عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

أعترف بأنني أكتب هذا المقال، متلفعا بثوب الحب، ودثار الحميمية،وليس حسبي في ذلك أن أتذرع بقول الطيب صالح أن أفضل النقد ما يصدر عن حب، ولكن لأن الأنجاز الفكري الذي نحن بصدده، ينسف بكشفه المعرفي ،وحفرياته التاريخية ، وملحمته الأنسانية الرائعة أسس الحياد البارد ، والمراقبة البلهاء من رصيف الأنتظار.

لقد أهدي الأستاذ جمال الدين شريف المكتبة السودانية ، سفرا عظيما تحت عنوان (الصراع السياسي علي السودان 1840-2008)، حيث يقع الكتاب في 1071 صفحة من القطع المتوسط ،أصدره علي نفقته الخاصة من مطابع دار العملة بالخرطوم، وأكتفي فيه المؤلف بمقدمته الذاتية، دون أن يحظي بتقديمه أحد كبار الباحثين أو المؤرخين المعاصرين ، وكم وددت لو أن هذا السفر أزدهي بتقديم موضوعي من المؤرخ المعاصر البروفيسور يوسف فضل،الذي كان بلا شك سيمنحه ثقله الأكاديمي وينزله منزلته التي يستحقها في مكتبة الدراسات التاريخية المعاصرة  ، كما خلا الكتاب من سيرة ذاتية للمؤلف، وهي مما يوافق مزاج ومنهج الكاتب  الشخصي في الزهد الصوفي الحق الذي يتخذه المؤلف منهجا في مدارج العرفان، حيث يؤمن بأن قيمة العمل لا تعتمد علي من يقدم كتابه من الفطاحلة العلماء ، أو بفخامة سيرة الكاتب الذاتية ولكن بما يحتويه من كشف معرفي ، وأبداع ثقافي. ولكن للأسف صارت قيمة الزهد  في زمن الفوضي وأختلاط المعايير  مدعاة لغمط الحق،ودليلا يسوقه العامة  علي السذاجة والتفريط. 

يحفظ التاريخ للرئيس الراحل جعفر نميري، أنه في أطار محاولته لربط المناهج العسكرية ، بتاريخ الملاحم والبطولات السودانية، وجه إدارة البحوث العسكرية بوزارة الدفاع بتبني ودعم وتمويل مقترح الدراسة الذي تقدم به الضابط المتميز عصمت حسن زلفو عن معركة كرري.وأستطاع الراحل المبدع زلفو، بعد بحث مضني ، وتنقيب في الوثائق وبطون الكتب أن يقدم سفرا تاريخيا متميزا عن معركة كرري، وصار فيما  بعد عمدة في موضوعه ، ومرجعا نفيسا للباحثين والدارسين وطلاب المعرفة.

لقد أختط الأستاذ جمال شريف نهجا مغايرا،حيث لم يرهن دراسته لمؤسسة علمية عاجزة ، أو مركز حكومي ضنين  يتكفل بنفقاته وتمويله رغم مشروع الدولة المعلن عن تشجيع ودعم أعادة كتابة التاريخ، وعصمة لنفسه من هذا الدخن أنفق الكاتب من حر ماله أكثر من أربعين مليونا من الجنيهات ،وسلخ سبع أعوام ، من أنضر سنوات عمره باحثا ومنقبا في الوثائق ، وأضابير التاريخ، وراحلا متنقلا بين العواصم ، ودور الوثائق والجامعات في العالم للحصول علي المعلومات والوثائق والمدونات التاريخية عن صراع القوي الدولية علي السودان. ولا تكفي السنوات المذكورة للتدليل علي الجهد البحثي المبذول في تحرير الدراسة ، ولكن يكتشف القارئ الجاد، حتي وإن كان من أصحاب التخصص العلمي الدقيق،بعد مطالعته الكتاب، هذا الكم الهائل من الوثائق والمعلومات التي ربما يطالع بعضها للمرة الأولي منثورة بين دفتي الكتاب. وأستطيع أن أقول بثقة وجرأة كبيرة أنه لم تطالع عيناي كتاب في تاريخ السودان الحديث تحتشد بين دفتيه هذه الأرتال من الوثائق والمعلومات التي تحفر لنفسها مجري جديدا في مناهج ودراسات تاريخ السودان الحديث، مثل الكتاب الموسوم بالصراع السياسي علي السودان لمؤلفه الأستاذ جمال شريف. يحتوي ثبت المراجع علي 124 مرجعا باللغة العربية،و62 مرجعا باللغة الانجليزية ، و64 وثيقة من أرشيف وزارة الخارجية البريطانية. لذا كان من الطبيعي أن يعتمد الباحث علي المنهج الأستقصائي التحليلي ، حيث تمثل الوثائق والمعلومات، أكثر من 70% من متن الكتاب، بينما يمثل التحليل، والتطبيقات البحثية الأخري  النسبة المتبقية.

ويستبين منهج الأصالة لدي الكاتب، في أنه لم يرهن نفسه للأدبيات والمناهج السائدة،القائمة علي التراث  الأنجلوسكسوني  الذي لم يكد يخرج من إساره باحث، ولكنه أختط لنفسه طريقا غامر فيه بالسباحة عكس تيار المدارس العتيدة الراسخة في هذا الشأن، عدته في ذلك الوثائق،والحقائق التاريخية والترابط المنطقي للأحداث،دون الأكتراث لنظرية المؤامرة ، أو مدونات التاريخ التي حررتها المؤسسات الرسمية.وهو بذلك لم يتهيب مظان التاريخ، وأستنطاق الوثائق، والغوص عميقا في لجج الأحداث ، وأكتشاف دوافعها ومسبباتها، ولم يركن في هذا السياق الي المشهور من الروايات التاريخية مهما بلغت موثوقيتها بالذيوع والأنتشار.

لعل النقطة الذي أشعلت شهية البحث لدي الكاتب، هو أطلاعه علي التقرير الذي نشره مركز دراسات الشرق الأوسط في لندن عن العلاقات السودانية الأسرائيلية خلال الفترة من عام 1948 وحتي 1953م، ومن ثم أطلع علي معلومات موثقة في كتاب حروب أسرائيل السرية كشفت عن علاقات أسرائيل العميقة مع التيار الأستقلالي في السودان.وقاده ذلك الي موضعة عدة أستفهامات حول الطريقة التي حصل بها السودان علي أستقلاله،والتي تعكس طبيعة الصراعات المحتدمة من قبل القوي الدولية للتأثير علي مستقبل السودان، وبعبارة أدق حاول أن يبحث عن دور أسرائيل واللوبي اليهودي في أستقلال السودان، لأن مصالح أسرائيل الأستراتيجية كانت وما تزال قائمة علي أضعاف مصر ، ومنع الأتحاد بين الدولتين ، والسيطرة علي منابع النيل، وكذلك أضعاف السودان من خلال أشعال حروب الأقليات في حجره ومدره، وريفه وحضره. ومن خلال دراسته لكافة التطورات السياسية في السودان ، خلص الكاتب الي أستنتاجات جوهرية تؤكد أن بريطانيا لم تستعمر السودان بالمعني الحرفي للكلمة ، كما أن الحكم الثنائي لا يعتبر أستعمارا بريطانيا ، أو مصريا أو حتي مشتركا، فالشريك المصري تم تهميشه من البداية ، والأدارة البريطانية  في السودان لا تمثل الحكومة البريطانية في لندن التي كانت تفضل أتحاد السودان ومصر تحت التاج المصري حسب أتفاقية الصداقة بين مصر وبريطانيا عام 1936 ، ومن ثم أتفاقية صدقي بيقن عام 1946م.وأضطرت بريطانيا لركوب موجة هذه المساومة ، أي التضحية بسياسة أستقلال السودان مقابل الحصول علي مصالح أستراتيجية في قناة السويس. ولكن في المقابل تصدي أفراد الأدارة البريطانية في السودان لهذه السياسة، منادين بأستقلال السودان في مخالفة صريحة لتوجيهات وسياسات  الحكومة البريطانية في لندن. وعضد الأستاذ جمال شريف هذه الفرضية بالأضافة الي الوثائق ، بكتاب المؤرخ الأمريكي البروفيسور ترانس هانز الذي صدر بعنوان (الدبلوماسية الأمبريالية في حقبة النضال لأستقلال السودان) حيث ذكر هانز أن الأدارة البريطانية في السودان ليست أمتدادا، لبريطانيا ولا تمثلها، وهي مستقلة عنها تماما.كما أشار الي ذلك الدكتور منصور خالد في مؤلفاته وردها لأسباب عاطفية.ويكشف الكتاب من خلال أستعراض الوثائق والمراسلات والمذكرات بين لندن والخرطوم، الخلاف الكبير بين الأدارة البريطانية في السودان ، والحكومة البريطانية في لندن بشأن مستقبل السودان، و أستشهد في هذا الأطار بالوثيقة التي حررها السكرتير المدني مستر جيمس روبرتسون في رده علي وزير الخارجية البريطاني بيفن فخاطبه قائلا " وضعنا يختلف عن وضعك، لأن أخلاصك ومهامك للحكومة البريطانية، بينما نحن نمثل السودانيين الذين يدفعون لنا، ونحن نتحدث نيابة عنهم، ونحاول تفسير مواقفهم لك وللعالم". ولا أظن أن هناك أقوي من هذا النص للأستشهاد علي الخلاف الناشب بين الخرطوم ولندن لتحديد مستقبل السودان. ويري الباحث في كتابه أن أستعمار السودان لم يكن بريطانيا، أو مصريا أو مشتركا، ولكنه أستعمار من قبل مجموعة صغيرة من الأفراد البريطانيين وغير البريطانيين وصلوا الي عصب النظام السياسي البريطاني ، وأكتسبوا نفوذا في منظومة القوي الدولية المسيطرة والسائدة آنئذ.

وبذات المنطق ينسف الباحث نظرية المصالح الأقتصادية البريطانية في السودان، حيث يري أن بريطانيا لم تكن لها مصالح أقتصادية في السودان وبالتالي لم تسع لأستعماره، بل حاول ونجت باشا الذي يمثل بعضا من مصالح مجموعة الضغط علي أستدراج بريطانيا لأستعمار السودان. وكانت خطة ونجت تقتضي تأسيس مشروع الجزيرة لربط السودان بمصانع لانكشير، من أجل  كسب ضغط نقابات المزارعين وأصحاب المصانع للضغط علي الحكومة البريطانية لتتولي بعض المسئوليات في السودان. ولما فشل ونجت في الحصول علي تمويل مباشر من الحكومة البريطانية ، أستطاع الحصول علي 3 مليون جنيه أسترليني من البنوك عام 1913 بضمان من وزارة الخزانة البريطانية لأقامة مشروع الجزيرة.

يكشف الكتاب أيضا عن الوجود الأمريكي المبكر في السودان ، حيث تعاقدت مصر مع مجموعة من الضباط الأمريكان الذين سرحوا من الخدمة العسكرية بعد أنتهاء الحرب الأهلية في أمريكا عام 1864،فعملوا تحت أشراف هيئة أركان الجيش المصري في السودان. وبعد أنهاء تعاقداتهم مع الجيش المصري في السودان، لم يعودوا الي أمريكا ، وأنتشروا في دول الجوار ، وبدأوا في ممارسة ضغوط علي أثيوبيا لتسرع بضم السودان. ويتوسع الكتاب في هذا الدور ليقرر أن الفرقة الثالثة في الجيش المصري التي كانت تضم كثير من الضباط الأمريكان هي التي أضطلعت بحركة الكشوف الجغرافية فيما بعد في منابع النيل وأجزاء السودان الأخري. 

ويخلص الكتاب الي أن مجموعات الضغط البريطانية والصيهونية والأروبية الأخري كانت هي صاحبة الحق في تحديد مصير السودان قبل الأستقلال، مخالفة بذلك السياسة البريطانية الرسمية حينها التي كانت تفضل أتحاد مصر والسودان تحت التاج المصري،وفي ذات السياق يري الكاتب أن مجموعات الضغط الراهنة خاصة في أمريكا ، تحاول أن تكرر ذات السيناريو بتحديد مستقبل السودان، مستلهمة العبر التاريخية التي ناقشها وفصلها الكتاب. فقد أستطاعت مجموعات الضغط في السابق أعادة هيكلة السودان ،وتحديد حدوده الجغرافية  وفصله من مصر ، فهل تستطيع وفق السيناريوهات الراهنة  من أعادة هيكلته مرة أخري، و  أستخدامه ضد مصر؟. وللأجابة علي هذا السؤال يري الكاتب أن حظوظ هذه السيناريوهات  ، ربما ترجح من كفة النجاح مرة أخري، قياسا علي النجاحات التاريخية السابقة. ولكن قياسا علي المتغيرات التاريخية التي حدثت يري أن جماعات الضغط لن تنجح هذه المرة، لأن الآليات، والقواعد الأجتماعية التي مررت بها مشروعها السابق صارت ضعيفة ومحطمة، ولن تستطيع أن تؤدي ذات الدور مرة أخري.

هذا غيض من فيض،وحاولت في هذه العجالة تسليط الضوء علي جزء يسير من محتويات ومضمون هذا الكتاب الذي يمور بالمعلومات والوثائق والتحليل المبهر، والأستعراض الذكي، والأستنتاجات التي تخالف السائد من الحقائق التاريخية المعلومة.

لقد ضاعف هذا الكتاب من فاجعتي ، و حزني تجاه الثقافة السودانية، إذ كشف عن بؤس المعرفة، والكسل الذهني الذي يعاني منه المثقف السوداني، ومؤسسات البحث المتعددة.فرغم صدور الكتاب قبل عدة أشهر إلا أنه لم يحظ بالنقاش، والنقد والتحليل، ولم تكلف الجامعات، ومراكز البحوث المنتشرة نفسها عناء قراءة الكتاب، وأقامة الندوات والجلسات لنقده وتحليله والأستفادة من المعلومات والنتائج التي توصل إليها. أما الصحف ووسائل الأعلام الأخري من أذاعة وتلفزيون فحدث ولا حرج، وهي التي ترهق السمع والأبصار صباح مساء مدعية أنها مراكز التنوير والمعرفة المنوط بها نشر الوعي، وبث المعرفة وأدارة النقاش حول القضايا الحقيقية التي تمور بها البلاد. لقد أجاب صدور الكتاب علي سؤال ظل معلقا في ذهني لسنوات باحثا عن أجابة.حيث يري البعض أن إقلال وعزوف المثقف السوداني عن التأليف يعود الي حرصه علي الأتقان والتجويد،ولكن الكتاب قدم أجابة مختلفة لأن العامل الأهم هو غياب القارئ الحاذق، والناقد المبدع،والمثقف العضوي، ووسائل الأعلام الذكية، ومنابر الوعي والأستنارة التي تحتفي بالأنتاج المبدع، وتهتم به دراسة ونقدا وترويجا.إن شعار الخرطوم تقرأ هو أحد الأكاذيب التي أخترعها وروجها المثقفون لأشباع وتضليل الذات، حيث ما زال الشعار يثير في نفوسهم حنينا الي نوستالجيا الماضي. لقد بلغ الأستخفاف بقيمة الكتاب والمؤلف، أن مراكز البحوث ووسائل الأعلام المختلفة لاتريد أن تكلف نفسها عناء القراءة ، بل تريد أن تستدعي المؤلف ليستعرض لها نتائج بحثه شفاهة، ومن ثم يعمل المتخذلقون أدوات نقدهم كفاحا علي الهواء مباشرة ليقدموا نقدا أنطباعيا دون أن يطالعوا سطرا. الشكرا للأستاذ جمال شريف مرتين ، مرة، لأنه أعاد لنفوسنا الثقة، بأن الأبداع البحثي لم ينضب معينه بعد، وهو قادر علي أصابتنا بالدهشة كلما توفر الصدق، والتصميم،والقدرة علي التضحية  والحرص علي رسالة المعرفة. وشكرا مرة ثانية لأنه كشف لنا عن عورة المثقف السوداني الذي يمارس الكسل الذهني في أزهي تجلياته المعرفية، ويغطي ذلك العجز بالزيف والأدعاء.لم أستطع مداراة حزني لأن سبع سنين من البحث المضني، والأبداع المعرفي ، والجهد المتواصل،والنتائج الدراسية الجديدة والتكفل بنفقات البحث من مدخرات الكاتب الشخصية والطباعة علي النفقة الخاصة، لم يشفع للأبداع في هذه البلاد المنكوبة.أريد أن أعرف علي من نعلق الأخفاق هذه المرة، ولا برضو الحكومة غلطانة ، ربما لأنها لم توفر لنا نظارات القراءة الطبية مجانا.

لقد تخرج الأستاذ جمال شريف من جامعة الخرطوم، كلية الآداب ، قسم الفلسفة في مطلع التسعينات، بعد أن قضي بضع سنوات طالبا في كلية الهندسة في نفس الجامعة، وعمل في الصحافة، وفي مركز المعلومات برئاسة الجمهورية عدة سنوات، قبل أن يقدم أستقالته عندما تعارضت مشروعاته المعرفية التي تتطلب تفرغا تاما وسفرا دائما  مع مقتضيات وظيفته البيروقراطية.

ربما لو أختار الأستاذ جمال شريف أن ينضم لأحدي الحركات التي تنطلق في مراتع صباه لأصبح أعلي صوتا، ولهشت لطلعته الكاميرات وتسابقت إليه وسائل الأعلام، ولكنه أختار طريق الكفاح بالمعرفة والقلم ونشر الوعي.