصولها الفكرية حتي تقيم النموذج الأسلامي المرجو بعد أن أستطال به عهد التاريخ منذ الخلافة الراشدة. 

يبدأ الكاتب بفصلين تمهيديين، متتبعا هدنة المصالحة الوطنية مع النظام المايوي، وخطة الحركة آنذاك نحو توسعة الصف، وبناء المؤسسات الأقتصادية والسياسية أستعدادا لمرحلة تتمكن بها من سلطان الدولة، ويشرح أسباب أنقلاب الرئيس نميري علي الحركة الأسلامية في آخريات أيامه. ومن ثم يقدم شروحات مستفيضة لفترة الديمقراطية الثالثة من خلال فلسفة العمل الجبهوي التي وافت التجربة الأسلامية بثمار يانعات، فتحولت من حركة صفوية محدودة الي مد شعبي كاسح ينافس أرسخ الأحزاب الجماهيرية أقداما في السودان. ومن ثم يشرح الظروف والملابسات التي قادت للانقلاب من خلال الفصل الثالث. ويتناول في الفصل الرابع ما أسماه الانقاذ الاولي التي أنفذت أنقلابا فنيا ناجحا، وأستترت عنه بالتمويه حتي حازت علي التأييد الأقليمي والداخلي،وكيف أستطاعت الحركة أن تدير تلك الفترة الحرجة التي كان يقبع فيها عراب التغيير في سجن كوبر حبيسا مع قادة الأحزاب الأخري. ويبدأ الكاتب في تسليط الضوء علي الأختلالات التي صاحبت تلك الفترة لتركز السلطات حسب زعمه في يد أقلية حاولت أن تجير التغيير لصالح أهدافها الضيقة.

ويبدأ المؤلف من الفصل الخامس في تناول قضايا وموضوعات الدولة، من التنظيم الي النظام السياسي، ومن ثم قضايا الحكم الأتحادي والجنوب،والجهاد والجيش، والأقتصاد من الفلسفة الي الفوضي، ومن ثم منعطفات السياسة الخارجية الكبري.تتضمن هذه الفصول سردا تفصيليا للأحداث ، و السياسات ، والمدافعات والأختلالات، وأبرز الشخصيات المتحكمة في صنع القرار. ويبرز الكاتب من خلال خيطه الفكري الناظم للتطورات السياسية لعهد الأنفاذ الأول ، ما أسماه المفارقة بين الأصول الفكرية التي ترتكز عليها فلسفة الحركة الأسلامية لبناء الدولة، وترسيخ القيم الأسلامية في مناحي الحياة المختلفة، وبين نهج المجموعة المتنفذة من العسكريين والمدنيين الذين سعوا لتمكين  حكم الأنقاذ  دون الألتفات الي المرتكزات والموجهات الفكرية الهادية والمرشدة.ويستدل علي ذلك بالمدافعات التي تمت لأقرار الحكم الأتحادي الذي واجه مقاومة لفشو النزعة المركزية المتحكمة، ومناسخة بسط  السلطة والثروة للولايات.وكذا الحال في المجال الأقتصادي الذي أرتكز علي فلسفة نظرية مستنيرة، ولكنه سرعان ما أنحدر الي الفوضي بفعل المجموعات المتنفذة.أما في مجال السياسة الخارجية فقد سرد المؤلف الجهود التي بذلتها الحكومة الجديدة للأنفتاح علي الجوار الأقليمي،وتطبيع العلاقات مع الدول المحورية في المنطقة، مما أفاض علي الوضع الجديد دفعا ودعما من القوي الأقليمية الكبري في بادئ الأمر قبل أن يكتشف أمر الثورة وتوجهاتها الأسلامية.كما كشف عن تأثير الأنقاذ علي حركتي التحرير الأثيوبية والأرتيرية ووصولهما للسلطة ، قبل أرتكاب الأخطاء القاتلة وأرتداد تلك الدول لمعاداة الأنقاذ وتشكيل حلف دولي لأسقاطها مثلا فيه مخلب القط. أفاض المؤلف في سرد تفصيلي للأحداث والمواقف، وأبرز بوجه جلي تنافر في الرؤية بين ما أسماه قيادة الحركة التي تدفعها رؤية نافذة وأستراتيجية واضحة لأقرار السياسات لأستيفاء الأهداف الكلية ، من أجل بناء النموذج الأسلامي المرجو من حركة مستنيرة تحاول أن تستقرئ التاريخ، وتقايس الواقع وتجتهد لأبراز نموذجها الأوفي حسب محدودية الواقع وتمثلات الممكن، وبين  محور آخر متمكن يقاوم بسط فلسفة الثورة الأسلامية حسب رؤية الكاتب ، مما أشعل الخلافات التي بدأت موضوعية بين القيادتين، وسرعان ما تحولت الي شخصية، يسعي بينهما أهل الفتنة بالمناجاة وأيغار الصدور. ويصور الكاتب مناخ الفتنة الذي خيم علي الأجواء، وبروز التكتلات التي أحاطت بطرفي الصراع. وحاول الكاتب أن يصور جاهدا أن أس الصراع كان بين فسطاطين :الأفكار ومصالح السلطة.حيث يمثل الأمين العام للحركة محور الأفكار التي يريدها مهيمنة وحاكمة علي مسار الدولة، وبين القيادة التنفيذية التي أغرتها شهوة الأستئثار بالسلطة. ولا شك أن هذه الرؤية مهما برع الكاتب في تصويرها، تتقاصر عن الوفاء لشرح مكانيزمات الصراع الذي أختلط فيه الشخصي بالموضوعي. حيث لم يكن الأمر صراعا صرفا بين الأفكار والمبادئ من جانب، وحب الرياسة والسلطة من جانب آخر، ولكن في جوهره صراع بين حاكمية الحركة علي الدولة حيث أراد الأمين العام للحركة مستندا علي الوثائق والأستراتيجية أن يعيد القادة العسكريين الذي صنعوا التغيير الي ثكناتهم ، وأن يثوب  الأمر بعد ذلك الي قيادة الحركة المدنية.وهذا ما دفع الدكتور التيجاني عبدالقادر الي أجتراح مقاله العميق عن دور النخبة العسكرية هل هي شريكة في السلطة أم مالكة لها؟ ، ولتبرير الخيط الفكري الناظم لتفسيير الأحداث والمواقف في الصراع بين الأفكار ومصالح السلطة ، يبرز الكاتب من خلال تسلسل الأحداث الدور الذي لعبه نائب الأمين العام الذي يحمل رؤية مغايرة لفلسفة الأمين العام الذي يريد أن يرد السلطة الي الجناح المدني ويحيل القيادة العسكرية الي الأستيداع والثكنات. ويري الكاتب أن التماهي بين الأمين العام ورئيس الجهاز التنفيذي في الدولة بدأ منذ أنفاذ الأنقلاب لأن نائب الأمين العام هو صاحب اليد العليا في أدارة الدولة بعد الأنقلاب ، وصار هو المسئول الأول في الدولة والحركة حين كان يقبع الأمين العام في الحبس. فنشأت ثقة قوية ،و تماثلت الرؤي والأهداف فتشكلت كتلة من المدنيين والعسكريين مثلت قطب الرحي في التطورات السياسية والأحداث التي مرت بها تجربة الأنقاذ.

لم تغرق كثافة التفاصيل ، والأفكار الناظمة للأحداث والمواقف الكتاب من أغراء كشف الأسرار ، فقد حفل بالكثير من المفاجآت ذات العيار الثقيل، حيث يكشف الكاتب أن المرحوم داؤود يحي بولاد كان مصدرا لجهاز أمن نميري داخل الحركة الأسلامية، وأكد أن لجنة تصفية جهاز الأمن قد أثبتت ذلك عندما أودعت وثائق جهاز الأمن المنحل الي وزارة العدل، وأطلعت عليها الدكتور الترابي بحكم منصبه .كما ذكر في ذات السياق تفاصيل تنشر لأول مرة حول الأضطرابات التي حدثت عند الأعتداء علي الأمين العام في كندا،وكذلك قرار تمديد فترة أعتقال الأمين العام لدي أول الثورة، وتأخير أجتماع القيادة العسكرية للتغيير مع الأمين العام للحركة.

و قد نجح الكاتب في هذا السياق من مجانبة الأنزلاق في مستنقع  الشخصانية ، وتصفية الحسابات الفردية، ولكن رغم ذلك لم يخل الكتاب من سياقات تجريمية، خاصة ضد طاقم القيادة التنفيذية في الدولة، لذا فقد أفاض في تحميل نائب الأمين العام جل أوزار الاختلالات والأنحرافات التي زعم أنها تخالف الأستراتيجية التي أقرتها الحركة الأسلامية لأدارة الدولة.و سرعان ما وازن الكاتب تلك النزعة التجريمية تجاه القيادة التنفيذية ، حيث عاد وأنصف نائب الأمين العام في صدور مذكرة العشرة التي لم يكن يعلم عنها شيئا بل أخبره بشأنها وزير شئون الرئاسة، وكذلك في الجهد الذي بذله في التقريب بين الرئيس والأمين العام، حين دعا أكثر من 150 من النافذين في قيادة الحركة لأقرار الأتفاق الذي أقترحه بترشيح الرئيس لأنتخابات الرئاسة ، وتقلد الأمين العام رئاسة المؤتمر الوطني، إلا أن تدخل الدكتور علي الحاج في اللحظة الحاسمة قبل الأجتماع محذرا ورافضا تلك الصيغة، أدي الي أغضاب النائب الأول للرئيس الذي سرعان ما أعلن في أجتماع المكتب القيادي أن سيوفه مشرعة منذ الآن ضد الأمين العام، ويقف في خندق واحد مع رئيس الجمهورية. كذلك ينصف الكاتب السيد رئيس الجمهورية الذي وافق علي تقديم أستقالته إذا تم أختيار الدكتور الترابي نائبا للرئيس بديلا للراحل الزبير محمد صالح. وقد تولي أبلاغ الرئيس بذلك المقترح الشيخ أبراهيم السنوسي بعد أن تقدم بها كل من المرحوم  أحمد عثمان مكي والدكتور سيف الدين محمد أحمد. ويسرد الكاتب في الفصل العاشر والأخير، أحداث المفاصلة، حتي بيان الرابع من رمضان وحل المجلس الوطني. ويخلص المؤلف الي أن مشروع الحركة الأسلامية أطلقت عليه رصاصة الرحمة ببيان الرابع من رمضان بذات الطريقة التي تمت بها أذاعة بيان أنقلاب الأنقاذ الأول بسلطان البزة العكسرية. ويقول كأن نائب الأمين العام قد أوفي وعده حين قال إن سيوفه مشرعة ضد الأمين العام لأنه كان هو صاحب مقترح حل المجلس الوطني بعد أن كاد الرئيس أن يقدم أستقالته.

بعد هذه الأستعراض المجمل لفصول الكتاب لابد من أعمال مبضع النقد الموضوعي، خاصة وأن تلك الأحداث صارت الآن في ذمة التاريخ ولكنها مازالت بالغة الأثر في الوضع الراهن. ولعل أولي الحقائق التي تجب الأشارة اليها هي أن الكاتب نجح في سرد قصة الأنقاذ من فجر أرهاصاتها الأولي الي تاريخ المفاصلة من خلال خيط فكري ناظم يوضح الأسس والمرتكزات الفلسفية التي قام عليها التغيير.ورغم أن المؤلف حاول أن يؤكد فرضية واحدة وهي أن الصراع كان بين الأفكار ومصالح السلطة ، إلا أن فصول الكتاب تكشف واقعا أكثر تعقيدا من هذه الفرضية. وهي أن المفاصلة لم تكن صراعا بينا بين الأفكار والسلطة، ولكن بين حاكمية الحركة علي الدولة، وبين دور صناع التغيير ودور المؤسسة العسكرية في مستقبل الحكم في السودان. ورغم محاولة الكاتب مجانبة الولوغ في مستنقع الشخصانية ، إلا أنه قدم سياقات تجريمية ضد الطاقم التنفيذي، ومطاعنات أخري في الهوامش ضد الدكتور مصطفي عثمان.

لم يتوقع أحد بالطبع أن يكتب الأستاذ المحبوب عبدالسلام من موقع المراقب الأكاديمي البارد، مجردا نفسه من أنفعلاته ، وأرتباطاته العاطفية، وعلاقاته الشخصية وأنحيازاته السياسية والفكرية، ولكن في المقابل فقد منح صك براءة كاملة للدكتور الترابي من كل حيثيات الصراع والمفاصلة،ولم يحمله شيئا من المسئولية الأدبية والسياسية لما حدث. وجرم من ناحية أخري كل الفريق الذي أنحاز لجانب الرئيس البشير. ولم يكتف المؤلف بذلك، بل لم يشر من قريب أو بعيد لأي أنتقاد لمن أختاروا صف الألتزام مع الشيخ الترابي. ولعل المقاربة الموضوعية والمنهج العلمي كان يقتضي من الكاتب ، ألا يسعي لأبلسة جميع مخالفيه، ومن أختاروا الأنحياز للفئة الأخري ، وألا يمنح صكوك الغفران والبراءة لمن أختاروا فئته ومعسكره، إذ لا يعقل ألا يكون أحد ممن أنحازوا للشعبي قد أرتكب خطأ أو أساء تقديرا أو ولغ في هذه المعركة بباطل. ولعله أنقدح في وجداني ، أن الكتاب وهو يحرر كتابه هذا قد تقاسمته شخصيتان. شخصية المحبوب عبدالسلام المثقف، الذي كتب الخيط الفكري الناظم لحيثيات المواقف والأحداث والتطورات السياسية للأنقاذ، وشخصية المحبوب عبدالسلام السياسي الناشط، الذي كتب حيثيات الأدانة السياسية و صكوك البراءة والغفران لفئته ومناصريه، ناعتا فئة الحكومة من مخالفيه بكنيات الأبلسة والتجريم..لهذا الموقف صنف البعض الكتاب بأعتباره نشرة حزبية لحيثيات الصراع والمفاصلة،وتطرف البعض مشتطا، وغلب عليه  الظن أن الكتاب أصدره المحبوب للتعبير عن مواقف ورؤية الشيخ الترابي للصراع. ولكن النظر الموضوعي للكتاب يبطل هذه المزاعم،و يمنح الأستاذ المحبوب حق الأصالة الفكرية، إذ ما تزال تشع من بين صفحاته أصالة الوهج الثقافي والفكري الذي ماز سيرته الذاتية كمثقف عضوي ناشط في مدارج العمل الأسلامي العام.

في الكتاب الذي صدر أواخر السنة الماضية والذي أعده وحرره الأستاذ الوليد الطيب من مكتبة مدبلولي بالقاهرة تحت عنوان (مراجعات الحركة الإسلامية السودانية.. عشرون عاما في السلطة.. المسيرة، التجربة، المستقبل) تباري عدد من الكتاب والمفكرين في تشريح مسيرة الحركة الأسلامية، متناولين بعض المراجعات، حيث أكد البروفيسور حسن مكي علي ضرورة أفتراع طريق ثالث من خلال تراكم المراجعات النقدية. ولعل المراجعة التي تقف علي النقيض من تأملات الأستاذ المحبوب عبدالسلام هي التي أفترعها الدكتور حمد عمر حاوي الذي يري أن الحركة الإسلامية حين حكمت حدثت أسوأ ‏التوقعات، وتخلت عن كل مبادئها، وانجرت وراء الواقع، ولم يحقق هذا الجري أي أساس متين لتمر عبره ‏إلى المستقبل، ويرى أن انشقاق الحركة بين الرئيس البشير والشيخ الترابي رحمة على الدولة "فلو توحدت ‏القيادة أكثر من ذلك لحدثت تصرفات غير مقبولة للناس؛ لأن النظام كان يسير في اتجاه خاطئ، والانقسام ‏حمله على المراجعة والتغيير، فكل الممارسات الخاطئة كبيوت الأشباح وقمع المواطنين وتشريد العاملين ‏بالدولة والهيمنة على الاقتصاد وغيرها كلها تمت عندما كانت الحركة والقيادة موحدة".‏

يصوب الأستاذ المحبوب عبد السلام النظر في هذا الكتاب الي ذات الخلاصات التي أنتهي اليها البروفيسور برنارد لويس في كتابه المشار اليه آنفا (ما الخطأ) في أن غياب الحرية هو السبب الرئيس لتدهور العالم الأسلامي، ولكن المراجعات وتراكم النقد الفكري يوضح أن الحريات وإن كانت منقوصة الآن، فقد كانت أشد نكرانا في العشرية الأولي للأنقاذ. و يصدق علي التجربة ما ذكره برنارد لويس بأن العالم الأسلامي يحب أن يعلق فشله علي  التاريخ والآخر. لا يهم أتفق الناس أم أختلفوا حول طرح الأستاذ  المحبوب عبدالسلام ، ولكن العبرة أنه قال كلمته ومضي، فمتي يقول الآخرون كلمتهم؟.