درج الاستاذ حسين خوجلي عندما كان حفيا بالأناشيد والتواشيح والمواجد ان يقول ان الإنقاذ أذكي من اعلامها.وعندما كثرت المواجع والمراود التي تنهش في جبال الكحل المكتنزة اصبح البعض يقول ان الحكومة تريد اعلاما مروضا يستاك يوميا بفرشاة الاسنان الرسمية لينظف أنيابا لا تحسن العض او المضغ، وتريد اعلاما يردد صدي صوتها لتصبح هي الطائر المحكي والآخر الصدي. 

وقد كشفت الانتخابات الامريكية ان الاعلام ومؤسسات سبر الآراء لا تصنع الظاهرة السياسية ولا تسهم في تشكيل الرأي العام بذات القدر المُتوقع لكنها بعض من صدي تلك الظواهر ولا تمثل جوهر حقيقتها..
كان موظف الاستقبال بالتلفزيون القومي يجلس متثائبا في غرفة شبه مظلمة الا من بصيص ضوء شحيب يتسرب من شاشة التلفزيون التي أمامه وهو يشاهد احد أفلام الأكشن الامريكية، سألني في تثاقل عن وجهتي وهو يقلب في دفتر مهترئ أمامه عن اسمي، ولما وجده قال لي هل تعرف طريقك الي الداخل؟
لما أطل وجهي لداخل مبني التلفزيون وجدت للموت اسما آخر، فتلك الردهات التي كانت تمتلىء بالحيوية والعمل و ضجيج الحياة والإنتاج قد مات شخيب التوق والابداع في عروقها ، وجدت عُبوسا في وجوه العاملين، وعندما دلفنا للاستديو لتسجيل البرنامج الذي كنت ضيفا عليه اجلسنا المخرج في طاولة كانت تستند علي طوب متهالك حتي لا تنهار امام الكاميرا، وأخذ مهندس الصوت وقتا حتي يبحث عن مايكروفون للضيوف الثلاثة، وكان مهندس الإضاءة يبحث عن عصا موسي حتي يعدل من اتجاه الإضاءة ليعيد تركيزها علي وجوه الضيوف فأخذ وقتا حتي وجد عصاة مهملة في احد أركان الاستديو، وتبرع مقدم البرنامج بمناديل ورقية لمسح العرق بعد ان تعطل نظام التكييف في الاستديو لشهور خلت . واستغرق تسجيل البرنامج ثلاثة أضعاف الوقت لعوامل فنية تختص بالتجهيزات وقلة الموارد والامكانات و زهد العاملين والمخرجين والفنيين عن الانتاج والابداع وتردي بيئة العمل.
لا ادري لماذا لا تمس توجهات الدولة وبرنامجها الاصلاحي عَصّب العمل في التلفزيون الذي اصبح اشبه بالجثة الهامدة التي تطفو علي سطح النيل، ولولا بعض إشراقات لتم تشييعه لمثواه الأخير، فما يزال التلفزيون زاخرا بالكفاءات والقدرات البشرية لكن تنقصها الامكانات والدوافع ، فتلك الردهات التي اصبحت عصية علي الإبداع مشي في دهاليزها عباقرة اهل السودان في الفن والابداع والثقافة وقادة الرأي والزعامات السياسية في مختلف حقب السودان التاريخية.
لقد طوي التطور الإعلامي الهائل فكرة التلفزيونات الرسمية لان المنافسة في جذب المشاهدين اصبحت عالية ، ويهرب معظم المشاهدين من متابعة برامج التلفزيونات الحكومية لانها اداة تحشيد توجيهية اكثر من انها وسيلة ترفيهية تثقيفية. كما ان عنصر الحرية في القنوات الاخري الخاصة اعلي سقفا من التلفزيون الرسمي لعوامل كثيرة منها الرقابة الذاتية وكذلك سيطرة الحس الوظيفي علي الكادر العامل فيها. لذا هرب معظم مبدعي التلفزيون الي القنوات الاخري ليس فقط للدافع المادي حيث تمنح تلك القنوات مرتبات مضاعفة ولكن توخيا للحرية دون سقوف الحس الوظيفي المتكلس.
ولعل دراما الصراعات بين قيادات التلفزيون السابقة تعتبر عظة لمن تحدثه نفسه لتقلد اي وظيفة قيادية في التلفزيون، وسمعت ان العديد من الكفاءات الإعلامية اعتذرت من قبل عن تولي تلك المهمة ليس تشككا في قدراتهم ولكن خوفا من متاريس الفشل من لوبيات وظيفية في الداخل و انقسامات عميقة واستقطابات حادة، ولعل فصول المحاكمة الجارية الان لمدير التلفزيون السابق الاستاذ محمد حاتم سليمان تقف شاهدا حيّا للترصد وايغار الصدور من اصحاب المهنة الواحدة.
ان انسحاب الدولة من تمويل التلفزيون علي الوجه المطلوب ليس حلا، كما ان استمرار ضعفه الراهن والاداء المتردي يعتبر تشويها لرسالة التلفزيون الإعلامية، وعلي الدولة ممثلة في اجهزتها الرسمية المعنية ان تضع في اعتبارها احد خيارين: اما الإصلاح الشامل وتوفير التمويل اللازم ليؤدي التلفزيون رسالته الإعلامية المنشودة او ان يتم بيع نصف الأسهم للقطاع الخاص لتأسيس شراكة جديدة تستفيد من التجارب السابقة خاصة قناة النيل الأزرق حتي لا تقع في مستنقع الاستقطاب والتناحر.
ان وجود اكثر من ألفي موظف في التلفزيون دون انتاج يذكر يعتبر احد اكبر ملامح الفشل والعجز الاداري، وذلك لوجوده ضمن هيكل الخدمة المدنية المترهل، كما ان مفهوم رسالة التلفزيون الاعلامية ملتبسة فبعض قيادات و موظفي التلفزيون يعتبرها قناة تعبر عن التوجهات الرسمية للدولة والنشرة الحكومية اليومية لنشاطات الحكومة. وهذا يجعل منها قناة طاردة للمشاهد لانها تفتقد القدرة علي التنافس في شتي ضروب العمل الإعلامي والإبداعي. كما تجعل المشاهد يبحث عن مصادر اخري للمعلومات الصحيحة والحقائق المجردة بعيدا عن النشرة الرسمية التي تقيدها اكثر الإحساس الزائد بالرقابة الذاتية.
فقد تلفزيون السودان هويته في ظل التجريف والتجريب المستمر، فقد جعل منه الطيب مصطفي قناة توجيهية دعوية، وكان قبلها محمد جمال الدين يعتبره اداة ترفيهية تثقيفية وكان بابكر حنين يعتبره واجهة لعرض الاحداث اليومية، وخطط السمؤال خلف الله ان يجعل منه قاعدة انطلاق ثقافية، لكن لم يمهله الوقت وحاول امين حسن عمر ان يمازج فيه بين المعرفة والتثقيف والتوجيه والسياسة، اما الاستاذ محمد حاتم فقد هزمه التمويل والطموح وضعف الفكرة ومركزية القرار فلم تمهله الصراعات ليستبين وجهته.
ان احد ابأس تطورات السياسات الاعلامية هي توصيات ومخرجات مؤتمر الاعلام الذي كان تظاهرة اكثر منه منبرا للحوار والتفاكر والنقاش وجاءت مخرجاته متعجلة فاقدة للرؤية والمنهج والهدف دون افساح أبواب النقد والنقاش والتفاكر والشفافية مع اصحاب المصلحة ليكرس لهيمنة المراكز وزيادة حدة الاستقطاب، ويكفي ان تكون احد توصيات هذا المؤتمر هو اعادة دمج الإذاعة والتلفزيون في هيئة قومية وهي تجربة فشلت ثلاث مرات من قبل ، وها هي بوادر الفشل تلوح في أفقها من جديد، ولعل الدافع لتلك التوصية التي لم تحظ بالنقاش الفاعل والكافي بين المختصين هو تكريس لقوة بعض المراكز التي ظهرت آثارها في الصراع الخفي الذي وضج جليا في دراما محاكمة المدير السابق الاستاذ محمد حاتم سليمان.
لعل ابأس مشاهد العمل الإعلامي هو ابقاء كوادر مقتدرة علي العمل الإعلامي الفاعل بأفق متسع من الثقافة والمعرفة علي هامش الفعل والنسيان مثل الاستاذ السر السيد الذي تحول الي موظف يعاظل كيد الافندية بدلا من نزيف الحرف ومواجع الإبداع. لكن تظل الكوادر الثقافية والفكرية في أفق التجارب الأيدلوجية مبعدة لا يهتم بها في ظل غلبة الكوادر الحركية لأنها اكثر جلبة لمنهجها البرغماتي والخبرة التنفيذية و لا تعف عند المغنم، اما المثقف فهو نادرا ما يبيع ضميره الباحث عن الحقيقة وذاكرته المؤسسية للتاريخ من اجل الكسب العابر.

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.